عنوان الـمقــال: الطعن في سلوك الملحدين، لا يُبرر ممارسات المؤمنين! . اضيف بواسطة : أبو بكر سليمان أبو بكر . بتاريخ: 15/08/2009.
الطعن في سلوك الملحدين، لا يُبرر ممارسات المؤمنين!
التطورات العلمية أظهرت إمكانية التدخل في شيفرة الخلق، وإنتاج إنسان مُعدّل وراثياً أو جينياً حسب المواصفات المطلوبة! وهو الأمر الذي تم رفضه من قبل مؤسسات دينية وحكومية رسمية في جُل المجتمعات البشرية، وذلك بحجّة الأخلاق التي تمنع المساس بحرمة الإنسان الطبيعي!
هنا يتفق المؤمنون مع غيرهم، على ضرورة المحافظة على الحرمة الآدمية، وعدم المساس بالآلية الطبيعية لإنتاج الجنس البشري!
لكن المؤمنين يُجيزون لأنفسهم التدخل - لاحقاً - في سلوك الإنسان والتأثير على طبيعته، وتعطيل بعض ميوله الفطرية، واستبدالها بأوامر لا تحمل حُجّة ولا تحتمل نقاشاً، وهي محروسة بعقوبات صارمة! وبذلك يتكون إنسان حسب المواصفات المطلوبة طائفياً، وهو إنسان غير طبيعي بكل تأكيد! فالتأثير في خلق الإنسان قائم هنا، والفرق مرحلي لا جوهري بين الفقه الديني والعلم الجيني!
فالعلم استطاع التدخل في تهيئة الإنسان في مراحله الأولى، بينما يفعل الفقهاء الشيء ذاته ولكن في المراحل التالية! وتبقى النتيجة واحدة، وهي إنتاج إنسان مُعدّل، أي أنه إنسان غير طبيعي!
إن إصرار المؤمنين على انتزاع الاعتراف بصحة اعتقاداتهم، وإثبات فساد عقائد الآخرين، هو سبب خلافهم وصدامهم مع غيرهم، وهو ذات السبب الذي أدى إلى ظهور الطوائف المتصارعة داخل العقيدة الواحدة في مجتمع المؤمنين أنفسهم!
والمؤمنون في هذا الشأن مخطئون ولا شك، لأن الاختلاف بين البشر عقيدة وسلوكاً هو واقع وحقيقة ثابتة، مرتبطة بكون الإنسان كائناً مستقلاً حياً متفاعلاً، وليس كائناً جامداً مبرمجاً! كما أن الاختلاف بين البشر هو مشيئة إلهية ( حسب عقيدة المؤمنين)، وبالتالي لا ينبغي محاولة طمس مواضع الاختلاف، أو اتخاذها ذريعة لنقد الآخرين، ومحاسبتهم عليها! فمحاسبة الناس على حملهم لأمور خلقية طبيعية – هي ليست من صنعهم، سعياً إلى قولبتهم ودمجهم في نمط واحد يُرضي هذا المفكر أو هذه الجماعة أو الطائفة ..، هذا السعي وبهذا المعنى، هو عنصرية متطورة، لا تختلف عن محاسبة الناس وملاحقتهم وازدرائهم بسبب اختلاف ألوانهم وأطوالهم ولغاتهم وقدراتهم الذهنية..، والهدف هو ظهور بشرٍ (غير طبيعيين) حسب المواصفات الطائفية المطلوبة-، وهو أمر لا يختلف إطلاقاً – من حيث النتيجة- عن التدخل العلمي في تحديد مواصفات الإنسان، وهو الأمر الذي تم رفضه كما أسلفنا!
الإنسان هو رمز عقلانية وأخلاق البشر، وعنوان أبحاثهم! وإقناع الإنسان بضرورة فعل الصواب وترك الخطأ هو هدف كل النظريات! ويبقى الفرق بين النظرية والتطبيق هو لب مشاكل البشر ومصدر اختلافاتهم وصراعاتهم!
البحث كان ولا يزال يتمحور حول إيجاد المعادلة أو الآلية التي تؤدي إلى استقرار المجتمع البشري، مع احتفاظ الإنسان بطبيعته، وبالتالي حقه في الحياة مع اختلافه عن الآخرين من حوله!
هذه الآلية ليست متوفرة اليوم، ولم تتوفر في يوم من الأيام! وأنا هنا أزعم أن عدم وجودها حتى الآن، هو بسبب خطأ أساسي وجوهري في إدارة العلاقة بين عناصر المعادلة التي تتكون على أساسها المجتمعات البشرية!
فالعناصر الأساسية المعتمدة في تكوين المجتمعات البشرية حتى الآن، هي العِرق والدين واللغة والجغرافيا!
والمراد هو تحقيق نتيجة معينة من المعادلة، مع تثبيت قيم هذه العناصر، وإجراء كل التغييرات على عنصر واحد، هو الإنسان..، وهذا هو مكمن الخطأ!
