عنوان الـمقــال: الآخـر .. خارج دائرة البشر ! . اضيف بواسطة : أبو بكر سليمان أبو بكر . بتاريخ: 03/07/2009.
الآخـر .. هو كل ما يقع خارج دائرة البشر !
صحوتُ صحوة المسلم الذي استيقظ في قبره، فقط - ليُدرك أنه قد مات كافراً، وأن صُحُفه قد طويت، وأنه سيؤتاها بشماله، وليكمل موته مستيقظاً بانتظار الحساب!
هي صحوة قاتلة، كانتباه القاتل، الذي أخطأ الهدف، وأدرك أن ضحيته بريئة، بعد ضغطة الزناد!
كصحوة ضمير من عاش عاقاً لوالديه وأسرته ظلماً، وسمع عتابهم له، فتذكر جرمه في سكرات موته، بعد فوات دهرٍ على رحيلهم، وطالت به سكرات الموت!
وكإدراك الوالدين لفداحة جُرمهم، بعد ملئهم للدار بأبناء معاقين، يستعرضهم المجتمع، شاكراً أمامهم نعمة الأقدار بأن اقتصر الأسى والندم على أهل تلك الدار!
صحواتٌ مصحوبة بأنغام حزنٍ ناطق، ينساب سلساً، على لسانِ حزينٍ أمينٍ، بارع في وصف مأساته ..؛
لا بأنغام طربٍ مزيفٍ جادت به قرائح عابثين أو غافلين، ولا أنغام مديحٍ صفيقٍ تعالت به حناجر متملقين، ودوّت راقصة في أسماع لاهثين خلف حياة الذل والخنوع!
لعل تلك القوة الخفية المجهولة، التي ينسب لها البشر فشلهم، ونتائج كذبهم ونفاقهم، ويُعلقون عليها إهمالهم وسقطاتهم ..،
لعل تلك القوة المسماة بالأقدار..، هي من أراد لصحوتي أن تكون، وأن لا تكون قبل فوات الأوان!
لم أجد أرضية تصلح لبناء المودة والصدق والأمانة، بين الأنا والآخر!
فهل حقيقة أنه يوجد إنسان وإنسان آخر في عالم البشر..، كما أنه يوجد طائر وطائر آخر في عالم الطيور..، كالصقور والحمائم!
وهل من الصواب أو من الممكن أن تقوم مودة بين هذين الآخرين في عالم الطيور!
أم إن الأحياء أُمم متعددة مختلفة، وإن انتموا ظاهرياً إلى ذات الجنس! وأن المودة لا تكون إلا بين أبناء الأمة الواحدة، كأبناء أمة الصقور، وأبناء أمة الحمام..، حيث لا أنا وآخر، وإنما أكثر من أنا! وكذلك الحال في أمم الإنسان!
أليس من العبث إذن، الحديث عن مجتمع بشري واحد، تتساوى فيه الحقوق، وتقوم فيه المودة، بينما هو مجتمع يفتقر إلى التجانس الطبيعي، فهو يتألف من أنا صقر، وآخر حمامة!
معذرة أيها المتفائلون، على صراحة جريئة، تملكتني فسحبتني لطرح حقائق قبيحة المظهر، مرفوضة في عالم الزيف الجميل!
كنتُ أعتقد، ولا أزال مؤمناً بأن الآخر للإنسان، هو الحيوان والنبات والجماد والمجهول! ولا أعترف في ساحة الإنسانية.. بأنا وآخر!
واليوم أقول، إنه إذا كان في جنس الإنسان أنا وآخر، يختلفون كما يختلف كل البشر عن كل آخر!
وإذا كان الآخر في عالم الإنسان مُذللاً لخدمة الأنا ومسخراً لإسعادها على حساب كرامته.. فمن العبث أن يُقال إن الناس سواسية!
الخالق لا يريدهم سواسية إذا كان قد أجاز للأنا استعباد الآخر، وأمر الآخر بطاعة الأنا!
لا يريدهم سواسية إذا أجاز أو أوجب على الأنا قتل آخر بأمرٍ من آخر!
ليسوا سواسية، وليسوا جميعاً خلفاء في الأرض، ولن يُحاسبوا بذات المعايير، وليس عليهم أن يعبدوا بذات الطقوس، ومن كان عبداً للعباد فإنه أقل من أن يكون عبداً لإله ..؛
وليست أمجاداً بشرية، ولا هي حضارات إنسانية، تلك التي يتم بناؤها ويكون بقاؤها على أكتاف وكرامة الملايين من السذج والهمج الرعاع، لصالح طبقة مكونة من أفراد آمرين منعمين سعداء! إنها أمجاد الصقور على دماء الحمائم الضعيفة المرعوبة، وحضارات الذئاب على لحوم الحملان الوديعة أو الوضيعة!
لا يمكن لهؤلاء أن يكونوا سواسية إلا في عيون الأغبياء البلهاء أعداء الحقيقة الكاملة؛ وهم الذين لا ينبغي حسابهم على الإنسانية، بل هم الآخرون الحقيقيون بالنسبة للإنسان، وربما كان غيرهم من أجناس الكائنات الأخرى أقرب إلى الإنسان منهم!
الأنا والآخر هما عناصر معادلة الوجود الطبيعية! وكل آخر هو أنا لذاته! وكل أنا ترى وجود الآخر على حساب وجودها!
كل أنا تجهل الآخر وتحذره وتخشاه، وترفض وجوداً مستقلاً له! لا تقبل وجوده ما لم تكن بها حاجة لوجوده!
والآخر الذي لا يرى ضيراً في قضاء حياته عبداً ذلولاً لإسعاد غيره، هو في الحقيقة أقل من أن يكون آخرا للإنسان!
حتى الحيوان والجماد والنبات، يتم إجبارها على خدمة الإنسان، ولم تتطوع لخدمته، لأنها ترى نفسها أنا، وترى الإنسان آخرا !
أنت، أيها المندفع المتسرع، يا من تدعوني بالصديق أو القريب مجازاً أو مزاجاً أو مزاحاً! إنك لو أصبحت الصديق أو القريب حقيقة، لكنت أنت أنا؛ ولكان ودنا صادقاً، ولما رضينا بود العبث والحذر والظنون، وهو شأن كل ودٍّ بين كل أنا وآخر!
فمادمت أنت أنا لنفسك، وأنا في حساباتك آخر، فأنت عاجز عن بلوغ ما ينبغي أن يكون، وستبقى غريباً في حياتي، لا أراك صديقاً لي ولا قريباً مني، ولن أستطيع رؤيتك سوى ممثل لجنسك ولثقافة تعبدها، لا أرى فيك فكراً يُمثلك!
اصعد يا هذا، إن شئت واستطعت أدراج اللا آخرية، حتى تكون أنت أنا وأنا أنت - لا آخرية بيننا ..، الآخرية هي نقيض الود، فالآخر هو من لا ود بينك وبينه!
في عالم الحيوان ..،
لا يُخادع الثعلب ثعلباً، ولا تُنتج نبتة الأفيون تفاحاً، ولا يُخرج النمل عسلاً ..،
ولا يقتل الذئبُ ذئباً، ولكنه يقتل حملاً وديعاً - يعلم أنه برئ، ولا ثأر له عنده، ولا حُجة له عليه، سوى أن الذئب لنفسه أنا، والحمل الوديع لأنا الذئب آخر!
فرأى الذئب أن الطبيعة قد أوجدت له آخر ليقتات على آلامه - ليس إلا ..؛
فاصعد يا هذا، إن شئت واستطعت أدراج اللا آخرية، حيث الود ..، أو انزع ثوب الصداقة والقرابة الكاذب، واظهر أمامي كما تعرف نفسك في خلوتك، لا كما تريدني أن أراك!
قل لي من أنت ومن أنا في قاموسك، قل إنني آخر وأنك أنا، واظفر إن شئت بما أردت من صحبتي، وسأحمل جميلك في عنقي، وسأذكر ذلك لك في وحدتي، في غربتي بين الكاذبين!
سأقول للعدم إنني قابلت يوماً إنساناً استطاع أن يكون صادقاً في لحظة من سنوات حياته الكاذبة!
وأنتِ يا من لقّبوك زوجي أو زوجتي! ألا تعلمي أن مجرد اعترافنا بأننا زوجٌ، مكونٌ من أنا وآخر، هو إقرار صريح منا بوجود مرآة استفهام تفصلنا، يرى فيها الآخرون مكان الود مهجوراً خالياً بيننا! ألا تعلمي أننا بذلك نحيا على شرفة هوّة سحيقة مظلمة، ولا ندري ماذا يُطبخ لنا بقدور أقدارها.
أنت تكتفين بسعادة اللحظة العابرة الكاذبة وبتجاهل الأمر، وأطلب أنا إضاءتها لاكتشافها أو ردمها!
أنت تستحقين لقب رفيقة درب، بما يوجب علي مساعدتك ومسايرتك قدر استطاعتي ..،
أما الحقيقة، فأنت زوجة المجتمع باسمي، والتي أخشى أن تكون جاسوسة لهم على أسراري التي تتنصتين عليها في ساعات غفلتي وضعفي، وفي لحظات عبثي المجنون المشروع في نظرك ونظر الجميع، لا في نظري!
