سعادة تحت الأقدام..خاطرة !
الملك (في أول مجالسه): بلغني أن الجميع يتكبدون عناء الصعود إلى قمة الجبل لقطف زهرة من نبتة، تعتقدون أنها جالبة للسعادة؟ فلماذا لا ينوب القادرون منكم عن الباقين في هذه المهمة الإنسانية، والشاقة على البعض!
الوزير: لا لشيء، إلا لعدم وجود العباقرة من أمثالكم فيما مضى من عمر هذه البلدة .. يا سيدي!
عجوزٌ حكيم: تقول القصة يا سيدي، إن هذه النبتة لا تمنح السعادة إلا لمن يصعد لها ويقطف منها زهرة بيده!
الملك: إذن سنأمر باقتلاع النبتة من قمة الجبل، وزراعتها بقعر الوادي، لتكون السعادة تحت أقدام الجميع لا فوق رؤوسهم! .. ما رأيكم!
الوزير: أين نحن ببساطتنا من علو هامتكم؛ وأين إطباق جهلنا من فساحة بصيرتكم يا سيدي! لم ترَ ولن تسمع البشرية، عن ذكاء وفطنة وحرصٍ على سعادة الشعب كما نرى ونسمع من جلالتكم!
أحدهم (هامساً للعجوز الحكيم): ما رأيك فيما سمعت؟
العجوز: لا أشك إن فعلوا، فإننا سندفع ثمناً باهظاً لهذا العبث! ولكن ربما أمكننا تأجيله قليلاً.
لقد سبقني الوزير، وفتح باب اللعنة، وحدد ما ينبغي أن يُقال، ولن يسر الملك بعد الآن أن يسمع أقل مما قال الوزير!
ولذا فإنني لا أدري ماذا يجب أو ماذا يمكنني أن أقول؛ مع اعتقادي الراسخ بأنه لا شيء فوق السعادة، ولا ينبغي أن يُنظر لها من فوقها، ولا يمكن أن تكون السعادة في متناول الجميع! ولا أجده من اللائق في حقها، وربما ليس من الممكن، أو هو مما يجلب اللعنة، ذلك أن يوضع مصدر السعادة تحت أقدام الآثمين!
الهامس: إذن لنُخبر الملك..، فما تقوله أكبر مما قاله الوزير!
- لا.. لا، أرجوك، فأنا أعلم أن الملوك لا يُمكنهم النظر إلى أعلى، فهم لا يؤمنون بوجود شيء فوقهم، ومن هنا خطرت ببال الملك فكرة إخضاع السعادة وإنزال نبتتها من عليائها!
فهم يعتقدون أن كل ما هو موجود ينبغي أن يكون تحت أقدامهم، وما ليس كذلك فهو ليس موجوداً، أو هكذا ينبغي أن يعتقد الجميع؛ ولو وصلت وجهة نظري إلى الملك، فقد يضعها في وعاء ضيق لا يسعها، فيظهر شكلها على غير ما أردته، وقد أُوضع أنا حينها أسفلكم – إلى جانب النبتة، وأكون أول من يتذوق لعنتها، وستنظر إليّ عيون الشماتة من علٍ.
الملك: هل لدى أحدكم ما يقول! ..!
إذن، لينصرف الجميع الآن، ولتستعدوا لبدء الاحتفالات بالرقص والولائم، منذ الغد، ابتهاجاً بهذا الإنجاز العظيم. ومنذ اليوم ستسبق احتفالاتنا إنجازاتنا، لأن ما نقرره سيكون!
الملك (بعد زمن) : مضت بضعة أشهر على احتفالاتكم بزراعة نبتة سعادتكم تحت أقدامكم! كيف هي، وكيف أنتم اليوم!
الوجوم .. مدوياً في مخيلة الملك: الأمور تسير وفق رؤيتك ومشيئتك بفضل حكمتك؛ ولكن هيبتك ألجمت ألسنتهم عن النطق حتى بالأخبار السارة!
الملك (غاضباً من صمت الجميع): أين الوزير! كيف يتأخر عن مجلسي دون إذني! أهكذا تسير الأمور في أعرافكم!
