الإنسان والبشر .. الأصل والصورة !
البشر شيء والإنسان شيء آخر .. كما أن الجاهل شيء والحكيم شيء آخر!
ولكن الاتفاق على وجود اختلاف بين مفهومي الإنسان والبشر، هو أمر لم يتحقق بعد! فالمعتاد هو استعمال اللفظتين للإشارة إلى ذات الشيء! رغم أن الكل يعلم أنه لا توجد ولا يمكن أن توجد كلمتان مترادفتان متطابقتان تماماً من حيث المدلول - في اللغة الواحدة! وهذا بالطبع لا ينفي انتماء الألفاظ إلى ذات العائلة!
وأما القول بوجود أشياء ومخلوقات تحمل أكثر من اسم ..، فهو في الواقع ليس تعدداً في الأسماء بل هو تعدد في الصفات يُبيّن الاختلاف بين أبناء الجنس الواحد وأفراد الأمة الواحدة من حيث ظاهر السلوك والشكل، والحجم والقوة والذكاء والجمال والسرعة والشراسة ..الخ.
الإنسان والبشر ..
لفظة بشر من حيث استخداماتها، يمكن اعتبارها الكلمة الأم والأصل، وهي المرادف الأدبي والأعم لكلمة جهل!
فالجهل هو الانحراف عن الفطرة عمداً، وتزوير الحقيقة .. إتّباعاً للهوى أو تقليداً لآخرين!
فمثلاً : إذا امتدحتَ أحدهم بما ليس فيه، ووجدته يمتطي جواد مديحك، ويتبنى وصفك له، ويتجاهل حقيقة أمره الذي يعلمه وتعلمه أنت.. فإنك ستحكم عليه بالجهل!
فبالجهل يُوصف الأفراد والجماعات الصغيرة! أما عندما يُراد وصف كل الآدميين بالجهل والضعف فإننا نستعمل كلمة بشر بدلاً عن جهل!
ولذلك نجد أن كلمة " بشرية " مُعبّرة تماماً عن ضحايا الكوارث والمجاعات والأوبئة من الآدميين، لأنهم ينتظرون اكتمال سعادتهم ويشعرون بقيمة وكرامة، بينما هم في الحقيقة يُدركون أنهم لا يمتلكون حتى أسباب الحياة الأولية والبسيطة - ناهيك عن الحياة الكريمة ..!
في حين أننا نجد كلمة إنسانية مُعبّرة عن كرامة الآدميين وحقوقهم!
فالبشر- وكما قلنا في موضوع سابق – هي كلمة مشتقة من البشرة التي يُحافظ الآدميين على تغطيتها وسترها باعتبارها عيب لا ينبغي كشفه أمام الآخرين!
ومن ذلك نجد أن الحيوانات تبدو جميلة رغم أنها عارية، ولا يكون ذلك في حال الآدميين!
وكذلك فإن كلمة بشر المشتقة عن البشرة، قد اشتق عنها المباشرة الجنسية، وكذلك اشتق عنها البث المباشر الذي لا يمكن تلافي الأخطاء فيه..،
ويوجد الكثير مما يمكن قوله في موضوع كلمة بشر، وقد قلنا منه في موضوع ( ابن آدم تعهدت أن تكون إنساناً فاحذر أن تعود بشراً)!
أعتقد أن فشلاً يحمل إمضاء كل أبناء البشرية على مر العصور، لا يمكن أن يحدث، إلا أن يكون الهدف المنشود عدماً، لا وجود له!
فإذا كان حقيقة أن البشر يسعون لتحقيق سعادة الإنسان! فلماذا فشلوا!
لابد وأن هنالك خطأ في الهدف والعنوان! وأنا هنا أزعم أن الصواب وما ينبغي أن يكون وأن يُقال هو السعي من أجل استعادة الإنسان! لا من أجل تحقيق سعادته!
فالإنسان ربما كان موجوداً يوما ما، وانحدر عنه البشر، وربما لا تزال بعض آثاره ظاهرة وفاعلة عند بعضهم! ولكن لا شك أن الإنسان الذات، لم يعد موجوداً اليوم!
