الحقائق لا تأبه بثوابت الواهمين!
الموت والحياة ..
أعتقد أنه ليس من الغريب القول إن الحياة هي الوهم الوحيد الذي ينتهي بحقيقة! وأن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحمل بذور الزيف في ثمارها!
فالحياة لا تبغض ولا تخشى شيئاً كما تبغض وتخشى الموت! .. ليس لأنه يُميتها، فالحياة باقية رغم موت الأحياء وفناء الأجيال!
ولكن الحياة تبغض الموت لأنه خصمها اللدود القادر على مواجهتها وإنقاذ ضحاياها - من بين براثن آلامها ومآسيها ومغرياتها وسطوتها - قبل أن تشفي الحياة غليلها منهم باسم حبها المزعوم المسموم!
إنه لا يليق بنا ونحن العقلاء الواقعيون الباحثون عن الحقيقة، أن نخشى الموت .. بل ينبغي أن نشعر بالإعجاب والامتنان تجاه الموت .. لأنه يُمثّل حقيقة يعجز الكاذبون والمزورون عن تزييفها!
المعذرة..، الموت لا يستحق منا الإعجاب - فحسب.. إنه يستحق منا الحب، لأنه الدرة الفريدة والحقيقة الوحيدة! فلا حقيقة سواه في هذا العـدم الدائري المتعاقب المُسمّى اصطلاحاً بالوجود!
أحياناً ينتاب الإنسان شعور بالضعف ومزيج من الخوف والطمع، فيظن أو يتصوّر أو يخشى أن تكون الحياة حقيقة جميلة، وأن الموت هو داؤها المؤكد!
ولكن سرعان ما يعود للعاقل رُشده، وتستعيد ذاكرة المنصفين نشاطها، فيتذكّر فضل الموت على الأحياء!
لأن عاقلاً لا يمكنه أن يتصوّر أو أن تسرّه رؤية الحياة بدون الموت،.. رغم النزوع السلوكي الظاهري لكل الأحياء باتجاه رفض الموت ومحاولاتهم المستميتة واليائسة للفرار منه!
فإذا كان تكالب البشر على التملّك والسيطرة والسلطة واستعباد بعضهم، هو بهذه الشراسة وتلك البشاعة، في وجود الموت وخلال الحياة المؤقتة، فكيف سيكون الأمر، وكيف ستكون العلاقة بين الأحياء في حياة دائمة لا موت فيها!
وإذا كان مجرد التهديد بالقتل (الذي هو عملياً ليس تهديداً بفعل أو صناعة الموت، بل هو تهديد بتحديد زمن الموت أو تقريب موعده - ليس إلا)..،
أقول، إذا كان التهديد بتغيير موعد الموت، يؤدي بالإنسان إلى التنازل عن حقوقه وكرامته، والاستسلام الكامل لإنسان مثله، والرضوخ للذل والهوان، من أجل تأجيل لحظة موته المؤكد..،
فكيف سيكون مفعول التهديد بالقتل، وما الذي سيتنازل الإنسان عنه وما الثمن الذي سيدفعه، فيما لو كانت النجاة من القتل ستعني له حياة إلى الأبد!
أقول، إن عاقلاً منصفاً لا يمكنه أن يُنكر فضل الموت، أو أن يتصوّر رؤية الحياة بدون الموت! وإذا وُجِد من يُنكر فضل الموت فإنه حتماً سيكون أحد أولئك القلة المنعمين الذين لا يكسرون القاعدة!
أما الرهان فهو على أولئك البؤساء التعساء الفقراء الضعفاء، الذين يُشكلون الأساس والقاعدة العريضة للمجتمع البشري، والذين يتجرعون لعنة الحياة في كل لحظة من لحظاتها، ويدفعون ضريبة الوجود البشري طوال حياتهم وجيلاً بعد جيل؛ والذين ما فتئ الموت يُنقذهم جماعات وفرادى، كلما آلمتهم الحياة بما لا يطيقون!
إن الذين يتمنون ديمومة الحياة هم سُعداء أنانيون، دون أدنى شك!
