أوباما في مصر .. وأمل السلام في ساحة الصدام!
أرجو أن أكون مُخطئاً في فهمي لواقعٍ أعيشه! وأرجو ألا يكون الرئيس الأمريكي " باراك أوباما " قد وصل إلى المكان قبل الزمان؛ وألا يكون قد خاطب الإنسان الخطأ في الزمان الخطأ وبالثقافة الخطأ.
ففي خطابه الموجه إلى العرب والمسلمين من مصر، استعمل الرئيس الأمريكي " باراك أوباما " معايير أمريكية وعالمية، لا يزال تحطيمها هو هدف وثقافة المسلمين وحلمهم.
وأظن أن عليه الاستعداد لفتح صفحة جديدة ليُدوّن عليها تصحيح خبرته حول أنماط وثقافات ومعتقدات البشر..، بعد أن يغلق - قريباً - الصفحة التي فتحها لعلاقة جديدة مع العرب والمسلمين.
فكما حدث مع زعماء مفكرين وطنيين وأجانب قبله، سيواجه الرئيس الأمريكي الصدمة ذاتها، ولن يجد للثقافة العربية والمفاهيم الإسلامية - التي ترفض المنطق والواقع والآخر ..- فهماً ولا تبديلاً في الزمن المنظور، إلا أن يكون هو المعجزة المُرسلة لتحقيق ذلك.
فما ينبغي على الرئيس الأمريكي وغيره، أن يُدركه، هو أن المسلمين في غالبيتهم- سنة وشيعة - هم فريقان داخل كل طائفة..، وكلا الفريقين لا يؤمن بحق الوجود للآخر المخالف له في العقيدة، ناهيك عن حقه في حرية الرأي والعقيدة.
وكلاهما يعتقد أن رسالته المقدّسة في الحياة، هي إخضاع الجميع - دون مناقشة - لوصايته الفكرية الدينية الطائفية؛ ومن لا يخضع لهم، فهو كافر أو مرتد، ويجب التقرب إلى الله بسحب الكرامة الآدمية أو الجنسية البشرية منه، واستعباده، أو دخول الجنة مباشرة على جثته!
ولا يختلف الفريقان داخل كل طائفة، إلا من حيث درجة الواقعية؛ حيث إن فريقاً منهم يرى أنه ينبغي استعمال مبدأ التقية، وتأجيل إظهار النوايا الحقيقية تجاه الآخرين إلى حين امتلاك الوسائل والسُبُل الكفيلة بإنجازها وتطبيقها بالقوة والعنف..، حيث إن الحُجّة ليست في صالحهم، والموعظة الحسنة لا تشفي الغليل.
بينما يرى الفريق الآخر – غير الواقعي – بأنه لا وجود لمؤمنين على الأرض غيرهم، وأن النصر حليف المؤمنين حتى وإن كان سلاحهم حجر في مقابل صاروخ؛ مما جعلهم يرون الهزيمة العملية المشاهدة.. نصراً مؤزراً أو مؤجلا .
ولذلك، فإن هذا الفريق لا يرى حاجة لتأجيل إظهار النوايا؛ بل يرى ضرورة إعلان الحرب على الكافرين فوراً، واتخاذ المدنيين المستضعفين من الطرفين دروعاً واقية، ولا أخلاق في الحرب ولا في السلم ولا هم يحزنون؛ .. وذلك حتى يؤمن بفقه طائفتهم ومذهبهم، أو يُذعنوا صاغرين أو يفنى .. كل البشر!
إنه لو تابع الرئيس الأمريكي، ردود أفعال المسلمين على خطابه الموجه لهم؛ فسيلاحظ أنهم انقسموا إلى فريقين يُحاكيان الفريقين المذكورين أعلاه! فريق شكك في نوايا الرجل، وفريق دعاه إلى إثبات الأقوال بالأفعال وكأنه لم يستمع إلى ما قال.
فكأن الرئيس الأمريكي في خطابه قد اعترف بأن أمريكا والعالم مُذنبون ومخطئون في حق المسلمين، وأنه يتعهد بمعاقبة أولئك وإنصاف هؤلاء، وإرجاع المجتمعات التي يحكمها القانون وحقوق الإنسان، إلى جادة الصواب وفق المعايير العربية والإسلامية.
وكأنه كان يقصد الأمريكان وبقية العالم - دون المسلمين، بقوله علينا أن نفعل كذا ونترك كذا، ونتعاون في هذا الشأن أو ذاك.
كأن المسلمين فهموا من خطابه لهم، بأنه لا شيء مطلوب منهم، سوى تقييم الآخرين بالرضا عنهم أو السخط عليهم.
لم نسمع من ردود الأفعال والتعليقات العربية والإسلامية على خطاب الرئيس الأمريكي، سوى القلة القليلة التي أيدته بصورة عامة فيما قاله، بما يوحي ضمناً بأن هذه القلة ربما أدركت وأيقنت أنه يقع على المسلمين جزء من المسئولية في سوء العلاقة بينهم وبين الغرب، وأن عليهم القيام بمهامهم لتتكامل الأدوار، بما يُحقق مصالح الطرفين، لا بما يفرض رؤية أحدهما ومعتقداته على الآخر.
