مرارة الحقيقة، لا تُبرر ابتلاع الزيف!
مقتطفات من حوار ..
هل يختفي إنسان من الوجود دون موت، ويظهر آخر دون ولادة..، بمجرد تغيير أحدهم اسمه!
حائر متسائل: سيدي، هل السؤال ليس مباحاً، أم إن الجواب ليس متاحاً!
الوصي المفترض: إن الجواب متاح إذا كان السؤال مباحاً!
المتسائل: أعتقد أن جوابك أخطر على رسالتك من كل سؤال!
....................
حكاية الحائر المتسائل ..
كان يبدو في نظر الجميع عاقلاً طبيعياً منتبهاً مُتيقظاً.. حين كان صامتاً!
فجأةً، أضحى في نظرهم غافلاً جاهلاً غائباً عن الوعي.. حين خرج عن صمته!
من أنا، ولماذا أنا هنا؟ مُبكراً تساءل الحائر في نفسه، .. بسذاجةٍ أو بعفوية .. لا فرق..، فالمترادفات في اللغة متوفرة بغزارة ومجاناً- برأي الفطاحل، ومدلولات الألفاظ تخضع لكرامات المجتهدين وحاجة المفسّرين، ولمزاج الكُتّاب والقُراء والعابثين!
من أنا، ولماذا أنا هنا؟ تساءل في نفسه، ولم يبح بسره، فمَشَاهِد المنهمكين من حوله، .. في سعيهم المُضني لتكريس تعاسةٍ مؤكدة..،
وطربهم الصاخب بين جروحهم النازفة..،
وحزنهم الخاضع لسيطرتهم والمُخزَّن إلى حين بلوغ لحظة قادمة محققة..،
وسعادتهم بموتٍ مؤجلٍ يُسمّونه حياةً حاضرة..،
وطقوسهم المتجددة وعباداتهم المُتعددة التي لا تكون بدون العقل ولا صوت له فيها ..،
وأعرافهم وعاداتهم المتشابهة.. المنبوذة لديهم والمُصانة بأيديهم.!
هذه المشاهد أجبرته على تأجيل البوح بتساؤلاته؛ لكي لا يكون أضحوكة في مجتمع العارفين!
فكان اعتقاده، أنه لا ريب أن هؤلاء المنهمكين الذين سبقوه إلى الحياة، قد تساءلوا قبله، وأدركوا من الجواب ما استوجب اتفاقهم على انهماكهم في تناقضاتهم!
فقلّد بعضاً مما يراه، واستسلم بادئ الأمر لأوامر الكبار في بعضها الآخر!
لكن الصغير كبُر، وكبر معه السؤال، وصغر في نظره ما يفعله الكبار، فتجرأ على البوح لأهله بما اختمر في صدره أعواماً!
احتار الأهل في أمر ابنهم وتساؤلاته، وكأنه طرح سؤالاً بلغة وثقافة الجِن..، كأن السؤال لا يعني سواه..، كأنه الوحيد الذي يجهل ذاته بينهم..،
أشار عليهم الأصدقاء والجيران بعرضه على الإمام الفقيه الحكيم، ليُجيبه بلمح البصر وقبل أن يُكمل سؤاله!
فالحكيم لا يُعجزه سؤال الغيب، فكيف بسؤالٍ عن واقع كائن بين يديه!
أجابه الإمام الوصي: كيف لعاقلٍ مثلك - كُنا نُعِدُّه لتقلبات الدهر - أن يُفاجئنا ويتفوه بهذه التساؤلات الغبية!
فأنت تعلم أنك فلان بن فلان! وأنه قد خلقك الله لعبادته، وعليك أن تشكر نعمة الحياة، وشكرها يكون بطاعة الوالدين وعبادة الله!
فهل أنت على درجة من الغباء وبُطء الفهم، حتى أنك لم تستطع استنباط هذه البديهيات، من علاقاتك واتصالاك بمن حولك، ورؤية ممارساتهم! وهل لديك سؤال آخر!