فالموجودون بشر، أما الإنسان اليوم فإنه لا يعدو أن يكون مفهوماً معنوياً لُغوياً، يرمز إلى كرامة البشر وحقوقهم ومظالمهم، ولا يُشير إلى ذواتهم وشخوصهم!
والإنسان الذي يعنيه المتحدثون والكُتّاب، هو تلك الروح المُكرّمة البريئة التي تطوف بين البشر، فيتألمون باسمها عند كل مأساة ومظلمة !
صحيح أن جل المتحدثين في هذا الشأن يرفضون التفريق بين الإنسان والبشر، ويعتبرونهما اسمين أو صفتين لكائنٍ واحد!
وحُجّتهم في ذلك هي شيوع الاستعمال واتفاق الناس على أن هاتين الكلمتين تدللان وتشيران إلى ذات الشيء، وهو الفرد أو المجموع الآدمي!
مع التذكير بأن الآدمية ذاتها، هي صفة أخرى للبشر لا تحظى باتفاقهم حول منشئها ومدلولها وحقيقتها...،
ويجدر بنا هنا أن نُذكّر، بأن حُجة شيوع استعمال اللفظ واتفاق الناس حوله، هي حُجّة واهية ومضللة، وأن الذين يستدلون بها هم أكثر الناس دراية بهذه الحقيقة!
فمن هم هؤلاء الناس الذين يُستدل باتفاقهم حول ترادف الألفاظ أو اختلافها! ومتى كان للأغلبية رأي في أي أمر من الأمور! أليس العامة (99% )، هم أتباعاً للخاصة في كل ما يفعلون وما يقولون! ألسنا نحن العامة، عبارة عن أجهزة مبرمجة نُردد ما يتم تخزينه بنا! هل كان لنا الحق أو أُتيح لنا المجال يوماً لنقول رأياً في اللغة أو في الفقه أو في السياسة! ألم يتم تلقيننا وتُفرض علينا المسميات باسم التعليم وتحت التهديد والوعيد - إن تساءلنا أو استعملنا العقل في تحليل أو رفض ما يُملى وما يُفرض علينا .!
مما يتألف مجتمعنا - مجتمع العامة - الذين يُرددون كلمة إنسان على أنها مرادف لكلمة بشر ..
يتألف مجتمعنا من الرعاة ومربي الحيوانات، المزارعين، الجنود، العمال الحرفيين، التجار، خدم المنازل، المتسولين في الطرقات، ربات وأرباب البيوت، ومن الطلبة الذين تتم برمجتهم بأفكار ومعتقدات السابقين !
هؤلاء العامة الفاقدون للأمن والأمان، الباحثون عن لقمة العيش حتى اليوم الأخير من حياتهم؛ والمستنسخون عن بعضهم منذ آلاف السنين، والذين ليس لهم من الأمر سوى السمع والطاعة.. كيف يصبح إجماعهم على استعمال لفظ ما، حُجةً يُستدل بها على صواب دلالته!
إن فهم مدلول الألفاظ وتفسيرها على هذا النحو، هو كمن يُسجل كلاماً بصوته، ثم يستدل بإعادة تشغيله على صحة ما يقوله !!!
قد يقول قائل، إن ترادف المعنى والمدلول بين كلمتي إنسان وبشر، قد تم الاتفاق عليه بين الخاصة من المثقفين والمفكرين، وليس فقط بين العامة !
وهنا نقول، إن الخاصة المتفقين سابقاً، هم ذاتهم الذين كانوا قد اتفقوا واعتقدوا ونظّروا إلى حقيقة ثبات الأرض وعدم دورانها! وهم ذاتهم الذين كانوا يأخذون بظاهر الأشياء فيزعمون دوران الشمس وغروبها عن الأرض،! وهم الذين كانوا يعتقدون بوجود قبة سماوية مادية فوق الأرض! وهم ذاتهم الذين يقولون إن طيران الطيور فوقهم هو معجزة لا يمكن للبشر فعلها.! .. أي أن الخاصة الذين يُردد العامة أقوالهم وأفكارهم ، هم أيضاً كانوا واهمين ويجزمون بصحة ما لا يفقهون!
هل الإنسان كائن موجود بالفعل!
إذا كان الجواب نعم! فمن هو الإنسان الموجود الذي نسعى لسعادته! هل هو الفرد البشري الذي لا قدرة له على الحياة منفرداً، لكي يكون له كيان يُمثله ويُعبّر عنه! فهو الذي لا كيان ولا وزن ولا قيمة له وسط الجموع البشرية..، فموت واحد من مئة في معركة لا يُعتبر خسارة بمقاييس البشر!
أم أن الإنسان هو تلك الآلاف المؤلفة من الجنود، الذين يقتلون أمثالهم من البُلهاء، ليحتلوا أرضاً ويستبيحوا حرمات أهلها، ويبنوا بعبثهم مجداً زائفاً، يُسجله التاريخ باسم سيدهم، وهو البعيد عن العناء دائماً، فلا تدخل المعارك سوى أوامره وتهديده لعبيده بالقتل إن لم يقتلوا العبيد المقابلين لهم!
أم أن الإنسان هو الفرد من أولئك العبيد الذين يُدافعون عن أرضه ويحمون عرش سيدهم ضد أعدائه، ليبقى جاثماً على صدورهم!
أم أن الإنسان هو الدين والطائفة والقبيلة والدولة.. تلك المسميات والشعارات والرموز اللغوية الأكاديمية التي لا وجود لها، ولا شكل ولا جسد ولا روح فيها! والتي تهدم وتُخفي الحدود والحقوق الشخصية للأفراد باسم الجماعة، وتتوعدهم بالحساب فرادى! ثم تسخّر الأفراد - باسم الجماعة مرة أخرى - وتطوعهم لخدمة فرد، .. تحت مسميات وتشريعات ظالمة كاذبة واهية لا معنى ولا أساس لها .. كالرئيس والملك والفقيه والعالم والعلامة والشيخ ..الخ.
حيث إن أساس هذه المسميات هو ضعف البعض وقوة الآخرين لا أكثر ولا أقل!
فمعادلة القوة والضعف هي ذات القانون الذي تحتكم له كل الكائنات عاقلة وغير العاقلة!
إذ إنه لو صحت هذه المسميات في مجتمع العقلاء، وكانت مشروعة وصلاحياتها مُبررة، بحيث وجب على إنسان وجاز له أن يُقـرّ لإنسان مثله، بأنه " سيده ومولاه ورئيسه ومليكه"..، وبحيث جاز لإنسان أن يستعمل ويستعبد إنساناً بسبب حاجته وضعفه أو سذاجته..، لو صحت وبٌررت هذه النتائج، إذن لذهبت إلى الجحيم وإلى غير رجعة أضحوكة المساواة بين البشر في الكرامة والحقوق والواجبات، والتي من بينها مساواتهم في أداء الفرائض والعبادات وتطبيق تشريعات الأديان والقوانين!
فكيف يتساوى البشر في علاقتهم بربهم وواجباتهم تجاهه، وهم الذين يقل بعضهم عن البعض شرعاً، وتُمتهن وتُنتهك كرامة بعضهم على أيدي البعض قانوناً!
لا يمكن لعاقل أن يُصدّق بأن الإنسان المُكرّم هو هذه الزوائد البشرية والقشور الأرضية التي يستعملها الحُذاق والأقوياء كمواد لبناء أمجادهم الوهمية..
إن الإنسان هو المثال والأصل، والبشر ليسوا سوى صورة عنه؛ والصورة تُحاكي المثال، ولكن لا يمكنها بلوغه بالكمال، إلا أن تتحد به مجدداً، لتعود جزءاً منصهراً في الكل!
أما إذا توهمت الصورة – كما هو حال البشر اليوم - فظنت أنها الأصل، فإنها ستصطدم بعيوبها ولن تُدرك أسبابها - فعيوب الصورة هي بالضرورة منعدمة في الأصل، وهي تظن نفسها أصل-، وستمضي الصورة الواهمة في طريقٍ الإصلاح الخاطئ إلى ما لانهاية؛ أو إلى أن تُدرك بأنها صورة ناقصة، لا تخلو من العيوب، كما تنقص كل صورة عن أصلها!
نعلم أنه ليس من المستساغ أن نقول لأحدهم: إنك بشرٌ، ولكن بشريتك لا تؤهلك بالضرورة لأن تكون إنساناً!
فقلّما وُجد من لديه استعداد وقدرة على استيعاب هذا الأمر، رغم أنه حقيقة رآها البعض، وكاد البعض يلمسها.. ( من وجهة نظر خاصة على الأقل) !
ولكن لا ينبغي لعاقل أن يجادل في حقيقة مفادها، أننا بشرٌ وأننا نسعى فرادى ومتعاونين متعاضدين، لتحقيق ذات الهدف؛ وأن النتيجة كانت وما تزال عبر الزمن، هي فشل الجماعات والأفراد في بلوغ الهدف؛ وأن الحكمة تستوجب التوقف والسؤال عند استمرار وتكرار الفشل!
ومما لا شك فيه، أنه لا يزال من غير المفهوم وغير المقبول، وربما من المرفوض تماماً، لدى الكثيرين منا، فلا يُنتظر من الجميع تصديق أن البشر شيء وأن الإنسان شيء آخر بمجرد سماعها!
وذلك بسبب استعمال الاسمين - الآن - للدلالة على البشر، بحكم أن البشر وحده الموجود اليوم كممثل للكائن المادي الأخلاقي العاقل، والذي مثّله الإنسان في عصرٍ من العصور!
إلا أننا، وبشيء من التأمل في مفهوم الإنسان كما نتصوره جميعاً، وواقع البشر كما نعرفه ونراه ونعيشه، فإن الشارد لن يجد صعوبة في العودة لقراءة الواقع، والتمييز بين الإنسان والبشر!
فالإنسان اليوم، هو كائن وهمي رمزي، ذو روح جَمَاعية، ليس له إطار جسدي فردي، ولا شخصية ولا صورة محددة.
والسعادة التي يسعى البشر لتحقيقها، هي ليست سوى محاولة لإعادة الإنسان للوجود،! الإنسان كمنظومات أخلاقية أُحادية مستقلة بكيانها عن بعضها، مشتركة الخواص وذاتية الضبط، جاذبة للفضيلة وطاردة للرذيلة، رافضة للخطأ والخطيئة!
وسعي البشر باتجاه الإنسان، مبعثه وقوعهم تحت تأثير بصمات الإنسان، الذي تشتتت نواته بينهم، فحملوا بالضرورة بعضاً من صفاته!
يمكننا القول إن الحس الذي نحنو به ونكاد نراه ونلامسه في براءة الأطفال؛ والذي نتلطف ونرق ونشفق باسمه حيثما حل الألم؛ والذي نراه بطلاً شجاعاً شهماً مُنقذاً لنا عند الضعف؛ والذي نقبل مساعدته وعفوه دون أن نشعر بخدش كرامتنا؛ والذي تسرنا مودته ويؤلمنا جفاه؛ ... والذي ، والذي!
.. إن هذا الحس هو امتداد لجذور الإنسان فينا، وأنها ربما لا تزال قابلة للحياة، متى توفرت شروط حياتها! ولكن لا ينبغي للعاقل بحال، أن يقول بأن البشر هو ذاته الإنسان في كل زمان ومكان!
فلعل توازناً دقيقاً نادراً، كان أساساً لعلاقة فريدة بين عناصر وصفات متناقضة، أدى إلى تكاملها بدل تصادمها، فكانت النتيجة هي ظهور كائنٍ منطقي فريدٍ في توازنه وسط بيئة عشوائية؛ ذلك هو الإنسان الذي مر يوماً من هنا، والذي قضت بعد مروره أجيال من البشر، تحلم بعودته، ولا تزال، ولم يعد!