طامع بالوزارة: هوّن عليك يا سيدي، فهو الخاسر. فسواء كان تأّخر الوزير بإرادته أو بغيرها، فهو دليل على أنه لم يقطف زهرة من نبتة السعادة بيده حتى بعد أن وضعتها حكمتكم في متناول الجميع! ولذلك حُـرِم سعادة مجلسكم ودفء قربكم في هذه اللحظات التي تُعادل ما تقدم وما تأخر من العمر!
الملك : منذ هذه اللحظة، أنت الوزير الثاني. والوزارة في مجالسي، ستكون لمن يسبق منكما الآخر.
أيها الوزير، غداً ائتني بالوزير الأول حياً أو ميتاً، وائتني بالأخبار السارة عن نبتتكم! ورتّب لي زيارة لموقعها الجديد!
الملك (في اليوم التالي) : ما الذي يجري! لماذا تأخر الوزيران! يبدو أن في أملاكي من الأمور ما يسير بغير إرادتي وعلمي ودون إذني؛ ولا ريب أنكم تعلمون ما الذي يجري! سيكون لي معهما ومعكم جميعاً شأن!
أين العجوز العارف بقصة النبتة؟ أريد أن أعرف كل شيء عن نبتتكم اللعينة تلك..!
.. الصمت الرهيب يطبق الأسماع ويغلق الأبصار، ويُجمّد الدماء في عروق العجزة !
الملك (غاضباً وباحثاً عن أي جواب): أنت أجب، .. مشيراً إلى أحدهم!
المسكين (يُحدّث نفسه) : يبدو أنني أمام تأويل ما رؤياي في منام البارحة! ولم تكن تلك الفتاة المغدورة سوى النبتة، ولم يكن المتهم البريء سوى أنا.
الملك: أنت، سألتك أيها المعتوه..!
المسكين: المعذرة يا سيدي، أعلم أنك سألتني، ولكنني أجد نفسي أكبر من أن أتحدث في مجلسكم الموقر.
- ماذا قلت ؟؟ أعد أعد على مسامعي، لأتأكد أنني في يقظة، فخيوط المؤامرة وخفايا العبيد بدأت في الظهور!
- قلتُ أنا شيخ كبير، وينقصني الكثير من حسن الهيئة وجمال المنطق وبراعة الأسلوب والتدبير، لكي أكون في مستوى الحديث بمقامكم المتدفق حيوية. وإنني لأطمع في عفوكم، لأكون مستمعاً، لأنني أخشى إن تحدثت أن أقول ما لا ينبغي أن يُقال!
- ما الذي تخشى قوله!
- مجلسكم مهيب يا سيدي، وفيه يجد الإنسان نفسه وقد تحول إلى خشية تخشى ذاتها!
- تكلّم، فأنت آمن، ومأمور بالكلام..
- أنا مأمور، ولا مفر من القدر، سأتكلم يا سيدي..
أما عن الوزيرين، فإن ما أعلمه وأظن أن الجميع يعلمه، هو أنهما قد غادرا البلدة، في زمن مجهول، وإلى وجهة غير معلومة، وهو ذاته ما فعله كل من استطاع إلى السفر سبيلا! ولم يبق من سكان البلدة إلا من هم أمامك من العجزة والمساكين أمثالي.
وأما النبتة، فقد ذبلت وماتت واختفت أزهارها منذ الأسبوع الأول لإنزالها من حيث وضعتها الطبيعة! وقد نمت وترعرعت بدلاً منها أشواك تتجدد كل يوم، وتتطاير في الهواء، وغمرت الوادي برائحة كأنها جثث البشر المتعفنة.
أما الشيخ العجوز العارف بقصة النبتة، فقد فارق الحياة يوم اقتلاعها، ولا أدري لموته سبباً.
أما مكان النبتة السابق في قمة الجبل، فقد حاول البعض رؤيته، إلا أن كل من ذهب إلى هناك، عاد فاقداً للنطق، وما يلبث أن يأخذ أمتعته ويهرب مغادراً البلدة مسرعاً.
أما أنا يا سيدي، فقد نطقت بأمركم، ولم أشترك في اقتلاع النبتة ولم أوافق عليه ولم أرفض، وليس لأحدٍ عندي من مظلمة، وليست لي حاجة عند أحد، ولستُ قادراً على الهرب، وها قد مت!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|