المتسائل: سيدي، أعتقد أنك لست جاداً فيما تقول، أو أنك تسخر مني، أو أنه ليس هذا كل ما لديك!
لأنك إن كُنت جاداً، فأنت بذلك لا تصفني أنا بالغباء بقدر ما تصف به من طلب مساعدتك على إسكاتي!
فهل غيرك ممنوعون أم عاجزون عن حفظ وترديد هذه الكلمات المعدودة التي تفضلت بها، لو أن الأمر كان ينتهي عندها!
ولماذا لا تفترض أن يكونوا هم أيضاً حائرين في إطلاق صفة " نعمة " على أمر مفروض كالحياة!
فالبديهي أن النعمة لا تُفرض على الإنسان ثم يُفرض عليه شكرها؛ بل النعمة هي ما يطلبه الإنسان ويحصل عليه وفق مواصفات يُحددها هو، ثم إن أخلاقه تفرض عليه شكر من أنعم عليه!
ثم كيف افترضت أنك قد أجبتني، ولم تنتظر رأيي بإجابتك، ولم تهتم لقناعتي بالجواب!
الوصي: هل تقصد أن لديك تحفظات على الجواب!
المتسائل: نعم، فهل تقصد أنت أن فلان هذا - الذي أنا ابنه؛ هو من قرر أن أكون أنا فلان، وأن أكون هنا! ولماذا، ومن أعطاه الحق، وأين أنا من كل ذلك!
وهل كان بإمكانه أن يُقرر ألا أكون، أو أن أكون زيداً بدل عبيد!
هل الاسم العشوائي المتكرر الذي أحمله، والقابل للتغيير في أي وقت، هو ما يُحدد هويتي ومن أكون!
هل يختفي إنسان من الوجود دون أن يموت، ويظهر مكانه آخر دون ولادة..، بمجرد تغيير الاسم!
وما علاقة الإله بالأمر، إذا كان الأبوان هما من يُقررا وجود ابنهما من عدمه؟
فأنا وأنت والجميع يعلم، أن مجتمعات بشرية - قارات بأكملها، مليارات من البشر - قد قرروا عدم إنجاب الأبناء عندما انتفت حاجتهم للأبناء، أو عندما أصبح الأبناء عبئاً ثقيلاً على الفقراء - لا يطيقون حمله، وقد كان لهم ما أرادوا.
وبإمكانهم العودة عن قراراهم، واستئناف عملية التكاثر متى شاءوا..، وقد حصل !
فهل توافق أو تُصدّق أنت بأن الإنسان هو الذي يُقرر عدد عباد الرحمن في الزمان والمكان؟
الإمام: قد أجبناك بما أراح كل من تساءل قبلك! ونحن لا نستعمل العقل في مثل هذه الأمور، ولا نأتي بالكلام من عندنا، ولا يخضع القول لدينا لأهواء النفس والأنا!
ما قلته لك ثابت في كُتب مشايخنا وفقهائنا .. رضي الله عنهم وأرضاهم وطيب ثراهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته!
فلا تتعدى حدود المباح، ولا تسأل عما لا يعنيك، مما ليس من اختصاصك، وفهمه يفوق طاقتك!
المتسائل: سيدي، هل تقصد أنني مُحاسبٌ على أمرٍ هو ليس من اختصاصي ولا قدرة لي على فهمه!
سيدي، أرجوك، أنا طالب حقيقة، فاصدقني القول..، هل السؤال ليس مباحاً، أم إن الجواب ليس متاحاً..، أم إن الأول كان بسبب الثاني!
الإمام: بل الجواب متاح للسؤال المباح!
المتسائل: فما هي حدود المباح، ومن من البشر يمتلك قائمة بالمتاح!
