الحياة نعمة نشكرها أم عقوبة نقضيها!
محطات فكرية ..
- الموت حسب الأعراف البشرية والأديان السماوية، هو عقوبة دنيوية، يُنفذها الإنسان على غيره، ولا يحق له تطبيقها على نفسه!
- على عكس النظافة - ولو في حدها الأدنى، فإن الأخلاق والنظام ليست أهدافاً لذاتها، بل هي وسائل بشرية لِسد ثغرة أساسية في حياتهم، .. تلك هي ثغرة الحاجة للحياة الجَمَاعية. فالإنسان كائن اجتماعي بالضرورة لا بالطبيعة كما يدّعي البعض.
وحياة الجَمَاعة ليست شأناً بشرياً، بل هي شأن حياتي حيواني عام تمارسه كل المخلوقات الحية .. من الفيروسات والبكتيريا والطحالب إلى النمل والنحل إلى الفيل والجمل !
- لو كان للإنسان أن يعيش منفرداً، لما كان للأخلاق والقانون والنظام من موضعٍ في حياته.
- الأخلاق ليست من فطرة البشر أساساً؛ فجل البشر ميّالون بطبيعتهم للسيطرة وحب التملّك وإشباع الشهوات والعبث والفوضى - بما يُخالف مبادئ الأخلاق! ولذلك فإن مفهوم المنطق الذي هو السبيل لبلوغ مجتمع الأخلاق، ربما ليست له أرضية في النفس البشرية، وقد لا يكون موضع اتفاق، وهو لن يكون بمأمن عن العبث المتعمد والاختلاف الجاهل حوله .. مهما اقترب المجتمع البشري منه ..، الحديث هنا عن الواقع العام لا عن شواذ القاعدة!
- أساليب وحُجج ووسائل وسُبُل الفقهاء في كل الأديان والأزمان، هي ذاتها، مُصاغة بما يوجب عدم التفكير ويؤمِّن عدم الفهم ويكفل عدم السؤال!
كينونة الإنسان .. وجهات نظر !
قال علماء، إن إدراك الذات، أو ما يُعرف بـ"الوعي بالذات" هو ما يُميّز الإنسان عن سواه من المخلوقات؛ ومن ذلك قالوا إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يُدرك بأنه مقبلٌ على الموت، فكان بذلك الخلود هو حُلمه الأزلي، والفزع والهروب من الموت هو شأنه الأبدي!
وتعليقاً على حلم الخلود وفزع الموت، نقول.. ربما لذات السبب كان الضعفاء والفقراء هم أول المتفائلين والمؤمنين بالرُسُل، حيث وجدوا فيما يقوله الرُسُل عزاءً لأنفسهم واستجابةً لحيرتهم، فكان دافعهم الأول للإيمان هو الأمل بالتعويض عن تعاستهم اليوم، بالنعيم والخلود في اليوم الآخر!
بينما غاب ذلك الدافع في حال المترفين، فلم يُصدّقوا بالبعث والخلود ونعيم الآخرة، إذ إنهم كانوا مُنعّمين لا ينقصهم سوى الخلود، فجاء الرُسُل بتعاليم تمنعهم من الاستمتاع بملذات النعيم الذي بين أيديهم. فلم يكن من السهل على الأغنياء والأقوياء استيعاب الأمر وتصديق البعث والخلود، حيث تساءلوا: ما علاقة الإيمان بمنعهم من الاستمتاع بملذات يمتلكونها اليوم، إذا كانت هذه الملذات ستكون متاحة لهم غداً مُضافاً إليها الخلود..، فكان سؤالهم، لماذا لا نؤمن ونستمتع اليوم وغداً! وشككوا بذلك في مصداقية البعث والخلود!
أما بشأن الوعي بالذات، فنلاحظ أن اعتقاد الإنسان بأنه الكائن الوحيد المتميّز بالوعي بالذات، المُدرك لحقيقة الموت، ليس بالضرورة أن يكون اعتقاداً صائباً، فهو لا يُمثّل حقيقة مُطلقة، إذ إن هنالك من الحقائق ما يقابل هذا الاعتقاد، وقد يدحضه..، منها أن الإنسان لا يُجيد إلا لغة جنسه، فهو عاجز عن التواصل – لغوياً ومعرفياً - مع غيره من الكائنات الحيّة التي يعتقد بأنه يعلوها مقاماً.
فكيف له أن يجزم بتفرده بالوعي بالذات؛ وهو لم يتواصل مع غيره من المخلوقات ليُدرك ما لديها من معرفة ووعي! لاسيما وأن الإنسان لا يُنكر بأن بعض الحشرات والكائنات الحقيرة - من وجهة نظره- قد سبقته - وربما لا تزال تفوقه - قدرةً من حيث التنبؤ بتغيرات المناخ، ومواعيد تعاقب فصول السنة، والإحساس بالخطر ومعرفة مصادره، ...الخ!
كذلك قالوا، إن الإنسان هو ومضةُ الحياةِ وقلبُها النابض!
ولكننا نستطيع أن نلاحظ أنه مهما اقتربت هذه النظرية من المنطق والواقع، إلا أنها لا تخلو من عيب جوهري قد يطال فكرتها الأساسية؛ فهي لا تعدو أن تكون نظرية أنانية صادرة عن كائن يمتدح ذاته؛ مختزلاً معنى الحياة في تلبية حاجياته البشرية، ومعتبراً اكتشافاته بمثابة إبداعٍ وتجسيد لتخيلاته- من جهة؛ وجاعلاً من السيطرة معنىً سامياً للحياة، ومُصوِّراً نفسه ككيانٍ مستقلٍ عن الحياة ومُتحكماً فيها – من جهة أخرى..؛ وهو في كل ذلك يتجاهل حقائق يعيشها ويعيها جيداً، تدحض سموّه وكرامته وسيطرته المزعومة..، منها أنه جزءٌ من الحياة، خاضعٌ لقوانينها، ليس له كيان مستقل عنها؛ وأيضاً نلاحظ أن الإنسان هو أكثر وأشد المخلوقات في الحياة تعباً وألماً وحرماناً وتعاسةً وإحباطاً ورداءة عيش وشعوراً بالمهانة والجبن والعجز، وهو الكائن الوحيد المتصف بالنفاق والكذب، والهارب من مواجهة الحياة عبر الانتحار...الخ.
فالمستمتعون بالحياة، المدركون لجمالها، المسيطرون على مقاليد الأمور فيها من البشر، إنما هم قِلة يُعدّون على أصابع اليدين في مجتمعاتٍ بشرية تتألف من آلاف البشر المُنهكين، القاصرين عن بلوغ درجة الكفاف غذائياً، والمفتقدين للكرامة والأمن والأمان في حدودها الدنيا.!
فهل الواعي أو المُدرك أو العاقل أو الومضة أو النبضة أو الطليعة .. هل هذه هي الصفات المناسبة التي يستحقها من قسّم أساسيات وملذات الحياة بين بني جنسه بهذه النسبة المجحفة، وذلك التمييز المهين، ورسم خطوط حياته بهذه الصورة المأسوية، التي هي أبعد ما يكون عن منطق الأخلاق والعقل والعدل التي يُفاخر بها الواعي بذاته!!
على كل حال، إنه حتى لو أصرَّ الإنسان على اعتقاده أو تفاخره بأنه الوحيد الواعي بذاته أو المدرك لمحيطه ولحقيقة الموت، فإن ذلك ينبغي استحضاره وفحصه على مائدة واقع الإنسان وسلوكه وطموحاته، ومقارنة النتائج بالاستقرار العملي الذي تنعم به بقية المخلوقات، ويفتقده الإنسان، .. على افتراض أنها لا تُدرك حقيقة الموت كما يُدركها الإنسان!
قد يتبين من ذلك أن إدراك حقيقة الموت هو رسالة العقل ووظيفته المُعطّلة لدى الإنسان؛ فربما كان المُنتظر أو المطلوب منه أن يبني سلوكه وحياته على أساسها! وهذا ما لم يحصل؛ فالواقع العملي يؤكد أن الإنسان يرفض أن يضع حقيقة الموت المؤكد كعنصرٍ ثابت في معادلة حياته الاجتماعية وسلوكياته الفردية؛ الأمر الذي أفرغ وعيه بذاته وإدراكه للموت من كل معنى!
بشأن الحياة، وما إن كانت نعمة أم عقوبة، نلاحظ أن بعض الناس نصّبوا أنفسهم كناطقين باسم الوصي المطلق الذي لا يخطئ ولا يُسأل، فتخصصوا في ممارسة الوصاية الفكرية على غيرهم باسم الإله؛ وهؤلاء يحثون الناس عادةً على ضرورة الاعتقاد بأن الحياة هي أكبر نعمة أنعم الله بها على الإنسان، وأن القول بغير ذلك يُعدُّ جحوداً بالنعمة يُغضب الله!
وهم بذلك يُناقضون اعتقاداتهم في مواضع أخرى، فهم يتجاهلون إيمانهم بأن الله إنما ينظر إلى الجواهر لا إلى الظواهر. حيث لا معنى ولا قداسة ولا أجر ولا قيمة لقول الإنسان أو اعتقاده بأن الحياة نعمة من الله واجبة الشكر .. إذا تم ذلك تحت الترهيب والوعيد، وطالما أنه لم يعش ذلك المعنى شعوراً تلقائياً، ولم يجده نسقاً عفوياً في سياق فطرته التي لا تخطئ القياس..، حيث إن واقع الحال أن العاقل يجد حياته عقوبة يقضيها لا نعمة يشكرها؛ ولو كانت نعمة لكان قد خُيّر فيها وتساوى في نعيمها وجحيمها!
إنسانِ المستقبل..
كثيرون هم أولئك المُنظّرون باسم الأجيال القادمة، ومستقبل الأحياء! والحقيقة أنه لا وجود لإنسان المستقبل بين أحياء اللحظة! بل هو دخولٌ متعمدٌ من باب الجهل أو التجهيل، ذلك أن يستند إنسانُ اللحظةِ إلى رغباته وقدراته ورؤاه، ليتكهن لغيره، فيُقرر مُسبقاً ما ينبغي أن تكون عليه حياة إنسان المستقبل !
فإذا كان لإنسان اليوم فضلاً في إرساء قواعد ينطلق منها إنسان الغد، فإنه بالمقابل يحمل وزراً بممارسة الوصاية على غائبٍ دون إذنه! حيث لم يترك له حرية اختيار نقطة ووجهة انطلاقته في زمنه وظروفه القادمة معه!
إنّ كل ما هو موجود ومعلوم اليوم لا يخلو من إصابةٍ بتحفظٍ أو اختلافٍ أو استفهامٍ، فلا شيء مكتمل ولا شيء حاز على اتفاق الجميع، وتلك حقيقة يُدركها إنسان اليوم، لكنه يتجاهلها متعمداً، حين يجزم بقطعيّة الحُكم ونهائية التفكير في هذا الشأن أو ذاك، مما يُربك فطرة إنسان الغد، ويجعل من بدايته نسخة من إنسان اليوم، فيتأخر بذلك ويتشوه الجانب الجمالي من الفاصل الطبيعي بين الأجيال!
مفاتن الحياة ..
حُلمٌ .. وجودٌ .. رغبة.. ثلاثةُ مفاتن يصعب مقاومة إغرائها، تُزيّن جسداً عارٍ عن الحقيقة..، لعلها تُبرّر للعاقل صحبته للحياة وتحديقه بها!
- حُلمٌ أزلي يُداعب مُخيلته، يُمنّيه ببلوغ آفاقِ معرفةٍ، تفك شفرة الكائن الذكي .. فتكشف أسرار رسالته ومسئوليته وحقيقة قيمته في الوجود..، فهو العبد الذي لا فضل لطاعته كما لا ضرر من معصيته على ملكوت سيده!
- وجودُ الأحِبَّةِ الصالحين الأوفياء في حياة الإنسان؛ فَهُـم مُرتكز توازنه، ومنتدى تساؤلاته وشجونه، ومعرض عواطفه وأفكاره، ومحط رحاله وخزانة أسراره وخيمة عزائه!
- رغبةٌ حاضرةٌ مُعلنةٌ، يُغذيها ميولٌ باطني فطري لاكتشاف جذور الإنسان، وماذا بعد الوجود العابر ..؛
- أكان وجوده تطوراً طبيعياُ، تأسس على نتيجةً عملية، أوجدتها طفرة عشوائية حققت احتمالاً كان من الممكن ألا يتحقق، ضمن سلسلة من التطورات مجهولة الهوية والكيفية والمادة والبداية والهدف والنهاية .. كما يعتقد بعض البشر ..؛
أو كان لوجوده غاية، فهو كينونة مادية انبثقت عن حالة عدمية، بفعل إرادة خارجية فوقية ما ورائية .. كما يعتقد الكثيرون ..،
- إلى أن بلغ صيرورته الآنية الناقصة، التي قوامها السؤال والعجز والخيال؛ في صراعه مع الآجال، محاولاً التوفيق بين المرغوب والمحظور، والممكن واللا مقبول، واللا مَنَاص واللا معقول، والمباح واللا متاح ..؛
صيرورته التي واقعها لحظاتُ سعادةٍ عابرةٍ لا تكتمل مشاهدها المعروضة على خشبةِ دهـرٍ تأسس على النقص .. شهوته ممزوجة بذنبٍ ومتبوعة بندم، ونعيمه آيل إلى سَقم، وأفكاره طليقةٌ بين جدران الحيرة والألم، وآماله عريضة تبدأ بمجهولٍ وباليأس تُخْتتم ..،
- وينتهي وجود الإنسان بوصوله المُحَقَق إلى نقطة البداية .. فذهابٌ إلى مجهولٍ أو عودة إلى عدم .! فحياةُ العاقلِ مُدانةٌ، وموته مُتهم..، إذ أنه سِوى شبقه للمعرفةِ، وأمله ببلوغها، ووجود الأَحِبَّةِ الصادقين في حياته، ليس له ما يُبرر انتظاره لقدوم أجله بدل استباقه!
