العلمانية والإيمان والإلحاد .. في ميزان الحياد!
الحرية هي جوهر الفطرة البشرية والحيوانية، فهي أساس كل الرغبات والميول، وأصل كل النزعات الطبيعية..، بل إن حب الكائنات للحرية هو العنصر الطبيعي الكامن خلف كل الغرائز الحياتية..، فليس السعي لإشباع الغرائز والشهوات بشتى الوسائل والسُبُل سوى تلبية فطرية لمطلب التحرر من قيودها!
فالحرية هي مطلب فطري وأساسي للإنسان الطبيعي، يفوق في أهميته وأولويته مطلب الحياة ذاتها!
فمن الطبيعي والمحمود التضحية بالحياة من أجل الحرية، ولكن العكس منبوذٌ مرفوض مخالف للفطرة البشرية.
ولذلك كان حرمان الإنسان من الحرية بالسجن الجسدي أو الفكري، هو أول العقوبات تنفيذاً وأكثرها شيوعاً بين البشر.
فالإنسان الطبيعي قد يُضحي طواعية بحياته من أجل قضية يؤمن بها، ولكن ما لا يمكن حدوثه هو التضحية بالحرية من أجل قضية مهما كان حجمها وقداستها..، بما في ذلك الحياة ذاتها..، وإذا حصل ذلك عُدَّ من شواذ القاعدة وفق كل الأعراف البشرية والمعايير العقلية!
ومن هنا نجد أن الإنسان في المجتمعات الدينية، لا يُخفي إعجابه وتوقه الفطري إلى الحرية التي توفرها الديمقراطية المطبقة في الأنظمة العلمانية الحرة..، بالرغم من اعتقاده المفترض بأن دينه لا يُخالف الفطرة، وأن تشريعاته إنما وُجدت لخير الإنسان!
في حين يتمسك ويفتخر الإنسان في المجتمعات الحرة العلمانية بتشريعاتها، بغض النظر عن عقيدته أكان دينياً أو لا دينياً، مؤمناً أو ملحداً..، فلا يُطالب ولا يتمنى، بل ويرفض تطبيق الشرائع الدينية في مجتمعه الحر!
ومن غير الطبيعي ولكن من المتوقع أن يشذ البعض عن هذه القاعدة، ويُطالبون بتطبيق شريعة دينية في مجتمعات علمانية..، وهنا لا بد أن تكون الجذور الثقافية لمثل هؤلاء نابعة من مجتمعات دينية..، فحين يتحقق لهم بالعلمانية عملياً ما كانت تعدهم به معتقداتهم نظرياً، حينها ينسون أو يتجاهلون كيف كانوا وكيف أصبحوا، ويُطالبون بما يُناقض معتقداتهم ورسالة أديانهم ..، حيث يُفترض أن الأديان قد جاءت لإصلاح المجتمعات المتخلفة، وليس لتلبيسها على المجتمعات الجاهزة!
على كل حال، فإن رفض تطبيق التشريعات الدينية، هو أمر طبيعي، والسبب واضح وجلي، وهو أن كل الشرائع الدينية لم تُنجِز عملياً - وعلى مر التاريخ - الحد الأدنى من الشعارات الجميلة التي ترفعها وتحملها نظرياً..، ولا يُمكن لما يُردده جُلُّ المؤمنين من تمجيد غير صادق وغير أمين لأديانهم أن يُغير من الحقيقة والواقع شيئاً..،
فالحقيقة هي أن جُلَّ ممارسات أتباع الأديان في حياتهم لا تنبع من قناعاتهم، بل هي نابعة من خوف وتعصّب، ظناً منهم أن ذلك يُرضي الإله الذي يؤمنون به..، متجاهلين اعتقادهم وترديدهم بأن الإله سيُحاسب الناس على الكذب والنفاق فيما بينهم، فكيف بالكذب باسم الإله أو لصالح الدين، والادعاء بأن المجتمعات الدينية هي أفضل حالاً من المجتمعات العلمانية، خوفاً من الإله وتعصُّباً للدين لا قناعة بما يقولون!
فهل الإله أو رُسُله أو أديانه بحاجة لأن يُكذب باسمهم، أو أن يُنصرون بتزوير الواقع، أو هل الإنسان مُطالب بمخالفة المنطق والعقل من أجل أن يرضى عنه إله العدل!