الإمام: أنت تعتمد على العقل كثيراً- وربما بالمطلق، وفي ذلك خطأ كبير وخطر على إيمانك جسيم. فمحاولة إخضاع الدين للعقل من المؤكد أنها تصل بصاحبها إلى الكفر والإلحاد .. والعياذ بالله!
المتسائل: أعتقد أن جوابك أخطر على رسالتك وعلى الدين والإيمان من سؤالي!
فما تفضلت به يعني أنك قد خضت هذه التجربة مع العقل، وبلغت مرحلة الكفر والإلحاد! ثم عُدتَ إلى الإيمان تحمل سؤالك؛ فأنت الآن مؤمن تركع وتسجد، وصورة الكفر ماثلة أمام ناظريك؟ وتُسمّي حيرتك إيماناً؟ فهل تعتقد أن الله يقبل إيمان العاجزين المقلدين! وهل تتصورون الله بمقاييس البشر، حتى تظنون أنه يُعِـدُّ جنة عرضها السماوات والأرض لأناسٍ لا يستطيعون الدفاع عن إيمانهم إلا بالعنف، ومنع السؤال وتعطيل العقل خشية الكفر..، فهم بذلك لا يُدركون أو لا يفهمون الذي يفعلون؟
وكذلك الحال مع أهل النار! ألا تقيسون الخالق بمقاييس البشر حين تتصورون أنه سيضع في النار أناساً ذنبهم أنهم يتساءلون عن دور لهم يفهمونه، وذنبهم أنهم لم يُطيعوا ولم يُقلدوا بشراً مثلهم!
الإمام: أنت مصاب في إيمانك، ولا ريب! كف عن الجهر بغِيك والتفاخر بعصيانك! وعُـدْ إلى رُشدك، ولا تخرج عن الجماعة، وخذ سؤالك من سؤالهم، واكتفِ بجوابهم!
المتسائل: سيدي، أنا أتساءل بحثاً عن الحقيقة والرشد، ولا يُمكنني تصور أن الإنسان بمقدوره أن يخرج ويعود إلى رُشده متى شاء!
وأعتقد أن مفهوم الالتزام بالجماعة دون قناعة، هو أيضاً مفهوم بشري ضيق نابع من ضعف الإنسان وخوفه من المجهول، وهو مفهوم لا يليق ولا مكان ولا وزن له في حال العلاقة مع الله! لأن الأمر يبدو وكأن على الإنسان أن يكون مع الجماعة سواء ضلوا أو اهتدوا، أو أن حساب الله للجماعة يختلف عن حسابه للفرد.!
على كل حال، أجدني قد أتيت بسؤالٍ، لأعود برزمة من التساؤلات!
ولكن، احتراماً وتقديراً لجهودكم واهتمامكم بأمري، فإنني سأفترض أنك قد أجبتني! مع أنني تمنيتُ أن لو أنك اختصرت علي الطريق، وقلت لي إن الجواب لدينا هو منع طرح السؤال!
الإمام: دعوني أُكمل حديثي مع هذا الواهم، على انفراد!
أنصت لما سأقوله جيداً.. ينبغي أن تعلم أنك لم تأتِ بجديد، فتساؤلاتك هذه قد دارت بخلد الكثيرين قبلك، وتحاور حولها أئمة ومفكرون؛ وقد ارتد بسببها البعض، وتغاضى عنها كثيرون - صوناً للدين والجماعة! فاختر أنت أي الفريقين شئت!
المتسائل: هل كبح السؤال وعدم التفكير هي من شروط الإيمان؛ وهل من ضمان لصحة هذا الاعتقاد؟
وهل كان الرسل يشترطون ذلك على الناس حين كانوا يدعونهم للتصديق برسالاتهم!
وهل تعقل أنت ذلك! هل تعقل أن عبادة الله تقتضي التقليد وعدم التفكير وعدم السؤال وعدم طلب الفهم !
هل تشهد بأنك مؤمن باقتناع بأن الله قد وهب الإنسان العقل وكلفه بسبب العقل، وأن عبادة الله وطاعته التي تُدخل إلى الجنة وتُنجي من العذاب، تستوجب تعطيل ذلك العقل الذي هو أساس التكليف!