الرجل جاد في كلامه، وليس من الإنصاف خداعه:
إننا باسم الضمير الإنساني الذي يتشدق به الكثيرون، وباسم الأطفال والنساء والعجزة والضعفاء والمساكين الذين يتخذهم المجاهدون الشرفاء، دروعاً بشرية، ويُخاطبون ضمير العالم بدمائهم ودموعهم ومن فوق جثثهم، ومن بين ركام مساكنهم المُدمرة، والتي اختفت ولم تدافع عنها الصواريخ التي أُطلِقت من فوق سطوحها ومن نوافذها، لتجر عليها الدمار، ويتخذها المجاهدون مادة إعلامية وقانونية، وكأن هذا المبنى ضُرب دون غيره صدفة أو همجية!
إننا باسم كل هؤلاء، ندعو الجميع إلى ترك الدين جانباً، فهو شأن شخصي بالأساس، ولن يُعاقب الله أحداً بضعف إيمان آخر، وحيث إن فهمهم الخاطئ له قد أوصلنا إلى هذا الواقع الأليم، وإلى هذه القناعات التي لو اعتقدنا يوماً أن الدين يُبررها لأعدنا النظر في اعتناقه.
وندعوهم إلى استعمال المعايير البشرية التي يفهمها الجميع دون خلاف، من الصدق في القول، والأمانة في النقل، والواقعية، ومراعاة الضمير، واحترام الآخر.
وانطلاقاً من ذلك فإنه ينبغي على العرب والمسلمين أن يوضحوا لضيفهم ومخاطبهم ومن يُمثلهم-الرئيس أوباما -الذي يتضح من خطابه بأنه صادق وجاد في قوله ونواياه، ويمتلك المقومات الشخصية والصلاحيات القانونية لفعل ما يقول، .. أن يُفصحوا له، عن مرادهم وأهدافهم وما الذي يستطيع المحاور منهم فعله على أرض الواقع! قبل أن يتعهد ويتعهدوا بما لا يمكن تحقيقه، ويُفرغوا المفاهيم والمفاوضات من مضامينها!
علينا أن نقول للغرب ولأمريكا ممثلة بالرئيس " أوباما " إننا كعرب ومسلمين، لسنا مستعدين لدفع ضريبة أخطائنا، ولسنا مقتنعين بتأثير الزمان على المكان! فنحن الذين رفضنا القرارات الأممية التي قبلتها إسرائيل في حينها، بما فيها قرار التقسيم وقرار حق عودة اللاجئين !
نحن اليوم نرفض دفع ضريبة لاءاتنا القديمة التي نسفناها بمبادرتنا الجديدة للسلام!
نحن لا نريد أن نعترف بأن مرور الزمن وتغير الإنسان بين حقبة اللاءات العربية الإسلامية حول قيام إسرائيل، وبين مبادرة السلام العربية..، أن ذلك الزمن قد ترك أثراً وفرض واقعاً على الأرض وبلور مشهداً جديداً هو ما يراه العالم اليوم حاضراً، ومنه ظهور المستوطنات التي أضحت حجر العثرة في طريق المفاوضات!
علينا أن نقول للرئيس أوباما، بأن الاعتراف بإسرائيل ليس في أجندة الإخوة في "حركة حماس" ومن يقف خلفها، حتى لو انسحب الإسرائيليون من المستوطنات والقدس الغربية والشرقية والضفة الغربية! وأن من يتعهد لإسرائيل بالأمن من العرب والمسلمين، هو إنسان بسيط أو غافل أو مخادع، ودليل مصداقيته وجديته، يعكسه تغير الخطاب الديني المحرّض على العنف عند المسلمين!
وعلى العالم أن يُدرك بأن المسلمين بمعتقداتهم الطائفية السارية، هم ممنوعون شرعاً من أن يحملوا نظرة إنسانية تجاه اليهود؛ سواء بقوا في فلسطين أو خرجوا منها!
وعلى الرئيس " أوباما " أن يُدرك بأنه سيكسب الرهان لو تعهد للعرب والمسلمين بإخراج إسرائيل من كامل الضفة الغربية – إلى حدود 67 ، وإخلاء كل المستوطنات فيها، دون مفاوضات ..، مقابل أن يتراجع المسلمون عن التحريض ضد غير المسلمين؛ وأن يتعهدوا بالدعوة إلى التسامح مع اليهود باسم الإسلام، في خُطبهم ومساجدهم وفتاواهم!
في الختام، أرجو ألا نكون نحن البُسطاء، دُمى نؤدي أدوار الضحايا في مؤامرات بشرية عالمية بعناوين الثقافات والأديان والقوميات والأعراق!
وإذا كان الأمر كذلك- ويبدو أنه كذلك-، فإننا نتمنى ألا نفيق من غفلتنا أبداً، لأنه قد فات الأوان؛ ولأن صدمة المخدوع بالانتباه بعد فوات الأوان، هي أكبر من أن يتصورها أو يقف أمامها أو يتصرف حيالها عقل الإنسان!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|