فحيث إن العشوائية أقدر على البقاء والتكيف مع المتغيرات، من التوازن والنظام - خاصة في حال ضعف الإمكانات المطلوبة للمحافظة على النظام ، والإمكانات ليست سوى ساحة خلفية يُمارس فيها النظام لعبة العشوائية عند الضرورة ..،
لذلك يمكننا القول، إن الطبيعة مع مرور الزمن قد أدت إلى اختلال في وزن المعادلة التي نشأ وفقها الإنسان!
إذ يبدو أن الإنسان والبشر قد اتحدا في كائن واحد، في زمن ما، ثم افترقا، وانقرض الإنسان وبقي البشر!
وسواء كانت البداية للإنسان، ثم تراجع بشراً - تكيّفاً مع الطبيعة!
أو أنه بدأ بشراً ثم ارتقى بعقله الذي ميّزه عما سواه، فصار إنساناً، ثم تراجع بشراً - بسبب تكاثره واضطراره للتفرق والانتشار، حيث ظهر الاختلاف بين أبناء جنسه؛ فصراعه مع الطبيعة بات يشمل كل ما تحتويه الطبيعة بما في ذلك أبناء جنسه الذين ابتعدوا عنه وتكيفوا مع طبيعة مختلفة، فصاروا في نظره جزءاً من الطبيعة ينبغي إخضاعهم أو الحذر منهم .. فعاد الإنسان بشراً بسبب صراعه البيني!
وجدير بالملاحظة هنا، أن المستوى الأخلاقي والعقلي عند البشر، يتدنى إلى أقل من مثيله لدى الحيوان غير العاقل؛ ذلك عندما يدّعي لنفسه صفاتٍ لا يحملها، هي صفات الإنسان السامية، وينزعها عن أخيه لينفي حقه في الوجود أو حقه في المساواة به!
فالبشر هو كائن أجبن وأنذل من أن يُسجل أفعاله الخسيسة باسمه – وهذا هو الميدان الأخلاقي الذي يتفوق فيه الحيوان على البشر-،
فالإنسان يقتل الفضيلة ويأتي الرذيلة باسمٍ مستعار، هو اسم الإنسان، وذلك لاعتقاده بأن كل أفعال الإنسان مبررة! .. وهذا الأمر يُلقي بظلالٍ من الشك على وجود شيء اسمه الإنسان المثالي ينحدر منه البشر الحالي !!
وعلى كل حال، فإنه يبدو أن البشر هو الكائن الأصلح والأقدر على مجابهة الطبيعة! وأن الإنسان كان مرحلة من مراحل البشر – قد تكون أولى مراحله وقد لا تكون – كما أسلفنا!
وإذا أردنا أن نضع تصوراً لذلك الإنسان الذي نحمل شيئاً من بصماته في أنفسنا، والذي ابتعدنا كثيراً عن مركز قوته الجاذبة، وتضاءل ارتباطنا القهري به، حتى صار إرادياً!
فسنجد أن الإنسان يجب أن يكون قد ظهر مؤقتاً في مراحل زمنية احتوت على أعداد وأنماط حرجة من البشر وبيئة طبيعية مناسبة – شروط قد تتكرر وقد لا تتكرر -، أوجدت بيئة مناسبة لظهور ذلك الكائن الأسطوري مؤقتاً !
ثم إنه، وبفعل اختلال تلك الشروط الحرجة، تكون المنظومة الإنسانية لذاك الكائن قد اضطربت بالضرورة، فتحلل إلى مكوناته الأساسية، وتلاشى وجوده الأُحادي، فصار الإنسان مفهوماً لغوياً مع مرور الزمن، ورمزاً معنوياً وقيمة اسمية، يُشار به إلى كرامة ورُقي وأخلاق البشر بدعوى تمثيله لهم يوماً، وتمثيلهم له اليوم!
مع ضرورة تكرار التأكيد بأنه لا وجود لكينونة مادية أو معنوية لمفهوم الإنسان، في واقع الحال اليوم!
قلنا إن توازناً دقيقاً، أسس لعلاقة فريدة، بين عناصر متناقضة، فأنتج كائناً منطقيا أخلاقياً .. هو الإنسان!
وقلنا إن المنظومة الإنسانية قد اضطربت، فتلاشى الإنسان وتحلل إلى عناصره الأساسية المتناقضة أساساً!
وهنا نود التوقف قليلاً عند بعض صفات البشر التي نعرفها، لنلاحظ، مثلاً، أن الشجاعة الحقيقية تولّد الثقة في النفس فتمنع التهور والعبث؛ بينما الظاهر يقول إن الشجاعة وسيلة للتهور والإجرام، ولكن ذلك مخالف للواقع!
فالجبن هو الذي يولد فراغاً في معادلة النفس ( نقص )، فتسعى النفس البشرية لسد فراغها الخفي الناجم عن الجبن، فتُظهر وتتبنى مواقف تتطلب شجاعة غير موجودة!
ولنلاحظ الفرق الظاهر والفرق الحقيقي بين البخيل والكريم؛ لنجد أن الكريم يُقدّم خدماته وماله مباشرة، ودون دعاية أو عرض وتخيير، فهو عفوي واثق من جوهرية فضيلته، ولا ينتظر إثباتها من خارجه.
بينما البخيل إذا اضطُر إلى إظهار الكرم يوماً، فإنه يسبقه بتخيير، ويُمزجه بعرضٍ، ويختمه بدعاية، ليضمن تسجيل اسمه في خانة الكرماء ولو لمرة، ويستثمر الموقف الواحد مراتٍ عديدة، ليبدو في نظر الجهول كريماً!
وما ذلك إلا بسبب فراغ في معادلة النفس البشرية، لم يكن موجوداً عندما كان البشر إنساناً!
فاتحاد الشجاعة بالجبن ، والكرم بالبُخل، وحصول الاندماج والتوازن بين كل الصفات المتناقضة، يُنتج كائناً متزناً مكتمل الصفات الأخلاقية التي يحلم بها البشر!
أما أنماط البشر اليوم، فإن كل نمطٍ منهم يُمثّل إحدى الصفات التي كانت متحدة يوماً، والتي أدى اتحادها إلى اختفاء عيوبها فأنتجت الإنسان الذي نسعى اليوم لاستعادته، ولكن بعنوان خاطئ، وهو تحقيق سعادته!
عندما كان الموجود من البشر على الأرض عدداً حرجاً - دقيقاً ومناسباً، فقد حمل صفات استحق بها أن يُسمى إنسان! أما وقد تعدد البشر فقد تفرقت حقيقة الإنسان بينهم؛ ومن الطبيعي أن تتضاءل قيمته في البشر كلما ازدادت أعدادهم!
من البشر من لا يحمل من الإنسان سوى البصمة الظاهرة التي تميّزه عن غير البشر!
إن المنطق الجزئي، والمساواة الاسمية، والأخلاق المحروسة بالسلاح والعقوبات والمنتهكة على أوسع نطاق..، هذه السمات التي تُميّز المجتمع البشري، والتي ظلت دخيلة عليه رغم المحاولات المستمرة لتطبيعها، وتطويع النفس البشرية لها!
هذه المزايا هي من ضآلة القيمة بمكان، بما لا يبرر للبشر تعاليهم وسخريتهم من مجتمع الغاب الحيواني!
لماذا يتوافد الملايين من البشر، على قبور بشرٍ أمثالهم، وهم يعتقدون أن فعلهم هذا - الذي لا يقبله عقل سليم، والذي لا يمكن تصنيفه إلا بأنه مرض نفسي واختلال عقلي- ، يعتقدون أن فعلهم واجب ويجلب البركة، وعدم أدائه يجلب غضب السماء !
والحقيقة هي أنهم بشر، ويعتقدون أن صاحب ذاك القبر كان إنساناً! وهم بزيارتهم لقبره إنما يُريدون إثبات صلتهم به، وانحدارهم عنه!