ما الذي يمنع أن يكون الأمر على العكس من ذلك! ألا يمكن أن يُسأل ويُحاسب الإنسان بسبب تقليده لغيره وتجاهله لصوت عقله المتناغم فطرياً مع الواقع ومع آيات الكون والوجود الثابتة التي لا اختلاف بين العقلاء حولها!
الإمام: سأقول لك من الآخِر، ولأنك لم تُعلن كفرك، ولأنك تنتمي إلى عائلة كبيرة لها تاريخها ووزنها ودورها وأفضالها، فإنني سأبوح لك بسرٍ لعله يُجيبك عن بعض تساؤلاتك، أو أن تجد فيه عذراً لمن يمنعون السؤال ويقمعون الفكر!
إن هدفنا هو المحافظة على هذه الجماعة التي تراها ضعيفة بين الأمم رغم تعدادها الكبير.
فلو تركنا الباب مفتوحاً للعقل والسؤال والفكر، لانفرط عقد هذه الجماعة. فنحن نُدرك أنه يوجد في تراثنا الديني وفي فقهنا وثقافتنا ما لا يُقره العقل السليم، وما لا نستطيع أن نجزم بصحته، بل إن بها ما نجزم بخطئه!
ولكننا نُدرك المخاطر التي ستترتب على البوح بهذه الأمور على الملأ! ولذلك وجدنا أنفسنا مضطرين للتشدد في الأحكام – كالإفتاء بقتل المرتد – رغم إيماننا بحرية العقيدة؛ وكذلك التغاضي عن بعض أعمال العنف التي تُمارس باسم الدين ضد العقل السليم والسؤال البريء.
فنحن نحاول الخروج من دائرة الشبهة ولكن بالتدرج، إذ أنه ليس من الآمن أن نتخلص من شوائب التراث دفعة واحدة!
المتسائل: ما ذنب وما مصير الأجيال والأفراد الذين ذهبوا ولا يزالون كل يوم، ضحايا لتلك الشوائب!
إنكم بذلك تُنصّبون أنفسكم بأنفسكم أوصياء على الناس والدين، ولا تكفلون الجنة لأتباعكم، فأين شرعيتكم في ذلك؟
كما أنكم لم توفروا لهم حياة كريمة طيبة اليوم – رغم أن الله قد تعهد للمؤمنين بها!
ألا تخشون أنكم ربما تتبعون أهواءكم لا رسالتكم، أو أنكم تُحمّلون أنفسكم ما ليس من شأنكم!
أليس الهدى والضلالة والحساب من شأن الخالق وحده!
هل إتباعكم حُجّة كافية وعذر لمن اتبعكم أمام ربه، إذا كنتم مخطئين! وما مصير من عطّل عقله، وارتكب إثماً بإتباع فتوى، وتغيرت الفتوى وثبت خطئها بعد موت الضحية وفوات الأوان؟
فهل تحملون آية تُلزمكم بقيادة الناس، وتُلزم الناس بإتباعكم!
هل تدّعون علم الغيب! وإلا كيف تخشون على الجماعة من الانهيار إذا تركتم الناس وشأنهم! وهل ترونها اليوم واقفة في ضل قيادتكم وتعتيمكم الفكري عليها!
لم أكن أُدرك بأن شيئاً مما يقوله البشر يمكن أن يكون مقدساً لدرجة أنه ينبغي أن يُطاع، وتُحترم أخطاؤه الظاهرة قبل الخفية!
أعدك بأن أعمل بنصائحك لا بإجاباتك!
وسأحتفظ لنفسي بسؤالها فيها، وسأبحث لها عن الجواب بنفسي. وسأُظهر لكم ما تُريدون، طالما بقيت مُرغماً على الحياة بينكم!
