فكـر الديانات وثقافة الخرافات ..
كان فكر المنطق يُعدُّ في عصور الخـرافة ضرباً من الجنون، واليوم أضحت ثقافة الخـرافة في عصر العلم سـذاجة لا خلاف عليها!
وإذا وجـدنا المُبرر لإنسان الماضي، بأن لا يتصور ما في الحاضر، ولا يتبنى فكر المنطق في حياته البدائية العشوائية!
فإنه من باب أولى أن نعيب على إنسان العلم والمنطق والحقيقة والاتصالات، تمسّكه بثقافة الخرافات !
ولعل مثل هذه الملابسات المتداخلة بين سيطرة الخرافة وأولوية المنطق ، أن تكون من المُعضلات التي واجهت الرُسُل وأعاقت بعض الرسالات وأجهضت بعضها الآخـر!
حيث إن الدين عبارة عن فكـرٍ منطقي ، ظهر في عصر تحكمه ثقافة الخرافة !
ولذلك – ربما - لم يكن أمام القائمين على الديانات بُـدّاً من الاستعانة بلغة عصرهم - الخرافة - في خطابهم الإصلاحي ومعالجتهم التدريجية لمجتمعاتها ! على أن يتخلص منها الإنسان تلقائياً عندما ينضج فكره وتلوح له أُفق المنطق والحقيقة لاحقاً ! .. تماماً كما يُساير الأب الواعي ابنه، في تساؤلاته وحماقاته وجرأته، التي يُدرك الأب أن ابنه سيسخر من سؤاله عنها - بنفسه - بمجرد بلوغه سن الرُشـد، وسيُدرك صبر أبيه ويُقدّر جهده وحُلمه معه ؛ .. وإن كان الأب قد عاقبه أو هدده بالعقاب مراراً على أمورٍ أضحت مباحة له ومن مسئولياته فيما بعد !
وبالنظر إلى الفارق الدلالي بين مفهومي " إثبات الحقائق " و " تحقيق الأهداف " !
حيث إن المنطق هو الآلية في حال مفهوم " إثبات الحقائق " ، بينما تكون النتائج حتمية منطقية وفق هذا المفهوم ! إذ لا يجوز المساس بالحقيقة للحصول على نتائج بعينها ، لأن ذلك يُفقد الحقيقة أصالتها فتصبح مُزيفة ، ويتشوه بذلك المفهوم ! ومعلومٌ أن عملية إثبات الحقائق لا تجري إلا بين متفقين في منطلقاتها !
في حين أن مفهوم " تحقيق الأهداف " يولي اهتمامه للنتائج ، وليس المنطق شرطاً في آليته ! ولا يُشترط اتفاق أطرافه في منطلقاتهم !
بالنظر إلى هذا الفارق المفاهيمي ، وقراءة الديانات من هذه الزاوية ، فإننا سنرى وبكل جلاء أن مهمة الرُسُل ورسالة الديانات هي تحقيق أهداف لا إثبات حقائق !
ولذلك فإن القائمين على الديانات - اليوم وقبل اليوم ، بمن فيهم الرُسُل – لا يترددون في تحطيم المنطق الذي يفهمه العقل وتتطلبه الفطرة البسيطة في خطابهم - الذي لا يمكن توجيهه لغير العقل والفطرة .. من حيث هما أساس التعقّل والفهم والتقييم والاختيار!
وحيث إن إقناع العقل بتجاهل المنطق ، وقبول ما يُخالف الفطرة ، هو من المستحيلات البديهية في الظروف الطبيعية !
لذلك فقد كان تشريع العقوبات الرادعة والتلويح بالعنف هي إحدى السُبُل لضمان صوت العقل أو صمته ، ولتعطيل عمل الفطرة .. مرحلياً كما أعتقد ! وذلك من أجل تحقيق أهدافٍ يراها القائمون على الأديان نبيلة وضرورية ، بينما يرفضها العقل المُخيّـر، بسبب مخالفتها لمحتواه المنطقي !
ويستخدم القائمون على الأديان - عند مخاطبتهم للعقل بما يُخالف المنطق - ، مفاهيم ليست مُعـرّفة في قاموس العقل .. من قبيل الحكمة المطلقة ، ونواميس العالم الآخـر !
وبذلك كان التناقض سيد الموقف في الخطاب الديني ! ففي حين تتفق كل الديانات على أنه لا معنى للخطاب الديني بغير العقل ! كما تلتزم كل الديانات – نظرياً – بتلبية حاجة الإنسان للسلام والحق والعدل وحرية الفكر والمعتقد ، وهي مطالب الفطرة !
إلا أن الخلاف يبرز عند الانتقال إلى ساحة الحياة العملية ! حيث تعهد الدين – نظرياً - بتوفير الحُجّة التي يطلبها العقل ، بينما – عملياً - اشترط الدين على العقل قبول الحُجّة سَلَفَاً ! باعتبار أن حُجّة الدين أكبر من أن يستوعبها العقل - ابتداءً، وبذلك رأى الدين أن العقل أقل من أن يُقيّم حُجّته ليقبلها أو يرفضها ! وهذا ما يرفضه العقل الطبيعي لدى الإنسان المُخيّـر ! ومن هنا نشأ الخلاف بين العقل والدين .. وبذلك سيستمر ما لم يُعطَ العقل مكانته بعد نضوجه!
وبالنظر إلى البون الشاسع بين الحقائق العملية المُثبتة وبين المعتقدات الخرافية الأسطورية ..، فإن الإنسان المتحضّر المُطلع عندما يحاول انتشال أخيه المتخلف من براثن الأساطير والخرافة والهمجية ..، فإنه يتعمد تجاوز المنطق - ابتداءً، وإخفاء بعض المعلومات المؤكدة ، والتحدث بلغة الخرافة - كلما استدعى الأمر– مرحلياً واضطرارياً – لأن هدفه تحقيق نتيجة وليس إثبات حقيقة ! فالحقيقة مُثبتة لديه ، ومهمته الآنية هي تحقيق هدف ، وفق تلك الحقيقة !
لعل النص القرآن التالي ، يستعمل أسلوب إخفاء المعلومة لصعوبة تصديقها :
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 .
في هذا النص يؤكد القرآن تكريم الله لبني آدم ، ويضرب أمثلة منها حملهم في البر والبحر .. !
ولكننا اليوم نعلم أن حمل الإنسان جـواً هو تكريمٌ يفوق التكريم بحمله براً وبحراً ( خاصة الفيرست والبزنس كلاسس ، والطائرات الرئاسية والخاصة ) ! وهي المعلومة التي لم يتطرق لها القرآن !
وهنا قد يقول الذين لا يؤمنون بأن القرآن من عند الله ، إن هذا دليل على أن القرآن من تأليف البشر ! فحيث إن محمد (ص) ، لا يعلم بأن الإنسان سيُحمل في الجو ! وأنه لا يعلم إلا ما كان يراه ، من أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي سُخِرت المخلوقات الأخرى لحمله ، ولم يُسخّـر هو لحملها ؛ وأنه لا يُحمل إلا في البر والبحر ! لذلك اعتبر محمد (ص)، أن ذلك قمة التكريم !
بينما قد يقول المسلمون، إن الحديث عن طيران الإنسان في ذلك الزمن يُعـد ضرباً من الجنون ! ولذلك أخفى الله هذه المعلومة المؤكدة، لأن المرحلة تطلبت إخفاءها .. مُسايرةً لعقل الإنسان ومحدودية علمه آنذاك!
ولكن إذا كان هذا هو تفسير المسلمين للأمر، فإن ذلك يضع المؤمنين من كل الديانات أمام تساؤلٍ بديهي !
وهو، إذا كانت الديانات تعتمد مبدأ إخفاء المعلومة رضوخاً للثقافة السائدة ، فما المانع أن تستعمل الخرافة لذات السبب، ولتحقيق أهدافها !
وإذا كان من الطبيعي والمشروع لإنسان عصر الخرافات، أن لا يتصور علوم عصرنا ولا يُصدّقها ..، فإنه من بابٍ أولى أن يتخلص إنسان اليوم من خرافات الأمس !
وما أكثر الخرافات في عصر العلم والمنطق ! ولعل أهمها وأكثرها وضوحاً وخطورة وغرابة ..، هي أن تكون الصدفة وحدها – ولا شيء غير الصدفة – هي التي تجعل من المسلم مسلماً ، وتجعل منه سنياً أو شيعياً أو غيرها ؛ والصدفة هي التي تجعل من المسيحي مسيحياً ، وتجعل منه أرثوذوكسياً أو كاثوليكياً أو غيرها !
والصدفة هي التي تجعل من الإنسان يهودياً أو بوذياً ، أو ...الخ !
وتتضح الخرافة في أن أتباع كل دين ، وأتباع كل طائفة داخل ذات الدين ..، كلهم يعلمون أن إيمانهم كان بمحض الصدفة ، إذ لو وُلِد الشيعي لأبوين سنيين في مجتمع سني .. لكان سنياً ، وما كان ليكون شيعياً ! وكذلك السني ، والمسيحي واليهودي والهندوسي ...الخ !
ورغم هذا الدور الأساسي الرئيسي للصدفة، في تحديد الدين والطائفة، إلا أن أتباع كل طائفة وكل دين ، يغضون الطرف عن الصدفة وعدم اختيارهم ، ويعتبرون أنفسهم الفرقة الناجية الموعودة بالجَنَّـة وحور العين ! ويعتبرون غيرهم على ضلال ومصيرهم جهنم وبئس المصير !!!
والحقيقة أنه لا فضل للإنسان ولا جُـرم له ، فمن وجد نفسه في مجتمعٍ التزم بديانته وطائفته ومذهبه ، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا شواذ القاعدة كما هو الحال مع كل قاعدة !
وجُل الذين شـذّوا عن هذه القاعدة دفعوا الثمن من كرامتهم واستقرارهم ؛ ومنهم من كلفته حرية الاعتقاد حياته !
فهل بإمكان القائمين على الطوائف والديانات الإقرار باحتمالية أن تكون الديانات قد استعانت بشيءٍ من الخرافات لتحقيق أهدافها النبيلة .. إذا ثبتَ لهم ذلك !
وأن يُوصوا بأنه على الإنسان أن يتجاوز تلك الخرافات متى تجاوزها الزمن وانتفت الحاجة لها !
حيث يكون الإنسان قد بلغ مرحلة تبين فيها الرُشدُ من الغي ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر !
وهل من الحكمة أو من البصيرة أن يتجاهل العاقل عقله إذا تعارض الخطاب الديني مع العقل ؛ .. حتى أن بعضهم يتناصحون باتهام العقل ، فيقول أحدهم للآخر : اتهم عقلك ، إذا توقف عند أمرٍ من أمور فقه الطائفة وتساءل حوله أو اعترض عليه !
فهل يمتلك الإنسان آلية أخرى غير العقل ، يمكن أن يستقل بها عنه، فيقيّم بواسطتها عقله ويتهمه أو يُبرئه !
والإنسان الذي يحمل مثل هذا المعتقد ، هل يجوز أن يؤتمن على شيء ، وهو الذي لا يثق بعقله !
ومن هو الأعمى المقصود في هذا النص القرآني يا ترى :
{وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً }الإسراء72 .
فهل يكون الأعمى هو الذي يُفكر بعقله ويرى ببصيرته ! ويكون البصير هو الذي يتهم عقله ويثق بسمعه !
كتبها .. أبو بكـر سليمان أبو بكـر .
|