فالذي ينبغي أن يحصل هو العكس تماماً! أي تثبيت قيمة عنصر الإنسان، وتغيير قِيم باقي العناصر!
فلو تصورنا إجراء استبيان عالمي لحصر أنماط الأفراد حسب ميولهم الفطرية وقناعاتهم الطبيعية الحرة، وتم بناءً على ذلك إقامة مجتمعات مصغرة نموذجية، تُصاغ قوانينها حسب ميول ورغبات الأفراد، لتضم كل منطقة المتفقين فكرياً فقط!
وبالتالي يكون الارتباط بين البشر فكرياً لا عرقياً، بحيث إن عنصر الدم والقرابة لا يُجبر الابن على البقاء مع والديه المختلفين عنه فكرياً؛ وإنما عليه البحث عن المنطقة التي تضم أفراد أمته الطبيعيين! وبذلك لن يضطر الإنسان إلى الخداع والرياء والنفاق، بإظهار ما يُريده المجتمع والوالدين، وممارسة ميوله خلسة، وهو ما يحصل اليوم، وهو ما يضطر الحكومات والقانونيين لاستحداث القوانين والعقوبات التي تجعل من هذا الفرد أو ذاك، عنصراً في هذه الأمة أو تلك بصورة قسرية؛ مما يضطر الأفراد كذلك إلى البحث عن الثغرات في تلك القوانين أو انتهاكها علناً، لأنهم يرونها جائرة في حقهم، حيث إنها من صنع بشر مثلهم ولا تُناسب ميولهم الطبيعية؛ .. مع التذكير بأن المحافظة على المواصفات الطبيعية للإنسان - كما أسلفنا – هي الذريعة التي جعلت غالبية صُنَّاع القرار في العالم يتفقون على تحريم ومنع تدخل العلم في تركيبة الإنسان الجينية!
إذا تصورنا ظهور مثل هذه المناطق الجغرافية، التي تضم أنماطاً بشرية متوافقة فطرياً طبيعياً، فإننا سنحصل على مجتمعات بشرية نموذجية مستقرة، وستكون العقوبات فيها تقتصر على نقل المخالفين من المجتمع الخطأ إلى مجتمعاتهم المناسبة!
أما الحديث عن حقوق الإنسان، والتشدق بكرامته وحرمته وقداسته، إلى جانب العمل الحثيث - تحت مختلف العناوين والشعارات – من أجل ضبط تشويه إعدادته وتغييرها بما يُناسب أفكار وأهداف الطوائف والحكومات والمسيطرين- وهي الأفكار والأهداف التي ترفضها تركيبته الطبيعية - والتي لم يخترها .. فكل ذلك لا يعدو أن يكون محاولات يائسة فاشلة خادعة مخالفة لحقيقة يُدركها الجميع!
فإذا كان الهدف هو المحافظة على وجود الإنسان الطبيعي، فإن ذلك يستوجب الإقرار بحقه في الاختلاف، ومن ثم توفير البيئة المناسبة وصياغة القوانين بما يحافظ على طبيعته المختلفة عن غيره!
وإذا كان الهدف هو إنتاج إنسان بمواصفات معينة، فينبغي تشجيع العلم ودعم العلماء، وحثهم على إجراء تجاربهم على البشر مباشرة، والتدخل في طبيعتهم وتحويرهم وتحديد مواصفاتهم منذ مراحلهم الأولى – حيث لا ألم ولا ذكرايات أليمة، وبالتالي إنتاج أجيال بشرية حسب الطلب! .. وذلك بدل التدخل اللاحق المؤلم، بآلية الدين أو الثقافة أو العرف أو سواها، لإجبار الإنسان على تغيير طبيعته بعد تكونها!
ينبغي التذكير هنا بأنه في المجتمعات المتخلفة التي لا تُقيم وزناً لكينونة واستقلال الفرد البشري، فإن المسيطرين باسم الثقافات والأديان يتدخلون في طبيعة الإنسان ويقومون بتجنيده لصالح أفكارهم وعقائدهم مبكراً، حيث ينالون من صفاء فطرته منذ طفولته، وذلك بتلقينه معاييرهم التي لا تحظى بإجماع المجتمع، والتي تدور بسببها الصراعات!
وهم بذلك إنما يتأخرون مرحلياً عن المنطقة التي يعمل فيها العلم، والتي تم رفضها من قِبلهم!
ولعل العجز العلمي وحده - لدى المسيطرين من الساسة والفقهاء– وليس الأخلاق، هو ما يحول دون تدخلهم جينياً في تحديد وتعديل مواصفات الإنسان!
ولعل العبث علمياً بمواصفات وطبيعة وحرمة الإنسان، هو أقل مساساً بالأخلاق والمنطق، من التدخل لاحقاً – جراحياً بالقتل أو نفسياً بالتهديد، لإجبار الإنسان على تغيير طبيعته!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر !