الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية


عنوان الـمقــال: لا حياة للألم إلا في أحضان الأمل! . اضيف بواسطة : أبو بكر سليمان أبو بكر . بتاريخ: 12/07/2009.








لا حياة للألم إلا في أحضان الأمل!





من المفارقات أن يكون الألم هو نقيض السعادة، وأن لا يحتضنه سواها!
فمن صدّق وهماً، وقلّد واهماً، فبذل جهداً، وانتظر سعادةً، متجاهلاً أن انتظار السعادة مرادف لانتظار الألم..،
فإن زمن انتظاره ليس سوى فرصة تمنحها الأقدار عادة للواهمين والحالمين، ليختاروا عنواناً لمأساتهم القادمة!
فكل
ما يفعله الإنسان اليوم، هو تسجيله لحجم مشاركته في مأساته غداً..، حين ينضج الألم فيتحقق الندم مصحوباً بالحزن، ويثبت العجز فيتحقق الأسف!
........................
الألم والحزن والأسف والندم ..
الألم
هو العنصر الأساس في هذه الباقة الرباعية البغيضة العابثة بعواطف الإنسان في جل محطات حياته!
فالحزن والأسف والندم، هي أذناب للألم، تكونت وتفرعت عنه بسبب غرور الإنسان وتهوره وتجاهله لعلاقة ألمه الصادق بسعادته الكاذبة!
الألم
عنصرٌ أساسي في الطبيعة؛ بينما الحزن والأسف والندم، لا توجد إلا في حياة الإنسان، ولا تُصيب سواه، ومن المفارقة أن لا يُصاب بها إلا الكائن الوحيد المهيأ لاجتنابها!
......
الأسف..
هو نوع من الألم المفتعل، ينجم عن الشعور بالعجز عن أداء واجب. والعجز هو الضعف والهزيمة أمام موقف يفوق طاقة العاجز.
وليس بعاقلٍ ذاك الذي يضع نفسه في موقف الهزيمة والعجز، ثم يواصل مسيرة حياته آسفاً.
فالأسف ينجم عن دخول الإنسان لمنطقة الفيض الحماسي، تعالياً وتكبراً على موقعه الطبيعي في منطقة البرود المنطقي، مما يؤدي به إلى إبداء استعداده للقيام بما يفوق طاقته من المهام، الأمر الذي يضطره إلى الدخول عشوائياً في معركة خاسرة حسابياً! فيجني بذلك الأسف نظرياً وعملياً!

......
الحزن...
هو كذلك نسخة معدلة عن الألم الطبيعي. وينجم الحزن عن دخول الإنسان عمداً، إلى منطقة الفيض العاطفي، متجاهلاً تحذيرات الأمن العقلي!
فإظهار المشاعر العاطفية اللا واقعية واللا منطقية، والمبالغة في الارتباط بالآخرين – أياً تكن العلاقة بهم -، وبناء صروح خيالية وهمية من المودة والحب، بغية إثارة العواطف والتلذذ بالخروج اللحظي من عالم الحقيقة المستقر!
ودخول معركة ضد الواقع، بالاعتماد على أسلحة العاطفة وجيوش الآمال!
وإيهام الإنسان لنفسه وللآخرين بإمكانية تجاوز قوانين الطبيعة الثابتة منذ الأزل، والعزم الكاذب على مواجهة القدر!
ومخادعة العقل بإتباع الهوى والتعمق في بناء الأحلام وتدكين ألوانها الوردية، لإخفاء خلفيتها السوداء!
والسباحة ليلاً في أنهار الأوهام، والسفر بمراكب التجاهل، والتحليق بمناطيد التغابي، وقصف قواعد الحقيقة المُرّة بفقاعات الأمل الخادع!
هذه هي الأسباب الكامنة خلف الأحزان! فليس الحزن سوى صعقة نفسية ناتجة عن اصطدام الإنسان بالواقع الحقيقي، عند عودته من رحلة سياحية في واقع افتراضي من نسج الخيال! فلا حزن لمن لم يُغادر الواقع!
......
الندم ...
هو الآخر صنف من أصناف الألم المُبتدَع! فالندم هو حلم حزين وأمل كئيب؛ حيث يطمح النادمون بندمهم إلى إعادة عقارب الزمن إلى الوراء؛ إلى حيث يُمكنهم تغيير عنوان أو حجم مغامراتهم!
فالندم حاضر في حياة المغامرين، بدرجة وبصورة أو بأخرى سواء نجحت مغامراتهم أو فشلت!
ففشل المغامرة يعني الندم على الجهد والوقت والمادة التي بُذلت في المغامرة، والتي لن تعود! وكأن السماء قد تعهدت لهم بالنجاح ولم تفي بعهدها!
ونجاح المغامرة لا يعني عدم الندم! فالندم على صغر حجم المغامرة وعلى تأخر زمنها، سيكون مصاحباً لنجاحها!
كما أن النجاح سيكون دافعاً وعاملاً حاسماً للتغرير بالبسطاء وظهور المزيد من المغامرين والحالمين، وبالتالي زيادة أعداد النادمين!
......
الشُهرة في الزمن..