أكون غِراً أحمقاً أو مخادعاً، إذا اعتبرتك غير ذلك، قبل أن تحملي مؤهلات مودتي!
مودتي التي لا توجد بها خانة لإمضاء الشهود على صحتها!
المودة التي تجعل الإنسان في حسابات الإنسان إنساناً! المودة التي تدمج الأنا بالآخر فيصيران أنا أو أنت!
المودة التي يكتفي أطرافها بالانزواء النبيل والهجر الحميد، كأقسى ما يمكن أن يُعاقب به الإنسان ذاته حين يرفض منها سلوكاً أو يأبى لها واقعاً!
المودة لا تكون بصداقة الأنا الفخور بمدحٍ مُزَيَّفٍ تجود به قرائح الغافلين.. لآخرٍ مجهول..،
أرفض صداقة تعدد الأوجه التي تعرض وداً مزيفاً، وتُقدّم الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق كأول استجابة لأول امتحان!
أرفض زواجاً يمنحني الحق في استعبادك، ويجعلني في نظرك آخراً، يحق لك مقاضاته أمام محاكم الغرباء!
أما أنتم يا جُرمي الأعظم، وربما الأوحد، في حياتي التي رفضتها مذ عرفتها!
أنتم يا من أدخلتكم بعبثي وطيشي، إلى عالم من الخطيئة، لا يستحق براءتكم وعفوية تفكيري .. وربما سذاجتي !
أنتم أيها الأنات الثانية والثالثة، و...، في وجودي، والتي هي ضحية لأنانية الأنا الأولى!
يا ضحاياي الأبرياء، هاأنا ذا أتجرع ما تبقى من أيام عمري قدر استطاعتي، لأجلكم، كفارة عن ظلمي لكم، حيث أخرجتكم من عالم السكون الجميل المهيب، إلى عالم صاخب بالعبث راقص بالبشاعة!
قد أطمع بصفحكم عني الذي أعترف بعدم أهليتي له؛ ولكن ما أثق به تماماً هو أنني لن أسامح نفسي عن غفلتها التي دفعتُ ثمنها ولا أزال، حسرة تتنقل بآلامها بين جوارحي وأحاسيسي ومشاعري!
إن من سخريات القدر، أن يكون وجودكم اليوم حقيقة، وأن أكون أنا من أمر بميلاد تلك الحقيقة الصاعقة، التي كشفت أمامي زيف كل الحقائق التي كانت أسباباً وأهدافا لوجودكم !
هاأنا ذا أطلب الصفح منكم، فأحيى ميتاً متألماً لأجلكم، والفضل إذا أنصَفَتْكم محنتي، هو منكم ولكم!
أحيى لأجلكم حياة لم تحظَ مني بقطرة حبٍ صادقٍ يوماً، ولم أكن لأدعها تسخر مني لحظة مذ صحوت وأدركت حقيقة الفاجعة التي أخفوها عني سنيناً طويلة!
حقيقة، اعتقدت بوجودها من حولي قبل وجودكم، ولكن ظهوركم أضاء المكان والزمان بنور جمال جريح، فكشف الحقائق المفزعة المتأهبة للانقضاض على كل غافلٍ هائم!
حقائق باتت سافرة لكل من أراد أن يرى ما حوله، ولم يعد بإمكانها التخفي، ولم أعد أنا بحاجة لاستشارة أحد، فالأمر بات جلياً .. حتى أني رأيت وسمعت ولمست وشممت، وسأمضي باق العمر في تذوق وتجرع مرارة الندم، لعدم قتلي للزيف حين كان قتله في متناول يدي!
حقيقةٌ، أخفوها عني أعواماً مضت؛ ومرارة أسفي على فوات الأوان لا توصف ..،
فتلك أيام مرت من هنا ورحلت، سجلت على المدانين ديونها، وأقفلت حساباتها، وسُدت اليوم دروبها ..،
لن تفتح للنادمين أمثالي باباً، ولن تمنحهم فرصة ليسحبوا ابتساماتٍ صادقة، كانوا أهدروها عبثاً، وأهدوها مجاناً لمن لا يستحقها..،
ابتساماتٌ لا يستحقها آخر من أنا. ابتساماتٌ ملئها الحب والعفوية والود والوفاء، من ذلك الصنف النفيس الذي لا ينبغي أن يكون إلا بين أنا وأنا!
لن تفتح للنادمين أمثالي باباً، ولن تمنحهم فرصة، ليرفضوا ابتساماتٍ مغشوشة، كانوا قد تلقوها فقبلوها واحتفظوا بها في خزائن النفائس والنقاء ..
ابتساماتٌ كانت، وكانت كلها ممزوجة بغفلة، أرتعد اليوم رعباً، وأخرج من عالم الأحياء بذكرها!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .