( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال )  ...   قراءات صامتة في مشاهد ناطقة!  ...  ... إننا نَبغضُ الموتَ لا نعلم منه سوءاً نرفضه.. ونطلب حياةً ليس لها علينا فضلٌ نذكره! ... فإن كان لدى بعضنا لحب الحياة أسبابٌ، فَلَدَى جُلِّنا لطلب الموت أسباب وأسباب!  ... إنه لا يوجد معنى آخر لأن يَشْهَدَ الإنسانُ أمراً، إلا أن يراه! فإذا أجزنا للغائب أن يشهَدَ بما لم يره، وجب علينا تصديق الكفيف برؤيته لما لا يمكن أن يراه..، وكذا الإيمان بوجود ما لا وجود له!  ..  إنه لا يمكن للأعمى أن يشهدَ أمراً وإن كان له حاضرا، ولا يمكن للغائب عنه أن يشهده وإن كان مبصرا!  ...  وما شهادة الإنسان من خلال الآخرين إلا من صُنُوفِ التعصُّب والغباء والضعف والكذب!  ...  إن ما لا يُدرِك الإنسان حقيقة وُجُوبه لا يملك مبررات فعله، وما عـزَّ تبريره كان من العبث إتيانه، فإذا كان عِقاب العابثين مبرراً، فإنه ليس للعبث من الثواب نصيب وإن أصاب العابث!  ...  لا يجمع الأخلاق بالخوف والطمع جامعٌ، فإذا كان السلوك بدافع الخوف والطمع، كان خلو الأمر من الأخلاق تحصيل حاصل! ...   إذا أُزيح العقل والضمير عن معادلة الحساب العادل، بات الاعتقاد بوجوده ضرباً من ضروب الوهم والخيال القاتل! ... فالعقل مِقود الإنسان، والضمير مراقب العقل! .. رسالةُ العقلِ تحقق الحياة وفق الحقيقةِ، ووظيفة الضمير تحقيق الأمانة في الحياة!  ... عقول الآخرين لا تكون حُجَّة للعاقل ولا حُجَّة عليه، فلا يكون خضوع العاقل لعقل غيره إلا نتيجة لجهلٍ أو ضعفٍ أو تعصُّبٍ ..، وليست تلك من معالم طريق الأمانة والحقيقة!  ...  لو جاز أن تكون عقول الآخرين حُجَّة للإنسان أو عليه، لكان كل المُقلِدين الخاضعين لعقول غيرهم مهتدين – مهما تكن نتائج خضوعهم وتقليدهم، ومهما تعددت واختلفت أسبابهم..، فسلوكهم كان بهَدي الآخرين، واختلاف العقول بات حُجَّةً للتابعين،.. وليُصبِحَ حينها من العبث اعتبار العقل مناطاً لتكليف العاقل، وسبباً لحسابه!   ...  لا تكون المقارنة إلا حيث تجوز المفاضلة، ومتى جازت المفاضلة كانت كل أطرافها باطلة، فما تكون المقارنة والمفاضلة إلا في غياب الحقيقة الفاصلة، .. ومتى غابت الحقيقة الفاصلة، تساوى الفعل وعدم الفعل، وكان عدم الفعل أحق وأولى من كل فعل!  ...  لعله لا معنى لعلاج الألم إذا بقي أصل الداء قائماً، ولا معنى لفضح الوهم إذا كان مصدره في النفوس مُقـدَّساً!  ...  تساؤلات ..  هل من قبيل المصادفة أن تكون كل الأحكام المُخالفة للعقل، والهادمة للمنطق والإنسانية في تشريعات الأديان السماوية، كلها تستند إلى روايات تاريخية - لا أصل لها في كُتُبِها الأساسية! .. تلك الأحكام التي تُعاقب الإنسان على فطرته، وتُحاسبه على ضعف طبيعته، وتُجرِّمه على غريزته!  ..  وهل من قبيل المصادفة أيضاً أن تكون كلها مفصلة على مقاس الضعفاء والتُعساء، ومؤداها بث الرعب في نفوسهم وتكريس ضعفهم وتعاستهم وإنتاج المزيد منهم..،  أولُها خداع الصبيان وتلقينهم الإيمان - توريثاً وإغراءً وتهديدا! ..  ثانيها قَتلُ العاقل الحر إذا استعمل عقله ورفض الاعتقاد تقليدا! .. ثالثها حِرمان المحتاج من فسحة الخلاص الوحيدة- قرضاً يُعينه على حياته الزهيدة! ..  رابعها إغلاق كل باب أمام البائس حتى تخور قواه وعزائمه أمام غريزة ليس بخالقها ولا يصطنعها، ثم قتله رجماً - كأشنع وأبشع ما يكون القتل - وكأنه قد فعل ما ليس كل الخلائق تفعله وتفعل فوقه المزيد! .. خامسها تشكيك العاقل بعقله، كي يخشى السؤال ويقبل كل ما له يُقال دونما تفكير وتحديد!  ..  سادسها تقديس التقليد وجعل ناقليه ورواة التاريخ أسياداً معصومين، وتسفيه الحاضرين وجعلهم للسابقين تُبَّعاً وعبيدا؟  ...  كيف يُراد للإنسان أن يعتقد بأنه عاقل ومُحاسبٌ لأنه عاقل، مع الاعتقاد بأن ناراً وجَنَّةً أُعدَّت لبشر كل رسالتهم هي التشبّه بغير العاقل، وتصنّع الجهالة وافتعال التغابي وتجاهل العقل والمنطق، تمهيداً وتبريراً لانصياع وانقياد مخلوقٍ لمخلوق، وتكريساً للاعتقاد بأنهم أقل من أن يُدركوا حقيقةً سيُحاسبون وفقها، وتنظيراً بأن المفلحين هم مَنْ حَفِظوا ونقلوا عن غيرهم عن غير فهمٍ وأكثروا الترديد..، وكأن الإله سيبعث ويُعاقب ويُكافئ أدوات تسجيل، لا تملك من أمرها سوى أن تحفظ وتُردِّد ما يُلقى عليها، وتفعل ما يُطلب إليها، ولا تُدرِك معنى لما يُقال حولها، ولا تعرف سبباً لما تفعل هي ولا لما يُفعل بها..،  أليست الحقيقة هي أنه لا فضل ولا ثواب لفاعلٍ فيما فعل، إذا لم يكن يُدرك حقيقة ما فعل، وليس له إلا أن يفعل ما فعل! .. أليس مَـنْ اعتَقَدَ بأنه أقل من أن يُدرك حقيقة رسالته، يكون قد اعتَقَدَ بأنه ليس أهلاً لأدائها، ولا معنى لتكليفه بها، وفي ذلك طعنٌ صريح في حِكمة من أعـدَّه لها! ..  إنَّ مَـنْ أفتى بجواز التقليد وقُدسية الإتِّباع - بحُجَّة فارق المعرفة، فقد أفتى صراحة بشرعية كل سلوكٍ ينجم عن التقليد وفارق المعرفة!  ... ( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال ) ...     كيف نشأ الوهم في وجود العقل! وكيف يعيش الجهل في جـوار العلم؟  ...   لا يتوهَّم الإنسان إلا ما يفتقده وما يخشاه!   ...   الإثبات هو آية العلم، والنفي هو حُجَّة الوهم!   ...  في عُرف الواهمين: كل ما لا يمكن نفيه، وجب الاعتقاد بوجوده - في الأذهان، وإن لم يكن له وجود في الزمان المكان!  ...  في حسابات العلم: ما لا سبيل لإثبات وجوده في الزمان أو المكان، فلا معنى لبقائه في الأذهان! ... بمنطق الفلسفة: كل ما لا يمكن إثباته لا يَلزم الاعتقاد بوجوده!  ...   بمنطق الفكر الحر: معادلة الحساب والعدل تستوجب الاستناد إلى البرهان والعقل، ولا معنى للمسئولية عن أمرٍ يخضع لمزاج القَدَر، وغياب الدليل حُجَّة الصادق أمام العادل!   ...   مِن البشر مَن بلغ بهم الوهم غايته، حين جعلوا من استحالة النفي سبيلاً لإثبات الوجود! فافترضوا وجوداً لكل ما لا يمكن نفيه، ثم ألزموا أنفسهم بما ترتب على افتراضاتهم، فأصبحوا كائنات قوامها الوهم، وليس ذلك سوى سلوك الجُهلاء عند فرارهم من مواجهة حقيقةٍ طَرَقَ العقل أبوابها وأوشك العلم على بلوغ أعتابها!   ... إنه إذا آمن البعض بأن وجوداً كان من عدم، فلا قيمة لنفيهم لرجوع ما كان إلى ما كان إلى العدم! ... عندما يُفتضح أمر الواهم، تنطق وقاحته، فيتهم الصامتين بالجهل والناطقين بسوء النية! ...  لطالما كان الشيطان رمزاً ومصدراً لكل الشرور مجهولة المصادر، لكن بات على البشر اليوم أن يبحثوا للشيطان عن تهمة جديدة، تُبقيه حياً في أذهانهم وتُبقي عَدَاءَهم له مُبرراً، فقد أصبحت كل الشرور معلومة المصادر بشرية التنفيذ والمنابر!  ...  