تُرى، ما هي مشاعرهم وتصوراتهم تجاه المستعبدين والمشردين، الذين هم حقيقة المجتمع البشري، والذين لا يسعد أولئك السعداء إلا ببؤس وتعاسة هؤلاء! ألا يتمنون لبني جنسهم ديمومة العذاب! أليس الموت عدواً لأولئك لا لهؤلاء، أليس الموت منصفاً بقبض أرواح الفريقين!
إنه لا قدرة لي على النظر إلى بشاعة وذل الحياة، لولا رؤية صولجان الموت من حولها - يقمع غرورها ويُهذّب نشازها!
وإنه لولا خشيتي من اختلاط المفاهيم على القارئ الكريم، ووصول الرسالة بغير ما أردتها ..، لقلت يحيا الموت، والموت للحياة!
.....
الحقيقة، المستحيل، العـدم ..
العـدم ..
إذا كان العـدم هو نقيض الوجود، فذلك يعني أنه لا معنى للعدم ولا ينبغي أن يُذكر إلا بعد اختفاء كل ما هو موجود!
وذلك بدوره يعني أنه ليس من المنطق أن يَسأل أو يبحث مَـنْ ثَبُتَ وجوده عن العـدم، وحين يتواجد العدم لن يكون موجودًا مَنْ يسأل عنه!
ولكن العدم أيضاً، هو كل حالة يتمنى كل خصمٍ أن يؤول لها وجود خصمه!
.....
المستحيل..
يوجد المستحيل في حياة كل عاقل! فالمستحيل في حياة كلٍّ منا، هو كل ما لا سبيل لنا لبلوغه!
ولكن لا وجود ولا معنى للمستحيل المطلق في حياتنا، ذلك لأننا نجهل حقيقة كل مطلق!
.....
الحقيقة..
الحقيقة هي الصدق الذي ينتظره كل ساذج من كل الكاذبين!
الواقعيون والموضوعيون في كل زمان ومكان، متفقون على أن الحقيقة هي تلك النتيجة التي لا وجود لها اليوم، والتي حتى وإن وُجِدت فلن تكون في متناول الموجودين.. وهم صادقون حتى هذه اللحظة!
ولكن ينبغي أن نضيف، أن الذي يُدرك الحقيقة لا يُمكنه البقاء بعدها ليرى ما بعدها! وذلك لأن الحقيقة متى ظهرت فإنها تملأ كل مكان وكل زمان، فلا تترك مجالاً لوجود غيرها معها لكي يراها، والحقيقة لا ترى ذاتها!
وما الإحساس بالوجود سوى معنى مرادف لغياب الحقيقة..، وكأن الحقيقة هي العدم!
ومعنى ذلك أن الزيف هو الشعار الوحيد المتوفر، وهو الذي ينطق به الناطقون ويسعى من أجله الساعون!
.....
بشرية الصالحين ..
كل ما تنبأ به المصلحون عن الجحيم، وما توعدوا به خصومهم من أصناف العذاب في يوم موعود مجهول مشهود، لا يعدو أن يكون إثباتاً لبشرية أولئك الصالحين، ووصفاً دقيقاً لضعفهم الأرضي الباعث على حب الانتقام دائماً؛ ولا يعدو أن يكون رعباً آنياً مطلياً بألوان التحدي المؤجل، وفراراً أدبياً - من مواجهة لغة القوة المستعملة في كل مشاهد الحياة العملية!
إن المخلوق المقتدر، الذي يعفو عن المسيء، والذي لا يُعاقِب من تَثْبُتُ إدانته وتتكرر إساءته عمداً، سوى بالهجـر والمقاطعة.. يستحق أن يُوصف بالكريم المقتدر!
فكيف يكون العقاب إذا كان الكريم المقتدر .. خالقاً، وكان المتهم بالإساءة مخلوقاً ضعيفاً ليس بمقدوره الإساءة لخالقه عمداً ولا سهواً، إلا مجازاً ووفق مشيئة خالقه!