يقول بعض مُفسري الأديان، بأن دلالات الألفاظ في الكتب المقدسة، ليست بالضرورة هي ما يفهمه الإنسان الذي يُجيد لغتها..، وإذا صحَّ ذلك فينبغي مراجعة كل شيء ولا معنى لمحاولة فهم أي شيء..، فقد يكون الزنا بمعنى التجارة، وقد يكون الصدق بمعنى القتل، وقد يكون عمل الخير بمعنى السرقة ...الخ!
إن نظرية احتكار فهم النصوص، هي في الحقيقة خطة عمل فقهية، تهدف لتطبيق اعتقادات مسبقة وتصورات مقولبة..،
وتقتضي الخطة مواءمة النصوص الدينية مع تصورات بشرية مسبقة للمشهد النهائي الذي ينبغي أن يكون عليه المجتمع الديني!
إن التعصُّب الديني هو امتداد وراثي للتعصُّب القبلي والعشائري والقومي..الخ، وجميعها تشترك في التغنِّي بالماضي والوعد بالمستقبل وتجاهل الحاضر طوال الدهر، وجميعها تنطلق من كراهية الآخر، ومن النظرية الجاهلية البدائية الصحراوية.. انصر أخاك ظالماً أو مظلوما!
بينما الديمقراطية العلمانية قد أثبتت – وفي فترة وجيزة من تاريخ البشر - ..، أثبتت التناغم والعلاقة الوطيدة بين النظري والعملي في نظرياتها، وأثبتت امتلاكها للإرادة والآلية لتنفيذ وإدارة ما دعت له!
فقد أنجزت العلمانية بالقول والفعل حداً مقبولاً من كرامة الإنسان وحرية العقيدة والرأي، واستقرار المجتمع البشري وتقدمه.
ويعود السبب في نجاح العلمانية إلى خلوها من عنصري الخوف وخداع الذات اللذين يُسيطران على سواها من النظريات بما في ذلك الدينية منها!
فهي ترسم مخططاتها وأهدافها، وتستمد أفكارها وآلياتها، من القواسم الفكرية والثقافية المشتركة بين مكونات المجتمع.
ومن ذلك استمدت العلمانية قدرتها على الاستمرار وتصحيح المسار، فهي لا تعتمد ولا ترتبط بحياة ووجود أفراد دون غيرهم، بل تستمد قوتها من إيمان كل الناس بها وملاءمتها لفطرتهم، وتوفيقها بين مصالح المختلفين.
فالعلمانية لا ترتبط بكرامات باطنية خفية مقدسة يتمتع بها أناسٌ عاديون، لتُبرر أو توجب على الآخرين طاعتهم في كل ما يقولون وما يتصورون وما يتوهمون، من تلك التصورات التي تُخالف العقل والمنطق السليم، وتتجاوز قواعد اللغة ودلالات الألفاظ المتعارف عليها، فيُستدل على صحة الوهم برواية أو آية من كتبهم المقدسة – بعد لي أعناق مفرداتها لتناسب دلالة الوهم! وهي كرامات اسمية لا دليل محسوس على وجودها!
إن ساحة الفكر الحر، هي الساحة الطبيعية التي يمكن لعقل الإنسان أن يعمل فيها بصورة يكون من العدل محاسبته على سلوكياته وممارساته!
بينما في الساحات المؤدلجة، ليس من العدل والإنصاف أن يُحاسب الإنسان على سلوكه وممارساته، وقد سُلبت حريته!
واقع الحال أن البشر اليوم، تتقاذفهم تيارات أساسية ثلاثة، يُحاول كل تيار السيطرة على عقل الإنسان – إقناعاً أو إخضاعاً، بغية فرض رؤيته عليه، وسعياً لسحب الفكر البشري باتجاه ذلك التيار، تحقيقاً لأهداف القائمين عليه، ومنهم مَنْ انطلقوا أساساً من حرية الفكر ثم انقلبوا عليها، ومارسوا الوصاية الفكرية على الآخرين..، إلا أن ذلك إن حصل فإنه لا حياة له ولا مجال لاستمراره في البيئة العلمانية التي تمتلك آلية إصلاح الذات..، بينما يؤدي ظهور ذلك إلى الطغيان وشيوع الأوهام في المجتمعات الدينية والبدائية التي تعتمد على كرامات وعلاقات بشرية خاصة مفترضة مع الإله!
تلك التيارات هي التيار الديني، والتيار المادي الاقتصادي، والتيار الأيديولوجي بوجهيه.. السياسي والاجتماعي !
والعلمانية وبالرغم من أنها في الواقع نظام سياسي واجتماعي واقتصادي متكامل، وهي محسوبة على التيار الأيديولوجي، إلا أن الفكر أو التيار الديني يُناصبها العداء، ويعتبرها نقيضاً للدين!
والحقيقة التي أثبتها الواقع وإن أنكرها البعض، هي أن العلمانية أقرب ما تكون إلى الأصل والفطرة البشرية، أي إلى الفكر الحر؛ من حيث إنها نظام سياسي وساحة حرة تزخر باختلاف وتنوع التيارات والأفراد، فلا تسمح بطغيان جانب على جانب، ولا تُمانع من زوال الاختلاف وتأييد الجميع لهذا الفكر أو ذاك، طالما كان ذلك نتيجة طبيعية واختياراً حُراً، وليس نتيجة لاستغلال الفصحاء لبساطة البُسطاء!
وليس أدل على الميول الفطرية للناس باتجاه العلمانية، مما نعلمه ونشاهده من تضحيات الهاربين، في موجات النزوح البشري الجماعي - شرعي وغير شرعي -، من الساحات التي تسيطر عليها التيارات الأخرى، لجوءاً إلى حيث توجد العلمانية.
وإذا كان للعلمانية من عيوب وثغرات فإن أخطرها هو توفيرها لبيئة مناسبة لنشاط أعدائها، كالذي نشاهده من ممارسات بعض الهاربين –لاسيما الإسلاميين- ..، حيث نشاهدهم وهم يُمارسون الحرية التي وفرتها لهم العلمانية ضد العلمانية، وذلك لأنهم لا يزالون يقعون تحت تأثير المعتقدات الدينية التي التجئوا إلى العلمانية هرباً من بطشها!
وكأمر واقع، فإنه من المعلوم أن كل إنسان اليوم هو بالضرورة عنصر ينتمي إلى أحد صنفين أساسيين يُكوّنان معاً الواجهة العقائدية للمجتمع البشري بصفة عامة..، فالإنسان إما ديني، أو لا ديني !
والإنسان الديني هو كل إنسان يعتنق ديناً من الأديان المعروفة اليوم أو قبل اليوم، وهو الذي يعتقد بأن دينه يُحدد له واجباته تجاه الرب الخالق..؛ تلك الواجبات المتمثلة في تنفيذ تعاليم ذلك الدين وممارسة طقوسه!
أما الإنسان اللا ديني، فهو كل إنسان لا يلتزم بأي دين، ويعتقد بأن الرُسُل والرسالات والكُتب المقدسة، كلها أفكار ونظريات بشرية أرضية لا تستند إلى أي مصدر غيبي مقدس مُلزِم للإنسان..، وذلك بناءً على افتقار كل الأديان للبرهان والحُجَّة بما يُعادل الحقيقة التي تدعيها!
واللا ديني هو واحد من ثلاثة أصناف من حيث اعتقاده بوجود الإله:
1- ألوهي ..، وهو الذي لا يؤمن بالأديان، ولكنه يعتقد بوجود الإله - بغض النظر عن تصوره لِكُنه وكيفية وجود ذلك الإله..، والألوهي كغيره من اللادينيين، يرفض فكرة الإله الشخصي أو الشخصاني الذي تصفه الأديان وتدعو للإيمان به وفق تصورها!
2- لا أدري ..، وهو الذي لا يؤمن بالأديان. أما وجود الإله فهو لا ينفيه ولا يُثبته؛ ويكتفي بالاعتقاد بأنه لا يدري!
3- مُلحد..، وهو الذي لا يؤمن بوجود الإله، أو يعتقد بعدم وجود الإله!
ومع أن اللا دينيين هم نقيض المؤمنين من حيث النظرة إلى الدين والعلاقة به؛ إلا أن ذلك لا يعني بأي حال ولا يُعطي الحق لأحد في كراهيتهم والتحريض الأبدي ضدهم والطعن في إنسانيتهم وعقلانيتهم..، وهو ما يفعله جُل المؤمنين وتُحببه وتدعو له أو تأمر به ثقافاتهم وتشريعات أديانهم صراحة...
تلك الثقافات النابعة من اعتقاد بعض المؤمنين بأن اللا دينيين هم صنف من البشر الأشرار الذين يُعادون الله، ويُعادون المؤمنين أو الدينيين بسبب إيمانهم؛ وأن اللا دينيين يعلمون الحقيقة التي مفادها أن الدينيين على حق؛ ولكنهم يستكبرون على الإيمان !
فهذه الثقافة أو وجهة النظر تلك لدى الدينيين أو المؤمنين تجاه اللا دينيين، هي في الحقيقة مرفوضة مبدئياً عند كل ذي عقل سليم..،
لأننا وببساطة شديدة، إذا قلنا عن إنسان بأنه يعلم بوجود إله، ويعلم بالبعث والحساب والجنة والنار، ويعلم ماذا يُريد الإله منه لكي يدخل الجنة وينجو من العقاب ..؛ ومع ذلك يكفر ويستكبر على الإيمان بذلك الإله، ويُفضّل النار على الجنة..، فإننا بذلك إنما نقول عن هذا الإنسان بأنه معتوه وغير عاقل؛ وفي ذلك من العذر ما يكفي لإعفائه من الازدراء والعداء والكراهية، ويمنع المؤمنين من دعوته للإيمان، بل ويرفع عنه أقلام المؤمنين وإلههم والأديان!
ولا يعني ذلك أن وصفهم باللا عقل هو وصف موضوعي مقبول أو معقول، بل هو وصف ظالم خاطئ قاصر، لا علاقة له بالصواب، لأنه ولكي يتحقق وصف الإنسان بغير العاقل، فإنه يجب أن تكون سلوكياته وممارساته في الدنيا تُثبت أنه غير عاقل، فيجتنب الصواب وكل ما فيه مصلحته، ويفعل الخطأ وكل ما يوجب ضرره ..عمداً؛ وهذا ما لا وجود له في حال اللا دينيين!
إذ لو كان حالهم كما يُصوره المؤمنون، فلماذا لا يتنكر اللا دينيون لآبائهم وأُمهاتهم، ولماذا لا يدّعون أنهم أوجدوا أنفسهم بأنفسهم. فالإنسان يستعمل ذات العقل وذات الأسس في تفكيره . ولا مجال بين العقلاء الصادقين مع أنفسهم - قبل غيرهم، للترويج والاعتقاد بأن إنساناً عاقلاً يخشى عقاب البشر، ويطلب جنة الدنيا ويهاب نارها، .. ولا يفعل الشيء ذاته مع إله يعلم بوجوده!
ومن الجدير ذكره أن عدم الرضوخ للوصاية الفكرية، وعدم القناعة بالحُجّة الضعيفة، هي من صفات الأحرار الأمناء والصادقين العقلاء!
وأعتقد أن الحقيقة التي لا يريد معظم المؤمنين قولها، والتي لا يدركها البُسطاء منهم، والتي لا شك أن القائمين على الأديان يُدركونها ويُخفونها جيداً ..، هي أن اللا دينيين في الواقع لا يُكذّبون الإله ولا يُعادون المؤمنين..، – فالإله لم يُخاطبهم أصلاً، وإنما هم يُكذّبون البشر بسبب ضعف حُجتهم، وبسبب التناقض الفاضح بين واقع المؤمنين وبين شعاراتهم، وما يَعِـدون الناس به من سلام وحياة طيبة، لم يتمكنوا من تحقيقها لأنفسهم!
وبذلك فإن كراهية وعداء الدينيين أو المؤمنين للا دينيين، سببها حرج المؤمنين من تكذيب اللا دينيين لهم؛ وليس بسبب كفرهم الذي لا يعلم حقيقته ولا ينبغي أن يُحاسبهم عليه إلا مَـنْ يعلم بسرائر الأنفس والقلوب!
هذا عن علاقة الدينيين باللا دينيين، أما إذا نظرنا إلى اللا دينيين بمعزل عن الدينيين، فإننا سنلاحظ :
1- الألوهيون، وهم أولئك الين لم يجدوا الحُجّة والبرهان لكي يؤمنوا بقدسية الرسالات والأديان..، لكنهم في الوقت ذاته لا ينفون وجود حد أدنى من المنطق في سلوكيات وسيرورة وصيرورة الطبيعة، هو أكبر وأدق من أن يكون صدفة..، مما يدل على احتمال كبير لوجود قوة خفية ذكية عاقلة تُدير الحياة والكون - ربما تكون كامنة في ذرات الموجودات..، ولكن هذا الاعتقاد لا يُلزمهم بفعل شيء لأجل تلك القوة أو بأمرها، باعتبار ضعفهم أمامها وجهلهم بحقيقتها وعدم قدرتهم على الاتصال بها بأي صورة من الصور المقبولة عقلاً!
- اللا أدرية .. وتستند إلى ركيزتين، أو يمكن تصنيفها إلى صنفين..، لا أدرية دينية، ولا أدرية فكرية أو علمية..
- اللا أدرية الدينية..، وتُمثِّل أهل أضعف الأنماط والقدرات الفكرية لدى اللادينيين..، وربما كانت هي بداية اللادينية، وربما لم تعد موجودة الآن، والموصوفين بها هم أولئك الذين لم يستطيعوا الجزم بصحة الرسالات والأديان من عدمها..، بالرغم من مثولها أمامهم، مما يُمكِّنهم من فحصها وطلب الحُجج من أربابها، ومن ثم الجزم بشأنها، واتخاذ موقف محدد منها.. وربما تحقق ذلك اليوم لدى كل اللا دينيين!
- "اللا أدرية الفكرية أو العلمية"..، أي عدم الجزم بحقيقة الكون والوجود بداية ونهاية، وعدم الميل إلى أيٍّ من النظريات التفسيرية التخمينية في هذا الشأن، والبقاء في حالة انتظار لما قد يكشف عنه العلم..، وربما كان ذلك قاسماً مشتركاً بين كل العقلانيين من الدينيين واللا دينيين!
- الملحدون .. ويمكن تصنيفهم إلى صنفين شأنهم شأن اللا أدريين..، ولكن ربما أصاب اللا أدريون حيث أخطأ الملحدون، والعكس صحيح..
فالملحدون دينياً، قد حسموا أمرهم بعدم قدسية الأديان، وبعدم صحة وجود الإله الشخصي الديني، وببشرية وأرضية النظريات الدينية..، مما يُميِّزهم عن " اللا أدريين دينياً"، ويتقاطعون بذلك مع الألوهيين..،
أما الملحدون علمياً أو فكرياً..، فهم أولئك الذين يجزمون بعدم وجود قوة كونية ذكية – ظاهرة أو خفية-، .. وهؤلاء مطالبون بإثبات مصدر اعتقادهم وصحته، كما أن المؤمنين مطالبون بإثبات صحة اعتقادهم..،
وبذلك يتبين أن "الألوهيين" و "اللا أدريين علمياً وفكرياً"، هم أقرب أصناف البشر إلى الفطرة والمنطق والموضوعية!
وأن الملحدين علمياً، والمؤمنين دينياً، هم أضعف أصناف البشر حُجَّة، وهم المطالبون بالدليل دون غيرهم!
.................................
لعل تبني بعض البشر لمهمة التعريف بالإله بعد الرُسُل، والدفاع عنه ضد غيرهم من البشر، وممارستهم الوصاية الفكرية عليهم تحت هذا الشعار، هو السبب الرئيس وراء ظهور واستفحال ظاهرة الإلحاد..
كذلك كان واقع المؤمنين المناقض لشعاراتهم، يعمل دائماً ضد دعوتهم.
وكذلك يكمن ضعف حُجّة الدينيين عند الدعوة إلى دينهم، في اعتمادهم على النقل لا على العقل، وهو الأمر الذي لا يرى الملحدون فيه مبرراً ولا دليلاً على وجود إله. حيث إنهم يعتقدون بأن الإيمان عن طريق النقل لا يعدو أن يكون تصديق بشرٍ لبشر؛ أي أنه إيمانٌ بصدق ونزاهة الناقل وليس إيماناً بإله - مبنياً على يقين وبينة!
ونزاهة الناقلين وصدقهم هي أمور لا دليل على صحتها أو وجوب إتّباعها.
أمرٌ آخر ينبغي الوقوف عنده مطولاً عند الحديث الإلحاد والإيمان والأديان، وهو أن كل الأديان أساساً تُخاطب المؤمنين سلفاً بوجود الله بغرض تصحيح إيمانهم؛ ولا تُخاطب غير المؤمنين.. لاسيما الأديان التوحيدية الثلاثة ..
فالإسلام مثلاً هو دين توحيد وليس دين تأليه. أي أن خطابه مُوجه للمؤمنين المخطئين في إيمانهم – كالمشركين، وليس موجهاً للملحدين .
ومن هنا فإن الأرضية الدينية للحوار متوفرة بين الدينيين فيما بينهم، أي بين أتباع الديانات المختلفة والتي يطعن بعضها في سماوية أو سلامة البعض الآخر.
بينما لا توجد أرضية دينية للحوار بين الدينيين واللا دينيين، بل توجد أرضيات منطقية كالعقل والفطرة البشرية والعلم والواقع المحسوس! وهذه الأرضيات لا يستطيع الدينيون استعمالها، لأنهم يستندون إلى روايات تاريخية منقولة عن السابقين، توارثوها ثقافياً، ولا يستطيعون إثبات صحتها لغيرهم!
ومن هنا ظهرت محاولات بعض المؤمنين لاستثمار واستغلال الاكتشافات العلمية للتدليل على القدسية والمرجعية اللا بشرية للكُتب الدينية، لإثبات قداستها وأنها من عند الإله..،
ولكنني أعتقد بأن تلك المحاولات هي مغامرات غير محسوبة، وأعتقد بأنها تُضعف حجة المؤمنين، وهي عليهم وليست لهم.
حيث إن في ذلك إثبات ودعوة للإيمان بقوة العلم، أكثر منها إثبات لصحة الدين أو وجود إله وضرورة الإيمان به وعبادته.
إضافة إلى أن العلم ما انفك يُثبت اليوم ما نفاه بالأمس، وينفي ما سبق أن أثبته! فاكتشافات العلم هي عبارة عن آخر ما استطاع البشر اكتشافه أو اختراعه أو إثباته، أثناء إزاحتهم للمعوقات وبحثهم عن حياة أفضل، أو أثناء إثباتهم لوجود حقيقة غامضة دللت على وجودها ظواهر معينة.
وهذه التجارب والنتائج، تظل نسبية وافتراضية، ولا حرج في أن يثبت خطؤها ويُقر بذلك الإنسان ويتراجع عنها! وهو الأمر الذي لا ينبغي أن يكون في حال الدين .
وحقيقة أخرى، من الصعب قولها وتصورها، ذلك أن الدينيين أو المؤمنين هم أكثر الناس عداءً لغيرهم ولبعضهم البعض، من اللا دينيين.
والمفارقة أن جُلَّ المؤمنين يدعون في خطابهم إلى التواضع وحُسن الخلق في معاملات الناس، بينما في الواقع هم أكثر تكبراً واستعلاءً وازدراءً لغيرهم، ولبعضهم البعض حسب اختلاف المذاهب والطوائف، ودرجة الالتزام بهذا الفقه أو ذاك المذهب.
بينما الملحدون أو اللا دينيون إجمالاً هم أكثر الناس تواضعاً واحتراماً للآخر، رغم أنهم يستندون في معاييرهم إلى العقل وحده والفطرة والطبيعة البشرية الذاتية، ولا ينتظرون ثواباً على تواضعهم وحسن خلقهم.
وتكبّر المؤمنين واستعلاؤهم هذا، الذي نلمسه ونراه على أرض الواقع- رغم رفضهم لهذا الوصف، فإنني أجد أن سببه منطقي إذا صح اعتقادهم بأنهم هم جُند الله ( خالق الكون) في الأرض؛ وبأن غير المؤمنين هم أعداء الله في الأرض؛ وأن الله قد أذن أو أمر المؤمنين بكراهية ومحاربة وازدراء أعدائه من بني الإنسان! ولكن هذا الاعتقاد خاطئ من غير شك!
وأعتقد أن ما ينبغي على المؤمنين فعله لخدمة أديانهم، هو العمل على تحقيق مجتمع مؤمن نموذجي – واحد وصغير، ولو على مستوى مدينة.
بحيث يُحقق شعاراتهم، وتُطبّق فيه شريعتهم، ليكون نواة يمكن الإشارة لها والتدليل بها على إمكانية تحقق مجتمع مؤمن.
وأن يُترك الحكم عليه للمجتمعات البشرية، كما حكمت على العلمانية والديمقراطية، التي انتشرت بين المجتمعات واختارتها طواعية، بعد أن أثبتت نجاحها في كل المجتمعات التي تبنتها!
أما المقارنة بين عيوب الآخر ومزايا الأنا! وممارسة التجهيل باسم التثقيف، بحيث يتم عمداً حذف الإخفاقات، وتُضخيم الإنجازات؛ ويُدرّس تاريخ الأجداد للأحفاد بصورة التاريخ المليء بالبطولات والانتصارات والبراءة والأخلاق والوئام والسلام..، والخالية تماماً من الأخطاء والهزائم والنكسات والخيانات والمظالم والدسائس والمؤامرات ..؛ فهذا سبيل الضعفاء، وهو تجهيل بعنوان التثقيف!
والصحيح أن يُقرّ الإنسان بأخطائه، ويُطلع عليها أبناءه وأحفاده ليتم إصلاحها.
فرفضُ الإنسان الإقرار بخطئه، وإصراره على عدم النظر له، هو قرار متعمد بالاستمرار فيه وعدم الرغبة في إصلاحه!
كتبها.. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|