فُرس اليوم هم أتراك الأمس .. والعرب رعايا المسلمين!
أهـم عناصر المقالة:
- لماذا تراجعت تركيا ! ولماذا تنطلق إيران، ولماذا يسمح العـرب ويتفرجون على مصيرهم، وهو يُصنع في مطابخ الآخرين؟
- حَصَلَ بالفعل في الماضي، ولكن هل يجوز، وهل يمكن أن يتكرر ؟ ذلك أن يدفع مسلمون لمسلمين الجزية عن يدٍ وهُـم مسلمون ( صاغرون أو مكرمون)!
- في الفقه الإسلامي، أفراد المجتمع الإسلامي الضعفاء، هم رعيّة، تحت رعاية ووصاية الأقوياء ! وبنفس المنطق، تكون الدول هي أفـراد المجتمع الدولي، فهل يقبل العرب والمسلمون تطبيق تشريعاتهم ومبادئهم عليهم كـدول!
- هل بإمكان فقهاء الطائفة السنيّة الإفتاء بجواز استخدام العقل!
- هل أمام العرب خيارات لامتلاك أوراق ضغط على المسرح الدولي !
أعتقد أن أقل الناس مقدرة على قراءة الأحداث وربطهـا وتحليلها، وبأقل قـدر من المتابعة، لا يحتاج سوى أن يكون مُنصفاً متحرراً من سجون أيديولوجيات التوجيه الفكري- لاسيما الديني منه، لكي يرى الخطوط العريضة المُلـونة، والمعالم التي تتشكل علناً. ولكي يخـرج بالانطباع الصارخ الذي يفرض نفسه على كل من ألقى نظـرة سريعة على واقع العـرب وحاضر إيران وماضِ تركيا.
فالفكـر السائد في إيـران اليـوم، بمنطلقاته وطموحاته وضحيته، يُحاكي الفكـر الذي ساد في أوساط الأتراك العثمانيين حين كان يحكمهم الفكـر الديني، حيث بدأ نفوذهم على العرب بمساعدات إدارية تنظيمية فقيادية فوصاية فكـرية ! متغلغلين في الخلافات والدويلات العربية الإسلامية، حتى أغراهم الضعف العربي، وهاجس الإمبراطورية العثمانية، بالسيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية المباشرة على المنطقة العربية، تحت شعـار الخـلافة الإسلامية، والتي كان كل خلفائها وسلاطينها وقياداتها من الأتراك، .. استناداً ربما إلى المبدأ العِرقي القبلي والطائفي الإسلامي العربي ، الذي يجعل من خلافة وقيادة المسلمين حقاً شرعياً سماوياً لقبيلة قريش، أو لآل البيت! وذلك في تكريس صريح للعنصرية، وضربٍ سافرٍ لمبدأ الناس سواسية أمام الله، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ... الخ.
وبهذا المعنى أضحى غير الأتراك من المسلمين لا يصلحون سوى لأداء دور الرعية الذين يضربهم العوز، والتخلّف العلمي، ويدفعون للأتراك الجزية عن يدٍ وهم صاغرون .. رغم عروبتهم وإسلامهم وإيمانهم !
السؤال : لماذا تراجعت تركيا ! ولماذا تنطلق إيران، ولماذا يتفرج العـرب على مصيرهم، وهو يُصنع في مطابخ الآخرين؟
أما لماذا تراجعت تركيا عن أفكار الأمبراطورية، فمن الصعب على الكثير من المسلمين قبول الجـواب، رغم أنه واقع مُعاش ..؛ وذلك بسبب العـداء المُقـدّس المغروس في النفوس، وغير المبرر وغير الشرعي وغير المعقول، وغير المفهومة جذوره ودوافعه وأهدافه ..، لكل ما هو غير إسلامي!
وكذلك بسبب الإيمان بضرورة التستّر غير المبرر - أيضاً، على كل ما هو إسلامي الطابع أو اللغة ..، رغم وضوح الانحراف والخلل فيه، وكارثية النتائج!
فالواقع هو أنه كما كان الفضل للغرب المسيحي في تحرر العرب من الهيمنة التركية - ولو عن غير اتفاق، سوى تلاقي المصالح - فقد كان الفضل للعلمانية والتحرر الفكري المصاحب لها، في تراجع الأطماع التركية!
وكما كان وَهْـمُ وهوس ونزعة الوصاية الدينية المُقـدّسة، سبباً وحُجّة ومبرراً للسيطرة التركية على العرب – باعتبارهم رعيّة – على أساس أن الرعيّة هي التسمية الشرعية للضعفاء والمغلوبين على أمرهم من المسلمين– حسب الفقه الإسلامي! كذلك هو ذات السبب والدافع للهيمنة الإيرانية الشيعية على رعايا المسلمين - العرب!
مع فارقٍ بسيطٍ، حيث إن الهيمنة التركية كانت إسلامية عامة بمنطق الخلافة؛ ولكن في ظل - وبفضل- ظهور مفهوم الدولة الحديثة، فقد انحسر مفهوم الإمبراطوريات القومية!
أما وهمُ السيطرة باسم مفهوم الطائفية، فلا يزال فاعلاً في البيئة العربية والإسلامية، حتى في ظل نظام الدولة! وهذا ما تعتمده وتنتهجه الطائفة الشيعية فيما يُعرف بالدولة الإيرانية ..، حيث إن مفهوم الدولة لا يتفق مع كونها دينية!
فإذا أجاز الفقه الإسلامي، تسمية الأفراد في المجتمعات الإسلامية – داخل بلدانهم - ومعاملتهم بمبدأ القوي والضعيف، والمالك والمملوك، والراعي والرعيّة! فإنه من الطبيعي أن تكون الدول الضعيفة رعايا للدول القوية الراعية، .. فالدول هي أفراد المجتمع الدولي!
وانطلاقاً – كذلك - من مبدأ إسلامي، الأقربون – الضعفاء - أولى بالمعروف، فإن الأقربون الأقوياء أولى بالسيطرة !
كيف يمكن للعرب السُنّة، المشاركة في صُنع مصيرهم، في شبه انعدام القدرة على إعداده كاملاً بأنفسهم!
الإجابة على هذا السؤال، تنسحب على المسلمين عامة في مقابل غير المسلمين، كما تنسحب على الطوائف الإسلامية فيما بينها!
فما يُزعج ويُربك ويُخيف العرب والمسلمون عامة، هو عدم اطمئنان الراعي على الرعيّة، وخشيته عليهم من الذئاب الفكـرية!
والراعي مُحقٌّ في تخوفه، في ظل تعطيله لوسيلة المقاومة الطبيعية – والوحيدة - التي تملكها الرعيّة!
فكل ما يحتاجه العرب والمسلمون لكي يطمئنوا على رعيتهم، هو السماح للرعية باستعمال المناعة الطبيعية لديهم – أو لديها!
وهذا الأمر لا يحتاج سوى إلى فتوى فقهيّة، لا تأمر، ولكن فقط تُجيز للمسلم استعمال عقله!
وأعتقد أن ما يحول دون صدور هذه الفتوى، هو سيطرة فكر وصاية الإنسان على الإنسان باسم الدين، وهي الوصاية المُقدّسة واللا مشروعة، والتي ترتب عليها خوف الفقهاء من تحرر الرعيّـة، وانطلاق التساؤلات المنطقية الطبيعية في المجتمعات العربية والإسلامية، تلك التساؤلات التي يبدو أن الفقهاء لا يملكون إجاباتها، ولا يريدون سماعها، رغم اعترافهم بموضوعية التساؤلات، وتظاهرهم بامتلاك الإجابات.
فأمام فقهاء الطائفة السنيّة خياران: فتح جبهة داخلية هم جنودُ أحد أطرافها ؛ أو جبهة خارجية هم منظرو أحد أطرافها..، والخيار الثاني هو الخيار المستعمل في كل الطوائف الدينية- لاسيما الإسلامية !
الخيار الأول..
- السماح للإنسان لديهم باستعمال عقله لمقاومة الفكر الطائفي ! حيث إنهم يعلمون أن الطائفة السنيّة هي الأقرب إلى الصواب ! وأن باقِ الطوائف لا تصمد بأفكارها وفقهها أمام العقل المتحرر. وفي هذه الحالة عليهم المواجهة الفكرية السلمية على الجبهة الداخلية المترتبة على استعمال العقل، والمتمثلة في الحراك الفكري الطبيعي، والتساؤلات التي لا يُحيطون بإجاباتها، ولا يُريدون الاعتراف بأن الضوابط الوضعية البشرية – المسماة شرعية - والتي بُني عليها الفقه، لا يمكن معها الوصول إلى إجابات يطلبها العقل ويقبلها المنطق والواقع والعصر.
الخيار الثاني:
- تعطيل العقل، واستعمال صاحبه كأداة بأيديالفقهاء يحاربون بها الأعداء المفترضين للطائفة – باعتبار أن الطائفة تُمثّل الإسلام الحقيقي والحق المطلق! وحيث إن الإنسان بمجرد تعطيل عقله يسهل تحويله إلى قنبلة موقوتة، أو حزام ناسف، يتم تفجيره في أعداء الطائفة، حتى لو كان 90% من ضحايا التفجير هم من أبناء الطائفة ذاتها. فالفقه واسع ولا يعدم التفسير، ففي هذه الحالة يكون القاتل والمقتول شهداء، ولا بأس بقتل الأبرياء والمسالمين وإثارة الهلع والرعب في قلوب الأطفال والعجزة والنساء والمسنين! فطالما أننا خسرنا المعركة في ميادينها بسبب تعطيل العقل، فإن الفقه أرحب مما نتصور، فهو يُجيز للمسلمين تحطيم المبادئ والأخلاق التي ينشرون الإسلام باسمها أو من أجلها. ويكفي أن تسمع إنساناً محسوباً على العقلاء، يقول بملء فيه، إن الشيخ فلان حلل كذا فصار حلالاً، وإن الشيخ فلان حـرّم كذا فصار حراماً .. لكي تُدرك مدى وعمق المأساة التي بلغها المسلمون على طريق تعطيل العقل ! فليس الله من حلل وحرّم، وإنما فلان شيخ البشر يُحلل ويُحرّم نيابة عن رب البشر!
هل أمام العـرب خيارات لامتلاك أوراق ضغط عربية على المسرح الدولي؟
حيث إن التحضّر، وإثبات حسن النوايا والثقة المتبادلة، هي أمور لا تزال مرفوضة لدى الثقافة الإقليمية والفكر الديني المسيطران في المنطقة العربية والإسلامية!
وحلم الوحدة قد صار في عداد المفقودين. والأفكار التي ليست لها أرضية للتطبيق قد أضاعت الوقت وباعدت بين الرؤى.
وأسطورة العمق العربي الطبيعي والبديهي قد تم اختراقها! وقدرة كل دولة على حماية إنجازاتها بمفردها هي مكابرات غير عمليّة في عصر التكتلات والتحالفات الكبرى !
والبديل المعمول به لدى جُل الدول العربية هو اعتمادها على تضارب مصالح الآخرين، وذلك منذ أن تحرروا من السيطرة العثمانية التركية، وهو الأمر الذي يوجب التبعية للأجنبي بشكل أو بآخر، كما أنه لا ضمان لاستمراره وبقائه في صالح العرب!
لهذه الأسباب وغيرها، ربما يكون الخيار العربي البدائي - العشائري - هو الأنسب للحالة العربية المستعصية على كل الخيارات العصرية ..،
حيث إن العرب كانوا قبائل متجاورة متنافسة - متحاربة أو متحالفة؛ واليوم أصبحوا دولاً مُستقلة..، فالبديل أو الخيار المناسب لهم هو التحالف، وتقسيم الحقائب بين الأقطار العربية- كل حسب إمكاناته وتوجهاته وخبراته..! كأن تُسلّم الحقيبة الدينية للملكة السعودية؛ والحقيبة السياسية والعسكرية لجمهورية مصر.. مع دعمها بلا حدود ولا قيود، وتكليفها ببناء ورقة ضغط عربية في المحافل والساحات الدولية !
فمصر العربية العلمانية الحرة القوية، هي دولة تمتلك كل المقومات الحضارية والفكرية والعلمية لتكون القاطرة التي تقود القطار العربي، بأمان لعبور هذه الغابة من البوابات والسكك الملغمة!
... كتبها .. أبو بكـر سليمان أبو بكـر ..
|