.....
جوهر قيمة الإنسان!
امتلاك سيارة فارهة تُقـدّر بثمنِ قصرٍ مهيب!
أو قصرٌ أسطوري بقيمة مساكن قرية كاملة مع ديّة أهلها الفقراء!
وساعة يدٍ صغيرة بثمن منزلِ أسرة كبيرة بائسة!
وملابس من عوالم أخرى، لا تُلفت انتباه الناظرين، لأنها تفوق أذواق البشر، وتسحر أبصارهم فلا يُميزون ألوانها غير المسجلة في مراجع الذاكرة لديهم!
يسعى الإنسان من أجل اقتناء الثمين من الأشياء، بحثاً عن قيمة له من خارجه! وفراراً من صدى الفراغ الكبير المُفزع المُدوي داخله!
يُحيط الإنسان نفسه بالنفائس قدر استطاعته لكي لا يراه المُحيطون به إلا من خلالها، فهو يخشى أن تقع أبصارهم مباشرة على قيمته الذاتية التي يتظاهر بها ولا يُريد لأحد سواه أن يُدرك سرها، فيُدرك أنه لا وجود لها!
يضع الإنسان المخططات ويرسم الأهداف، ثم يعمل على تحقيقها!
ولئن كان تحقيق الأهداف أملاً ظاهرياً، فإن الأمل الحقيقي يقبع خلف ظاهر الأهداف!
إن الأمل الدفين للإنسان هو أن يحمل أحد تلك الأهداف الظاهرية، قيمة تستحق أن يحيا الإنسان من أجلها، لتكتسب حياته معنى، وليكون لوجوده شكلاً يفهمه هو، ويراه الآخرون وينال إعجابهم!
إن من الأوهام ما هو مؤكد الوهمية، ومع ذلك فهو يُجبر أو يُغري الإنسان بالتوقف عنده والحديث عنه!
والقيمة في حياة الفرد البشري، هي من ذلك الصنف من الأوهام!
فقيمة الإنسان الفرد ودوره في الوجود، لا يتجاوز قيمة ودور خلية في نسيج في جسم من الأجسام!
أي أن وظيفة الإنسان في الوجود لا تتعدى وظيفة كرة دمٍ حمراء أو بيضاء في جسم كائن حي!
خلية أو كرة دمٍ تموت ويُعاد إنتاجها آلاف المرات دون أن يشعر الجسم بوجودها ولا بموتها!
وحتى لو اختفت تلك الكريات كلها دفعة واحدة، فإن أقصى ما سيحصل هو موت ذلك الجسم، الذي لن يتوقف الوجود بموته! فالجسم الذي يحوي الكريات التي اختفت، هو عبارة عن واحد من مليارات الأجزاء المتطابقة والمحصورة في حيّزٍ محدود، والمهيأة جميعها لأداء ذات الوظيفة.. حتى لا ينجم عن موت أحدها عجز أو قصور في أداء المهمة العامة ..، وربما كان العكس صحيحاً، فقد يكون وجود جزء أو جسم بعينه هو المشكلة التي لا تُحل إلا بقتله واجتثاثه!
فوجود الإنسان الفرد الذي لا يعي دوره أو لا يؤديه كما ينبغي لسبب أو لآخر، هو كوجود الخلية المصابة التي لا تؤدي وظيفتها، فتتحول إلى خلية سرطانية، تهدم وتلتهم بنات جنسها!
لا يستقيم أن نُشبّه وظيفة الإنسان الفرد في الوجود بوظيفة عضلة أو غدة في جسم حي! فجسم الكائن الحي هو وجود وكون لا محدود قياساً إلى خلايا لا ترى بالعين المجردة؛ وهي التي لا يعبأ الجسم بحياة ولا بموت الآلاف منها في كل لحظة..، وذلك هو دور ووزن وقيمة الإنسان الفرد في الوجود!
ولكنك لا تجد من يتوقف عند هذه الحقائق الناطقة في مجتمع الواهمين، رغم وجود العارفين!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر !
|