بعد سنين ليست بالطويلة من الاطلاع والتجارب والتأمل والاستغراق في التفكير، استخلص المتسائل شيئاً من أنسام الحقيقة من بين عواصف الحياة المموهة بأتربة المادة والمزورة بألوان التاريخ وزخارف الثقافات وروائح العقائد!
لاحظ الحائر أنه لا يوجد ما ينفي أن تكون حياة البشر وعلاقاتهم هي عبارة عن صفقات تجارية إستراتيجية بين أفراد جماعة كبيرة من العبيد الواهمين!
إذ لاحظ أن الفرد في المجتمع البشري، لا يكون إلا أحد ثلاثة: إما سيد مُطاع، أو مجرم تائه، أو عبدٌ ذليل!
ووجد أن المصلحة المادية المباشرة، وعقدة العبودية والسيادة، هي الأسباب الأساسية والمباشرة وراء عملية إنجاب الأبناء - غير المبررة - في حال الفقراء خاصة.
ووجد أن الجانب الإنساني وغريزة الأُبُوّة وعاطفة الأمومة.. وما شاكلها، هي عبارة عن مسوغات أدبية شكلية وعمليات تجميلية مُلحقة بالعلاقات البشرية، للتمويه والتغطية على الأسباب الأساسية والحقيقية التي تقف خلف عمليات الزواج والإنجاب!
فكأن الإنسان يجب أن يمتلك صنفاً من العبيد لكي يُقلل من حدة عبوديته هو - المرتبطة بحياته. وأن السبيل الوحيد المتاح أمام الفقير لامتلاك العبيد، هو إنجاب العبيد عن طريق الزواج!
إذ لاحظ المتسائل، أن معدل إنجاب الأبناء يتناسب طردياً مع الفقر والجهل وعدم الاستقرار!
حيث لاحظ أن معدل الإنجاب يقل إلى درجة الصفر أحياناً، في دلالة واضحة وصريحة على انتفاء الحاجة للأبناء، وذلك في المجتمعات الغنية المستقرة والتي تتدنى فيها درجات عبودية الفرد في ظل حكم القانون!
أما الجانب التجاري في العلاقات البشرية البشرية، فلم يحتج لاكتشافه جهداً كبيراً، فهو ظاهر ومُعلن!
حيث إن الوالدين لا يُخفون الهدف من إنجابهم للأبناء، وهو حاجتهم لخدماتهم؛ حتى أنهم ربطوا مصير الأبناء بالطاعة العمياء للوالدين؛ مما يعني أنهم لو أدركوا أن الأبناء سيكون لهم رأيهم الخاص بهم والمخالف لرأي وأوامر الوالدين، لما أنجبوهم ..، بدليل أن الوالدين لا يترددون في معاقبة أبنائهم كما لو كانوا أعداءهم، وأحياناً إعلان البراءة منهم، لمجرد ممارسة الأبناء لحقوقهم المكفولة (نظرياً) كاختيار العقيدة أو النهج أو طبيعة النشاط أو حتى اختيار شريك الحياة بخلاف رغبة واختيار الوالدين!
ومن خلال زاوية العلاقة بين الوالدين والأبناء، ألقى المتسائل نظرة على علاقة الإنسان بالخالق حسب المفاهيم السائدة، والتي ملخصها أن الله هو الذي خلق الإنسان لعبادته؛ وأن طاعة الوالدين واجبة بأمر الله أيضاً!
فلاحظ أنه ووفق هذه المعطيات، فإن الأبناء – وبعلم وأمر من الخالق – هم ملكٌ وعبيد للوالدين - لا للخالق.