الباحثون عن الشهرة، يعلمون أنهم سيخسرونها عاجلاً وليس آجلاً، أمام منافسيهم، وفي مقدمتهم الزمن- خصم الجميع الذي لا يُهزم!
ويُدركون أنهم سيدخلون خيمة المغمورين المُهملين، ويطلبون مساعدتهم وخبرتهم، في محطة قادمة يدفعون فيها ثمن شهرتهم، وسيكون الفارق حينها كبيراً لصالح المغمورين!
الباحثون عن الشهرة، يعلمون أن مصيرهم سيكون الإهمال والتجاهل أو الانتقام منهم والتشفي بهم أحياءً، أو نسيانهم أمواتاً،- وحتى عدم نسيانهم لا معنى له سوى أثره المؤلم على عبيد الشهرة!
فطالبو الشهرة يعلمون أن لها ذروة تتداعى بعدها؛ وأن نشوتها الآسرة لا تنفي حقيقة أن الشهرة عبارة عن مجد وهمي كاذب - لا جوهر له ولا حياة فيه ولا بقاء له.
كما أنهم لا يستطيعون تجاهل الحضيض الذي ينتظرهم، والذي ملئه الألم والحزن والأسف والندم، المصاحبة لتداعي الشهرة وتحطم النشوة أمام عجزهم القادم المؤكد!
فالمشاهير ليسوا سوى أناسٍ متفائلين يتجاهلون حقيقة يعلمونها. فهم مغامرون متهورون، شاركوا في اختيار عنوانٍ لمآسيهم!
......
مواد الشُهرة ..
المعجبون والمشجعون وعشاق المشاهير في كل المجالات، والذين يصل بهم الأمر حد التقديس والعبادة للمعشوق، هم عبارة عن مواد خام تُصنع منها أمجاد الشهرة الواهية.
يحصل المشجعون والمعجبون في مقابل قلقهم المستمر وجهدهم المضني ..، يحصلون أحياناً على متعة لحظية مصطنعة، مصحوبة بترقب غير مضمون النتائج، يُولد إثارة عابرة ..، وكل ذلك بغية التغطية على صوت الخواء المنطقي والفراغ الفكري، الذي يُدوي بداخلهم مُفرغاً وجودهم من كل معنى!
.........
البلاطُ أو الرخام، هو حجرٌ مُصنّعٌ ومزخرف. ولكنه لا يُزخرف حباً فيه وإكراماً وتقديراً وتمييزاً له عن بقية الحجارة المهملة، غير القابلة للزخرفة والزينة!
إنما يُزخرف البلاط والرخام ليُطرح أرضاً، وتطأه أقدام الأغنياء والمشاهير.
فيظهر الإنسان – وإن كان بغيضاً وقبيحاً -، .. يظهر في صورة جميلة، عند وقوفه وسيره فوق البلاط المزخرف. فيُمتدح القبيح المحمول، ويُهمل الجميل الذي يحمله!
وكذلك هو حال المعجبين والمشجعين العاشقين للشهرة والمشاهير، والذين يُنفقون أوقاتهم وأموالهم ( وشيئاً من كرامتهم)، لتعظيم الآخرين وإبراز شهرتم، وإثبات ضآلة مكانتهم هم!
......

كل ما سبق يمكن وصفه بمآسٍ متعمدة من صنع البشر؛ فلا تجب مساعدة ضحاياها لأنها قد تعود بالندم، ولا معنى للأسف على من تعمد إيذاء نفسه والإساءة للإنسانية عامة، ولا عقلانية في الحزن على من قرر السير في سبيل الحزن بمحض إرادته..، إلا من قبيل الشفقة لا من قبيل الواجب!
فليست هذه إلا نتائج حتمية ومنتظرة في حياة كل من استعمل معايير غيره ونظرياتهم النسبية في حياته الخاصة، وتجاهل اختلافه الأكيد عنهم!

فالفقير مُذنب متعمد إذا تزوج، وهو مجرمٌ عن سبق إصرار إذا أنجب أبناءً! ومساعدته بعد الزواج والإنجاب هي اتهام له بالغباء، ينبغي أن يرفضه إن كان عاقلاً ويدَّعي شيئاً من الكرامة!
وحزن الأب والأم على أبنائهم، ناجم عن شعورهم بالعجز، الذي أوجد لديهم أسفاً لعدم قدرتهم على إنقاذهم – أياً تكن مصيبة ومأساة الأبناء.
فكأن الوالدين قد تعهدوا لأبنائهم بحياة سعيدة. السعادة ذلك الحلم الذي أثبت التاريخ والعلم والعقل والمنطق والواقع، أن الإنسان لا يملك المقدرة على تحقيقه وتوفيره لنفسه؛ فكيف يتعهد به للآخرين!
فإذا كان الإنسان لا يستطيع رؤية الألم على أبنائه، فلماذا يُقرر بمحض إرادته إدخالهم إلى دار الألم، ثم يُعلن أسفه على ألمهم!
ولو كان كل مُحب دقيقاً وأميناً في حبه ووصفه لمشاعره، ورفضه لفراق من يدّعي حبه، لمات أسفاً منذ اللحظة الأولى التي أحبه فيها – حيث إنه يعلم أن فراقه قادم؛
أو أنه لم يكن ليُحب مفارق! ولكان صادقاً لو أن حبه كان للجبال والشمس والأرض والهواء والنار والمحيطات .. التي لم تفارق أحبابها، وهي التي لا أعداء لها!
ولو كان كل محب صادقاً في حبه، لما ارتضى الحياة يوماً بعد غياب من سكن قلبه وملك وجدانه، كما يدّعي!
فهل يزرع العاقل حزنه بيده، ثم يجد السعادة في الزمن الذي ينتظر فيه نضوجه!
......
نظرة على واقع حياة الإنسان في كل مكان، تبيِّن أن التعاسة أصلٌ والسعادة استثناء؛ كما أن الموت أصلٌ والحياة استثناء!
فالبيئة المتاحة والشروط المتوفرة كلها لصالح الذل على حساب الكرامة، ولصالح الفقر على حساب الغنى، وللمرض ضد الصحة، وللموت ضد الحياة، و...، !
وإنه لأمر معيب أن يبحث العاقل عن ثمار السعادة بين أغصان التعاسة! كما يُنقب المشعوذ عن أسرار الحياة بين القبور!
ثم يكادان يموتان أسفاً لعدم جنيها، وحزناً على فقدانها، وندماً على جهودٍ بذلاها!
أعتقد أن بناء الصداقات المصطنعة والعلاقات العاطفية والزوجية وإنجاب الأبناء، وإقامة المجتمعات البشرية على أسس دينية وعرقية وطائفية، ما هي إلا محاولات عبثية من الإنسان لإثبات قيمةٍ له - لا وجود لها، وبحثٍ عن دور لا بيئة له، والنتيجة هي تَخرُّج دفعات جديدة من المغفلين في كل عصر، وحصولهم على مؤهلات من الحزن والأسف والندم!



كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .


موقع الإنسان سؤال