والحقيقة أنهم بذلك إنما يُظهرون رفضهم لذواتهم البشرية، ويُثبتون بشريتهم وعجزهم عن أن يكون الواحد منهم إنساناً!
فالدافع الظاهري المعلن لاعتقادهم غير مقنع، ولا يقبله العقل السليم!
والسبب الحقيقي ليس هو المعلن، وليس مقبولاً هو الآخر، إلا باعتبار ضعف أولئك البشر، وبحثهم عن الاطمئنان، واعتقادهم بأن ذلك الميت إنسان، وأن روحه باقية، وقد تجلب لهم الأمان المفقود في حياة البشر!
الصناعة والتكنولوجيا، ولا شيء غيرهما، هما فخر البشر ورمز تفوقهم وسر سطوتهم!
ولكن ما النتيجة التي تحصّل عليها البشر من ذلك؟ لا شيء سوى سيطرة الأفراد على الجماعات، وابتعاد البشر عن مركز الإنسانية!
فما الفائدة التي يجنيها الفرد من التقنية والتكنولوجيا، وهو الذي لا يعيش بوعيه وقوته في الحقيقة – وعلى أقصى تقدير – سوى أربعين سنة، تقع بين العشرين الأولى والعشرين الأخيرة من عمره!
إن أفكار الفلاسفة والعباقرة تُخاطب الإنسان! أما تعاليم الأنبياء ورسائل الحكماء، فهي موجهة للبشر لا للإنسان!
إذ لا يليق بك وأنت الحكيم، أن تقول للإنسان إن الصدق فضيلة وأن الكذب رذيلة! لأن الإنسان حينها سيبحث بين السطور والكلمات، محاولاً إدراك قصدك الحقيقي الخفي! لأنه لو صدّق أنك تعني ما تقول مباشرة، فإن خياراته ستكون صعبة، فهو إما أن يفهم أنك تطعن في عقله، أو أن عليه أن يشك في عقلك!
فلا خلاف في عالم الإنسان على فضيلة الصدق ورذيلة الكذب، ولا حاجة للتذكير بها !
إن مصدر إلهام الحكماء والفلاسفة هو ذلك الفراغ المرعب الذي يسير نحوه البشر، وهم غاضي أبصارهم وبصائرهم ..؛ عن نسيج الإنسان في مقابله!
فغايتهم هي تنبيه البشر إلى هوة أمامهم، وأملهم هو إحداث التواصل بين النفس البشرية والروح الإنسانية!
فالإنسان هو المثال الذي أدركوه واتخذوه قدوة، وحاولوا لفت أنظار البشر له!
في المجتمعات البشرية المتحضرة اليوم، حيث توفرت بيئة مشابهة للبيئة الصالحة لظهور الإنسان، نلاحظ أن الكثيرين من البشر هناك، يتمثلون شيئاً من روح الإنسان في بيئة البشر! فنجدهم يتنافسون على تحقيق المكاسب المعنوية ذات الطابع الجَمَاعي ..، بينما غيرهم في المجتمعات المتخلفة – خاصة، نجدهم يفتخرون ويحرصون على المكاسب المادية والإنجازات الفردية التي تؤكد الضعف البشري، والذي هو الباعث على طلب القيمة وإنجازها من خارج الذات، بسبب انعدامها داخلها..؛
ويؤشر ذلك إلى بُعد النفس البشرية عن نزاهة الروح الإنسانية! حيث إن الروح في الإنسان، تقابلها النفس في البشر!
والبشر عن الإنسان، كالنسخة عن النسخة عن النسخة ...، عن الأصل!
وكلما ازدادت أعداد البشر المستنسخين عن بعضهم، كلما ابتعدوا عن المركز، وكلما تضاءلت أصالتهم، حتى في العائلة الواحدة!
فالإنسان هو الرمز القارئ لآلام البشر، وغيابه هو السر في اختلافاتهم؛ فهو الجمال والعاطفة والذوق والأنفة والكرامة والصدق والوفاء والأمانة فيهم!
ولا ينبغي أن يُزجَّ بالإنسان عنواناً لانحرافات البشر وصراعاتهم!!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|