فعملية إنتاجهم..، وقرار إخراجهم إلى الوجود، بيد الوالدين، إن شاءوا فعّلوه، وإن شاء عطّلوه! باعتبار أن إنجاب الأبناء هو حق من حقوق الإنسان - لا واجباً من واجباته! بل إن قتل الأبناء بعد إنجابهم هو أيضاً بيد الوالدين، حيث إن الآباء مأمورون بعدم قتل أبنائهم ( في إشارة إلى حدوث عملية القتل سابقاً، واحتمالية تكرارها) ..، مما يكشف زيف الاعتقاد بأن الفطرة الإنسانية وغريزة الأُبُوّة وعاطفة الأمومة هي التي تقف خلف عملية الإنجاب والتكاثر!
كذلك وفق المبادئ والمعتقدات السائدة، فإن الإنسان وما يملك هو ملك لأبيه؛ والجنة تحت أقدام أمه؛ .. أي أن الطائفة والدين، والسلوك والأخلاق وكل الممارسات، التي يُحددها الوالدان، ينبغي على الأبناء إتّباعها، وهذا أمر إن صح فهو ينفي مسئولية الأبناء عن فساد معتقداتهم، ولا يترك مجالاً لتجريم الأبناء ولا لاحتساب فضل لهم فيما يفعلون..، وغني عن القول أن كلمة أبناء هنا تشمل كل البشر اليوم!
ولاحظ أن تفعيل العقل، وانتزاع حق الحرية الفردية المطلقة، ورفض كل ما يرفضه العقل، بما في ذلك مبدأ قداسة البشر وحق وصاية البعض على البعض، أو حكم الفرد للجماعة بحُجّة الفقه أو العلم، أو بذريعة الرئاسة السياسية أو الأبُوّة والبنوّة؛ واستيعاب الإنسان لمعنى الكرامة، وقراءة مفهوم الحياة والموت في ضوء ذلك..، هو كفيل بمنع الحروب والمآسي الإنسانية الجماعية التي يُقررها أفراد وتخوضها مجتمعات، ويدفع ثمنها السُذج البسطاء!
بعضٌ من الحقيقة – كما يقوله العقل ويقره الواقع ويقبله المنطق-، هو أن الوالدين هم المذنبون، وهم الذين عليهم السعي للحصول على رضا ومغفرة الأبناء!
فالأبناء لم يُستشاروا في عملية إنجابهم وإخراجهم إلى الوجود؛ والوالدان مسئولان بالكامل عن كل المآسي والآلام التي يكابدها الأبناء، ويجدوا أنفسهم ضحايا لها.
فالأبناء وبسبب دخولهم دائرة الحياة، وجدوا أنفسهم مستعبدين بالضعف والحاجة والجهل والمؤامرات ..، وممنوعين من الخروج من هذه الدائرة. وهم لم يدخلوا الدائرة بأمرٍ مباشر من الخالق، بل دخلوها بقرار وحسابات بشرية ولغاية بشرية هي خدمة الوالدين! وهم مأمورون عرفياً ودينياً وثقافياً واجتماعياً بطاعة الوالدين، وأُولي الأمر بمختلف مسمياتهم ومستوياتهم!
المطلوب، هو سبيل منطقي، ومعادلة مقنعة لجميع الأطراف، وقابلة للفهم والتطبيق، لإنقاذ الطرفين، والخروج من المأزق المتمثل في مسئولية طرف عن إرادة وشهوات واحتياجات ورغبات وممارسات طرف آخر..،
هذا المطلوب لا يمكن أن يتحقق إلا بإدراك البشر واتفاقهم بأن الوالدين يتحملون المسئولية الكاملة عن مآسي وممارسات أبنائهم، حتى بلوغ الأبناء سن معينة ( لعلها سن الأربعين سنة، حيث اكتمال العقل وحصول التجربة).
وبعد هذه السن تؤول المسئولية للأبناء، مقترنة بالحرية والاختيار، فيكون للأبناء الحق في الاستمرار في الحياة بمسئولية تامة؛ كما أن لهم الحق في إيقافها.
وبذلك، يتحقق العدل في مسئولية الإنسان عن سلوكه وممارساته، وتكون حياته مسئولية اختارها ونعمة عليه أن يشكرها..، لا عقوبة يقضيها!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|