مؤمنون بالوراثة..
المؤمنون – أتباع الأديان- اليوم، هم مؤمنون بالوراثة. فلا أحد منهم يمتلك حُجّة لإقناع غيره بحيثيات إيمانه، ولا أحد يحمل دليلاً على حقيقة معرفته بأسس علاقة المخلوق بالخالق!
يلجأ الفقهاء إلى التحذير من استعمال العقل أو طلب الدليل من أجل الإيمان. فيطلبون من العاقل الإيمان دون تعقّل، ويُشيدون بإيمان كل من اتّبعهم دون تساؤل!
الفقهاء في كل دين وكل طائفة يستعملون ذات السلاح، ويسلكون ذات السبيل وذات النهج في مخاطبة الآخرين ومواجهة العقل!
فأدلّتهم وحججهم ووسائلهم مُصاغة بما يوجب عدم التفكير ويؤمِّن عدم الفهم ويكفل عدم السؤال.. ممثلة في :
- تعجيز المُخَاطَبِ بمعجزاتٍ حدثت في ماضٍ سحيق. معتمدين على جهل الإنسان بحقيقة أن الماضي كما المستقبل، كلاهما غيبٌ له إنسانه وزمانه وبيئته ومتطلباته ومقتضياته.!
فما علاقة إنسان اليوم بمعجزات الأمس ..، والتي هي حُجّة على إنسانها الذي طلبها فاستُجيب طلبه؛ والذي عاصرها وتحقق منها. ولا سبيل لها لأن تكون حُجّة على من وصلته في صورة رواياتٍ بشريةٍ متضاربة، إنْ آمن بإحداها عُـدَّ كافراً بأختها..،
فلو كان الإخبار عن المعجزة يُغني عن مشاهدتها لأخبر الرُسُلُ أقوامهم بإمكانية حدوثها بدل إحداثها عملياً، ولعّدّ ذلك حُجّة كافية لمن أراد الهُدى وإتّباع الرُسُل!
- القدرات العقلية المعرفية الخارقة الخالدة التي اختص الله بها بعضاً من خلقه السابقين، بما يوجب إتّباعهم دون فهم أو دون قناعة بنتائج اجتهاداتهم واستنتاجاتهم، والذين انسحبت قداستهم على كل من نقل عنهم أو نسب لهم رواية أو رأياً، حتى أضحت كُتبهم تعادل كُتب الله، وبات التسليم بصحة آرائهم من شروط الإيمان حسب اعتقاد المقلدين ..
وهو الأمر الذي لا يمتلك مؤهلاً يجعله موضوع نقاشٍ عقلي أو بحث جدّي، فهو يفتقد المشروعية وأبسط مقومات الموضوعية..؛
- إخفاء الخالق لأسرار حكمته من وراء كل الأمور موضع التساؤل في طقوسهم واعتقاداتهم..، في حين يدّعون اكتشافهم لحكمته في أمورٍ أخرى لم يُفصح الله عن حكمته فيها..؛
- الأهوال التي تنتظر من لا يتّبعهم، والنعيم الذي سيغرق فيه من اتّبعهم دون تساؤل!
- يقيسون الخالق بمقاييس خلقه، فيُصورونه نصيراً لبعضهم وخصماً لبعضهم الآخر؛ ويتجلى الجهل جليّاً لكلِ ذي عقل حينما يزعم المهزوم بأنه ينصر الله، وبأن الله معه!
متجاهلين بأن الله أكبر من أن تُغضبه أفعالهم أو تُرضيه .. لذاته، وبأن أمره كن فيكون.
كتبها ... أبو بكر سليمان أبو بكر
|