الحياة بناء ثقيل، قائم على أكتاف المخلصين والعبيد والأغبياء والواهمين، بينما يعج جوفها بالتفاهات والتافهين، والمآسي والعابثين!   ...  التُعساء من البشر، هم أشد الكائنات الحية حرصاً على التزاوج بقصد الإنجاب، وليس ذلك أداءً لواجب، ولا حُباً منهم لأبناءٍ يجهلون صورهم وسلوكهم ومصيرهم، لكنه الوهم وخداع الذات للذات..،  إنهم كعاطل العمل يعمل متطوعاً - دون مقابل- درءاً لمسبةِ بطالةٍ يُمارسها!  ...  عبدان أحدهما أحمق والآخر جاهل، الأول يرفض أمر سيده، ثم يخضع لعقابه دون مقاومة، والثاني يُطيعُ عبداً مثله، وينتظر الجزاء من سيدٍ لا يعرفه!   ... عاقلان كلاهما أغبى من الآخر، الأول يعتقد أن وظيفة العقل لدى اللاحقين هي تقليد السابقين، والثاني يُقلِّد غيره ويعتقد أن كل المُقلِدِين عداه على باطل!   ...  ليست الحقيقة المصيرية شيئاً مفقوداً ننتظر العثور عليه، بل هي أمرٌ افتراضي عجزنا عن تصوره والاتفاق حوله! ...  إننا لا نعاني غياب الحقيقة، بقدر ما نعاني نُدرة المخلصين في بحثهم عنها، القادرين على التفريق بين البحث عن حقيقة ضائعة، والاتفاق حول حقيقة مفترضة!  ...  ...  الحرية في ثقافة العبيد، هي ما يجعل الآخرين عبيداً، لا ما يجعل الكل أحراراً! ...  ليس فعل الأصدقاء الخديعةَ، لكنَّ وجود الأصدقاء خادعٌ!



الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » فكــر وثقافة » مباشرة .. من المراهقة إلى العجـز الاختياري!

 مباشرة .. من المراهقة إلى العجـز الاختياري!  أضيف في: 27/05/2009
مباشرة .. من المراهقة إلى العجـز الاختياري!
أتشُك في رُشـدِ والديك، أم في أمانتهم وحرصهم على مصلحتك!
هل التطاول والتمـرّد هو جـزاء مَـنْ لولاهم لم تكن اليوم ولن تكون غداً شيئاً يُذكـر!
هذه ليست أسئلة يَنتظر مُطلقُها الإجابة من مُتلقيها. بل هي إجابة في صورة استنكار وتوبيخ، وتلويح بالعقاب. هي الإجابة التي يحصل عليها -غالباً- الأطفال والمراهقون وحتى البالغون، رداً على تساؤلاتهم واستفساراتهم حول غموض الأوامر الصادرة لهم أو بحقهم، ودواعيها؛ وذلك من قِبل الأهل، ووُعّـاظ ومعلمي الطوائف، الذين يعتقدون ويأمرون بما لا يفقهون، والذين يحملون من الأفكار ما لا يملكون تفسيره ولا مبرره!
هذا هو واقع الحال في المجتمعات التي يحكمها الفقه الطائفي والثقافة العشائرية، .. أي تلك المجتمعات التي لا كيان ولا مكان للفرد والفطرة فيها. فكل ما هنالك هو تلقين وتوجيه وبرمجة تحيل البشر إلى ما يُشبه الإنسان الآلي المحددة قدراته ونتائجه وتساؤلاته وإجاباته، والمحسوبة حركاته وسكناته، والمحصورة أماكن تواجده.
في هذه المجتمعات يمر الإنسان – عادةً – بثلاث مراحل من أصل خمسة -هي في مُجملها محطات الحياة الأساسية في عمر الإنسان الطبيعي.
المراحل الخمس - طبيعية - هي ..
الطفولة، المراهقة، سِـن الرُشـد ، الزواج والأُبـوّة – وهي ما أدعوها هنا بالعجز الاختياري المُبكّـر( زواج الفقراء)، ثم مرحلة العجز اللا إرادي – والتي أدعوها بمرحلة الندم وطلب الموت .!
فبينما يمر إنسان هذه المجتمعات – كغيره - بالمراحل الثلاث الأخرى، فإنه لا يجتاز مرحلة الطفولة، ولا يمـر بمرحلة الرُشـد.

كيف لإنسانٍ ألا يجتاز مرحلة الطفولة؟
معلومٌ أن مراحل عمر الإنسان هي مراحل تعليمية تسلسلية، أشبه ما تكون بالمراحل الدراسية، والتي قد يتجاوزها الإنسان دون أن يجتازها !
حيث إنه لا يكون الإنسان عملياً قد اجتاز أي مرحلة إلا بعد خوض تجاربها واستيعابها بشكل عملي وطبيعي؛ وكل مرحلة هي أساسٌ لما بعـدها !
وما يحصل مع الإنسان في تلك المجتمعات، هو أنه يقضي مرحلة طفولته تائهاً مفتقداً للإجابة الذي تقبلها وتفهمها فطرته، مرعوباً صامتاً، ومأموراً حائراً كاتماً لسؤاله، مُتلقياً ومسجلاً لكل شيء تحت عنوان الحقائق والعِظات؛ ومتابعاً لدروسٍ ودوراتٍ مُكثفة في تهويل التهديدات وتبرير المآسي والعقوبات، مع شيء من العاطفة المصحوبة بتقاليد المجتمع بما يُؤكد ضعفه وحاجته للآخرين وفضلهم عليه؛ وهي تقاليد مُعطَـرَة عادة بروائح
الكذب الأبيض الذي يُعـدُّ من ضرورات الحياة اليومية للفقراء
.. من قبيل أن يقول الأب لابنه: إذا سأل عني عمُّكَ فلان، فأنا - أنا الموجود أمامك- لست موجوداً، .. مُذكّـراً إياه بقدسية طاعة الوالدين ودواعيها.
والطفل يتصور أن طاعة الوالدين أمرٌ مٌقـدّسٌ مطلق، فقد تم تلقينه بأنهما يمتلكان صكوك الغفران. حيث لم يقل له مُعلمه أن طاعة الوالدين ليست مطلقة، أو أنه يجوز التساؤل حولها، أو أنه لا طاعة مطلقة لمخلوق.
فما يعلمه الطفل هو أن مُجـرد التساؤل حول التعليمات ذات الطابع الديني يُعـدُّ اعتراضاً عليها، وتلك معصية توجب الخسران المبين!
ولذلك لا يجرؤ، ولا يظن أنه من حقه، وربما لا يخطر بباله أن يسأل، هل أن طاعة الوالدين مشروطة، أم أنها واجبة أياً كانت نتيجتها!
ولا يجد الطفل أو المراهق عزاءه إلا في جملة كررتها والدته على مسامعه مراتٍ عِـدة، حين أحرجها بأسئلته الفطرية، فأسكتته بقولها، لا تُرهق نفسك والآخرين بالأسئلة، انتظر فإن لكل أجلٍ كتاب! واعلم أنه ليس من حق الطفل أن يسأل كل ما بدا له، وما لا تستطيع استيعابه بيسر، فذلك دليل على أن الأمر أكبر من قدراتك، ولست مُطالباً بفهمه فأنت لم تبلغ مرحلته بعـد !
ولا تدري الأم أنها بذلك قد زرعت في عقله عقدة الصمت وقناعة القصور والعجز في كل مراحل حياته، انتظاراً لمراحل لاحقة تتضح فيها الأمور دون سؤال أو بحث.

وردت أعلاه جملة ..الكذب الأبيض الذي يُعـدُّ من ضرورات الحياة اليومية للفقراء ! بينما كان الحديث عن مجتمعات يحكمها الفقه الطائفي! فما العلاقة ؟
العـلاقة وطيدة – مع الأسف – بين الإنسان وحياة الفقر في هذه المجتمعات؛ ولست وحدي من يقول، بل إن الواقع وكل المنصفين يقولون.
وليس ذلك تزويراً أو تهجماً أو طعناً في الديانات أو ربطاً لها بالفقر، ولكن هذا هو واقع الحال وحقيقة الأمر!
والخطاب الديني الطائفي لا يحضُّ الفقراء على الزواج وإنجاب أكثر عدد ممكن من الأبناء، وتطويع النفس للتعايش مع الفقر، واحتساب ذلك أجـراً.. فحسب. بل يضع أمامهم العراقيل والعقبات من أجل أن يتذوقوا مرارة الفقر بإرادتهم، ويحثهم على محاولة الاستمتاع بالعـوز.
العقبات يضعها الفقه الطائفي بغموض التشريعات وخضوعها للاجتهادات البشرية المختلفة، وجمودها عند قواعد تاريخية تجاوزها الزمن، ولم تعـد تفي بمتطلبات الحد الأدنى من حاجيات الإنسان الضرورية في عصره الذي لم يكن من اختياره.
فمثلاً ، في الديانات التي تحـرّم " الربا "، نجد أن الكتاب المقدّس الذي يقودون الناس باسمه، .. نجده يُخاطب - فقط - الغني المُـرابي ، للحـدِّ من جشعه، ومانعاً له ومُحـرِّماً عليه استغلال حاجة الفقراء ؛ ونلاحظ أنه لا يحمل أي خطاب أو تهديد للفقراء والمحتاجين في شأن الربا ؛ وهذا منطقي باعتبار أن الفقراء هم المتضررون من الربا ، ولا يتعاملون به إلا تحت وطأة حاجتهم الماسة للمال!
والمرابي شرعاً ولغةً ومنطقاً، هو الذي يُقرض الآخرين المال، ويشترط عليهم زيادة – عند إرجاعه - فوق رأس المال- القرض – وهو المستفيد منها، وتلك الزيادة هي ما يُعرف بالربا. فآخذها هو المرابي، وليس المرابي هو المضطر لدفعها!
إلا أن الواقع على النقيض من ذلك تماماً ! حيث يجد الفقراء أنفسهم محكومين برواياتٍ وفقهٍ وفتاوى واجتهادات فقهاء ، تُخالف الكتاب المقدّس، فتجعل من الفقير المُعـدمِ هو المُرابي والمعادي لله ورسوله، إذا استدان قرضاً من البنوك التي لا ملجأ له غيرها، وهو الذي لا مناص له من الاستدانة .
فيتوعده الفقهاء في كل مناسبة بسوء العاقبة، ويُحـرّمون مطعمه ومسكنه وصُحبته، ولا ينجو زوجه وذريته من جريرته !
وهذا بالطبع مُخالفٌ تماماً للفهم البديهي الطبيعي والصحيح لتشريعات ذلك الدين ! حيث إن الفقه يغض الطرف عن المُرابي، الذي هو الدولة في عصرنا، .. أي هو ولي الأمر الذي تجب طاعته وفق ذات الفقه وذات الفقهاء.
ولكن، وإمعاناً منهم في تحطيم المنطق - باعتباره العدو اللدود للفقه، فإن نصّاً صريحاً في كتابهم المُقـدّس المحفوظ ، يتعارض مع روايةٍ في تراثهم، فينسخون حُكم النص ويتجاوزونه، لصالح الرواية المنقولة، تحت راية إجماع الأمة - الممنوعة من استعمال العقل!
وكأن في الكتاب المقدّس ما يجيز أو يوجب تجاوز أحكامه إذا كانت لصالح الفقراء ! ويُحيل الحكم إلى الرواية كلما كان حكمها لصالح الخُلفاء والفقهاء ! .. فيما يُشبه مسرحية تاريخية أسطورية ، يتحالف فيها الفقر مع رجال الدين والحُكام ، ضد عموم الناس، من أجل إحكام السيطرة عليهم وإدامة فقرهم لتسهيل قيادتهم وإبهارهم بكل غريب!
في تلك المسرحية لا يُوفر الحاكم القابض على مقاليد الثروة، أي تسهيلاتٍ مادية للفقراء إلا بفائدة – ربا - ؛ بينما يتكفل الفقهاء بإصدار الفتاوى الحارقة التي تأمر الفقراء بطاعة ولي الأمر في كل ما يصدر عنه من أمرٍ، إلا ما كان في مصلحتهم وكانوا هم في حاجة له؛ فهنا أمر فيه قولان : فالحاكم قد أدى واجبه ولا شيء عليه، وبقي واجب الفقراء المتمثل في مدح الحاكم على فضله، وشكر الفقيه على فتواه، وإقناع النفس والأبناء بجمال مساكن الفقراء ولذة عيشهم؛ والقناعة بأن كرامة الآدمي المذكورة في الكتاب المقـدّس قد تعني حياة الذل والعـوز، فلغتنا عظيمة بقواميسها ومفكريها، ويمكن أن تُعطي للكلمة نقيض مدلولها!
تجدر الإشارة هنا إلى أن الربا الذي كان على عصر نزول التشريعات والأحكام، لم يعد موجوداً في هذه البلاد. فليست القروض الإسكانية ربا بمعنى من المعاني ؛ كما أنه يستحيل - في أي زمن - وجود من يُقرض غيره – بربا أو بدونه - قرضاً تتجاوز مدة سداده بالسنوات عُمْـرَ المُقتَـرِض ..!!
عـودة إلى مرحلة الطفولة المفقودة ..
تُحسب على الإنسان في تلك المجتمعات مرحلة الطفولة، وهو الذي قضاها مُجـرّدة من براءتها وإمكاناتها وحقها في تعلّم الصدق وطرح السؤال والحصول على إجابة كريمة. طفولة وممنوعة من تعلّم الاستقلال وحق الاختيار، ومحرومة من العبث البريء واللعب واللهو العابر الذي تتطلبه المرحلة!
وهذه المفقودات في مُجملها هي التي تشكل الأرضية والخريطة والبوصلة لسلوك وشخصية الإنسان، وتحدد انطلاقته ووجهته وسرعته في المراحل اللاحقة

كيف لإنسانٍ ألا يمر بمرحلة سِـن الـرُشـد؟
معلومٌ أن مرحلة المراهقة هي مرحلة طبيعية يُحاول الإنسان خلالها التخلص من قيوده، والثورة على قصوره وضعفه إبّان مرحلة الطفـولة.
ومرحلة البلوغ هي مرحلة تمـرّد العقل على هفوات مرحلة المراهقة، تمهيداً لانطلاق مرحلة الرُشـد.
ومرحلة الرُشد أو النضوج العقلي، هي المرحلة التي تعقب سن المراهقة وتسبق مرحلة الزواج.
وهي المرحلة التي يبدأ عندها عقل الإنسان في اعتماد مراجعه ومعاييره الذاتية في اتخاذ القرار، وإنتاج الأفكار، وتقييم المحيط !
وعندها يبدأ كيان الإنسان بالتشكّل، حيث ينتبه لصوت عقله، فيتبنى أفكاره ويُجسد رؤاه ويطبقها على نفسه، ثم يحاول تسويقها للمجتمع!
وتتميز هذه المرحلة عن كل مراحل العمر بالحيوية والحرية. حيث إن الإنسان خلالها يكون قادراً على رفض الوصاية الفكرية، وخالياً من المسئوليات والارتباطات، قادراً على الحركة وخوض التجارب المختلفة!
وهي المرحلة التي يخشاها ويُحاربها المتسلّطون من أولياء الأمر .. سواء كانوا خُلفاء سياسيين أو فقهاء دينيين أو آباء قبليين !
وفي هذه المجتمعات تتضافـر جهود المتسلطين للحد من حرية ونشاط الإنسان منذ بداية مرحلة الـرُشـد، لعدم إعطائه الفرصة للاطلاع على غير ما أرادوا له أن يرى، كي لا يُفكّـر في التملّص والتمـرّد على العادات المقـدّسة التي تفتقد الحُجّـة لبقائها!
وجرت العادة أن تقوم الأسرة، ورجال الدين بالدور الأبرز والأعظم والأخطر في هذه المهمة البشرية أو المأساة الإنسانية ! بحكم خصوصية العلاقة الأسرية بالمعني؛ وبحكم الوصاية الفكرية شبه المطلقة للناطقين باسم الدين على المجتمع !
حيث يتولى الفقهاء مهمة الإفتاء والحث على وجوب وأهمية التعتيم الفكري والثقافي على الشباب، تحت عنوان أن ما بين أيديهم من فقه هو الحق المطلق، وليس بعد الحق إلا الضلال ! مما يعني صراحة، تجريم وتحريم الاطلاع على أفكار وثقافات المجتمعات الأخرى، واعتبارها ضالة مُضللة! .. وكأنهم لم ينتموا إلى هذه الطائفة أو تلك بمحض الصدفة والتلقين القسري منذ الطفولة؛ وكأنه قد أُتيح لهم المجال للاختيار بين الطوائف والأديان؛ وكأنهم قد أعلنوا إيمانهم عن قناعة وفي سن الرُشـد!
وبهذا المعنى، فإن الإنسان في هذه المرحلة المليئة بالحيوية والنشاط، سيُحكم عليه بالسجن الفكري والذهني، ليمضيها دوراناً في ذات الدائرة، واجتراراً لذات المفاهيم والثوابت دون مقارنة.
ويأتي دور الأسرة موازياً ومستنداً ومسانداً لفتاوى الفقهاء، ومحققاً لمصلحة القبيلة. فهدف الفقه ألا يظهر في المجتمع متسائلون؛ ومصلحة القبيلة تستوجب زيادة أعداد الأتباع الصامتين..، فالكل يهتم للكم، والكل يخشى الكيف !
وغني عن القول أن مرحلة سِـن الرُشـد هي مرحلة تكوين أو ترسيخ الصداقات وغربلتها، ومرحلة تحديد ضوابط التواصل الاجتماعي، وبناء القناعات الإنسانية وتحديد المنطلقات الفكرية ...الخ .
وبهذا المعنى فإن قرارات الإنسان في هذه المرحلة مصيرية بالنسبة له، فإذا لم تكن صادرة عن قناعة ونابعة من وعيه بأولوياته وإمكاناته وما يدور حوله، فإن نتائجها في الأغلب ستكون كارثية، وفي أحسن الأحوال هي عشوائية لا محسوبة!
الأسرة الدينية القبلية.. وجريمة العجـز الاختياري بحق أبنائها .!
الأسرة في هذه المجتمعات تمتثل امتثالاً تاماً لأوامر القبيلة ووصاية رجال الدين، وتُقـدّم أبناءها قرابين لإرضائهم!
حيث تقوم الأسرة بنقلة نوعية يُمكن تسميتها أو وصفها "بمقلوب الطفرة الطبيعية"، فتلبي الأسرة مطالب الطرفين في خطوة واحدة، وذلك بنقل أبنائها مباشرة من مرحلة المراهقة إلى مرحلة العجـز الاختياري المُبكّـر، متجاوزة بهم مرحلة سِـن الرشد العقلي، وحارمةً إياهم من الفرصة الوحيدة في حياة الإنسان المؤهل خلالها للتحصيل العلمي والإنتاج الفكري، وتحديد السبيل، وبناء الشخصية.
الثقافة السائدة بين الأسر القبلية الدينية، هي أن الزواج نصف الدين. حيث يعتقدون بأن النصف الأول من الدين يكتمل بنهاية سن المراهقة، وبالزواج يكتمل دين الإنسان ! ..هذا ما هو سائدٌ في المجتمعات العربية والإسلامية ..، المجتمع الليبي مثلاً.
وبهذا الواقع يكون دين الإنسان قد اكتمل في نظر المجتمع دون أن يكون له رأي في أيٍّ من مراحله. حيث إنه آمن وتزوج قبل أن يعقل، وقبل أن يمتلك القدرة على اتخاذ القرار، ودون حرية اختيار!

كيف ولماذا إيمان الأطفال وزواج المراهقين الفقراء ؟
- إيمان الأطفال ..،
الفقه الطائفي يُغرس في نفوس الأطفال ويُفرض عليهم منذ نعومة أظفارهم، اعتقاداً من الأهل والفقهاء بأنه لا سبيل للسيطرة – الإيجابية - عليهم وتوجيه سلوكهم الاتجاه الصحيح إلا بمرجعية واحدة هي مرجعيّة فقه الطائفة.
بينما الواقع والمنطق يقولان غير ذلك تماماً. فالمرجعية الطبيعية للبشر الطبيعيين هي الفطرة المشتركة أو بديهيات العقل. فبمجرد أن يتعلم الإنسان الطبيعي اللغة، ويُدرك الفرق بين مدلول كلمة كذب وصدق، وأمانة وخيانة، ...الخ، فإنه الإنسان الطبيعي سيُفضّل ويختار الصدق والأمانة، دون الحاجة لمعرفة الثواب والعقاب والجنة والنار. وبذلك تبدأ أرضيته وقواعده الإنسانية تتشكل، ليكون مُهيأً لاختيار الدين الصحيح!
كذلك فإن إيمان الأطفال لا يُعـدُّ إيماناً، وهو لن يُحسب للأطفال، وسيُحسب على الأهل، إذ أنه وراثة عائلية ثقافية أكثر منه إيمان.
فلكي يكون إيمان الإنسان صحيحاً ينبغي أن يكون له الخيار في أن يؤمن أو لا يؤمن، وذلك لا يكون قبل سن البلوغ والرُشد، ودن حرية الاختيار.
وينبغي أن يجتاز الإنسان مرحلة الطفولة حراً على سليقته، فيبلغ مرحلة الاختيار دون تلقين، ودون حثٍّ على كراهية الآخرين من الطوائف والأديان الأخرى، ودن ترهيب بعذاب النار!
أما أن يُفرض على الإنسان فقه طائفة بعينها، كخيار وحيد منذ طفولته، ثم يُحسب عليه ذلك إيمان، وأنه قد آمن بمحض إرادته، ولم يعد من حقه التراجع أو الاختيار..، فإن ذلك جهلٌ اجتماعي ما بعده جهل، وظلمٌ طائفي ما بعده ظلم، يدفع ضريبتهما الإنسان والدين معاً

- زواج المراهقين الفقراء، ونشوء المجتمعات الفقيرة ..،
معلومٌ أن الزواج والإنجاب هما من حقوق الإنسان وليس من واجباته! فليس الزواج فريضة شرعية، وليس الإنجاب من أركان الإيمان..، في كل ديانات المؤمنين.
فهما مما يقع ضمن دائرة المزايا والخيارات المباح للإنسان دخولها - ليس إلا.
ولا يُعـدُّ الزواج ميزة، ولا يكون الإنجاب نعمة، ما لم يتم بناءهما على أرضية مناسبة، ومقرونين بمتطلباتهما المادية والمعرفية!
فالزواج هو رغبة بشرية تأتي تلبية لنداء غريزة الشهوة الجنسية بالأساس.
وكذلك الإنجاب، فهو قرار بشري محض، لا علاقة له بالدين والإيمان وعبادة الله.
والخشية من وقوع المؤمن في فاحشة الزنا هو العذر الذي يسوقه رجال الدين عند حثهم على التبكير بالزواج، ويتجاهلون طبعاً أنهم ينطلقون من معتقد خاطئ بالأساس، وهو أنهم يتحدثون عن مؤمن آمن قبل أن يُدرك معنى الإيمان، وقبل أن تكون أعماله محسوبة عليه شرعاً وقانوناً. وبالتالي فهم قد انطلقوا في فتاواهم من افتراض هم من افترضه، وألزموا به الناس!
فهم يفترضون أو يفرضون على الإنسان أن يكون مؤمناً – دون اختيار - وقبل أن يُدرك معنى الإيمان واستحقاقاته– أي منذ طفولته ومراهقته..، ثم يُشرعون له على أساس أنه مؤمن بالغ عاقل مُدرك مُحاسب.. وتلك مغالطة كبيرة ومتعمّـدة!
كذلك يتجاهلون أن المقصود بالزنا شرعاً، هو المباشرة الجنسية العلنية بين الرجل والمرأة، والتي يمكن أن يُشاهدها أربعة شهود بكل وضوح..، وهو الأمر الذي لا يمكن حدوثه في المجتمع البشري الطبيعي! وهو ذاته الأمر الذي لو فعله حتى الأزواج الشرعيون فإنه سيُعد زنا، وسيُعاقبون عليه عرفاً وشرعاً وقانونا.
أما الأسرة فإنها تُعجَـل بزواج أبنائها لتحميلهم المسئولية اجتماعياً، والتخلّص من أعبائهم المادية..، بغض النظر عن استعدادهم وأهليتهم وإمكاناتهم وقدراتهم المادية والعقلية! وهذا هروب من المسئولية .. من قِبل أسرهم.

هل مخالفة المنطق وغض الطرف عن الواقع، من مقاصد الشريعة !
استفحل الخلاف بين الاجتهاد والمنطق، أو بين الفقه والعقل، حتى أضحت مخالفة المنطق من معالم كل فقه، ومن شروط قبول الاجتهاد والفتوى؛ وكأن تهميش دور العقل وتعطيل الفكـر هي مقاصـد الشريعة!
ويعود الخلاف بجذوره وأسبابه إلى اختلاف اللغة والنهج بينهما.
ففي حين أن الموضوعية هي فطرة العقل، والمنطق هو لغته التي يُجيدها؛ والواقعية وإثبات الحقيقة بالحُجّـة والبرهان.. هو نهجه الذي يسلكه!
فإننا بالمقابل، نجد أن للفقه لغاتٍ متعددة لا مرادفات لمفرداتها في قاموس العقل، وتتمثّل في وفرة وتنوع واختلاف الروايات التاريخية، وصناعة أبطال في الماضي وتمجيدهم وإخفاء عيوبهم، والحط من قدر الحاضرين بالمقارنة. والاجتهادات الفردية المزاجية، والأساطير والأحداث الخرافية - الماضية والمستقبلية عن الصبر والإيمان، والمعجزات والكرامات الخارقة للناموس..، بصورة لا يقبلها العقل، ولا ينفيها الخيال اللا محدود.
في حين أن مجرد الإيمان بوجود الله، وقدرته المطلقة، ينبغي أن يُزيل هالة الرهبة والتعجّب عن أي معجزة، فلا يوجد سببٌ لذكرها؛ حيث إنه لا يلتقي تعجّب وذهول الإنسان مع إيمانه بقدرة الله المطلقة. كما أنه لا يوجد سببٌ لذكرها أو الاستدلال بها ضد غير المؤمن بالله. فهو لم يؤمن بالله فكيف سيتأثر بمعجزاته التي لم يرها!
وكل ما يصنعه مثل هذا الفقه هو استغلاله من قِبل الحذاق للضحك على البُسطاء، وخلق فجوات إيمانية ومناطق خرافيّة في المجتمع المؤمن! فنهج الفقه يقتصر على الوعود والوعيد وتبرير المآسي وتحبيبها لنفس الإنسان في سبيل تحقيق أهداف غير مُـدرَكَة..، وهذا ما يرفضه العقل السليم!

كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
انـقـر هـنـا لمـراسلـة أبو بكر سليمان أبو بكر أنقر هنا للإنتقال إلى موقع أبو بكر سليمان أبو بكر إضافـة لـلمـفـضلـة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات الـمقـال : ارسل المقال لصديق ارسل المقال لصديق  طباعة المقال طباعة المقال  حفظ المقال كملف Word حفظ المقال كملف Word  حفظ المقال كملف PDF حفظ المقال كملف PDF

التعليقات
لا تـوجـد تـعليـقات على هـذا الـمقـال