الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » تراث عام وخواطر خاصة » عِشْـقُ السـؤال .. خاطـرة !
| أضيف في: 24/01/2009 | |||
|---|---|---|---|
| ُ عِشْــقُ السـؤالِ .. خاطـرة ! لم أعرف للحب الصـادق سبيلاً .. ولم أر للصدق المطلق خليلاً .. منذ زمـنٍ فصل جيلاً عن جيل .. بداية ذلك الزمن ليست موضوعي – ولا أذكـر يوم نهايته، ولم أسعـد يوماً برحيله .. كل ما أذكـره عن ذاك الـزمـان أنه مـرّ يوماً من هنـا، وأنه ظل لبعض الوقت موجوداً، وأني كنتُ يومها في عِداد أحيائه ولم أكـن في عداد الحاضرين . وكان أفـول نجـم ذاك الزمان السعيد، ونهايته المجهولة المعلومة .. إيذاناً ببدء زمانٍ آخرٍ مجهول النهاية هو الآخر .. هو زمني الحاضر الذي أحاول أن أكون حاضراً فيه - مُخالفاً بذلك بعض شروط وآليات الحضور ! كلفني زماني الحاضر الظالم بمهام دونما تأهيل ولا تمويل .. فوجدتُ اسمي مُـدرجاً على قوائم الضعفاء المسئولين، والطلقاء المكبلين؛ والعقلاء المجانين؛ والفقراء المتصدقين، وأولياء الأمر المُطيعين، والأحرار المستعبدين، والمثقفين العاطلين عن الثقافة، والأدباء المنحدرين من جذور الفكر المُحارَب المنبوذ .. وكـردة فعل من جهتي - لم أستشر فيها أحداً - سمحت لنفسي بعشق السؤال حتى أضحى السؤال جزءاً من كياني . فاعتدت مشاكسة سؤالي لي طيلة صحبتنا الطويلة - التي لا يصح الآن أن أَهَـبَـها كيل مديحي، ولا يليق بي ذمها قبل أن أرى ما يكون بعدها، .. من أمـر الجواب الذي أبحث عنه وأخشى لقاءه، أو رحلة اليأس السرمدية التي لا مجال للجواب بعدها ولا للسـؤال . ورغم أني لم أعد مطمئناً لخبث سؤالي، واستغلاله لحبي له، وتطاوله على مبادئ وقواعد أفكاري، واقترابه أحياناً من خدش كبريائي ؛ .. لكن عزائي ومبعث صبري يكمن في اعتقادي بأني أمتلك جوابه، وأُتقنه نغماً وحبراً، أدباً وفكراً وأسباباً، .. بما يكفيه تلميحاً، وإن شئت تجريحاً وكشفاًً وتشريحاً وردماً له في نفسي؛ ويكفي جوابي حُجّـةً حتى لمن أراد من المكابرين عنادي .. ؛ وما يؤخرني عن صفع سؤالي بجوابه سوى انتظاري لاكتمال نصاب أنصاري وشهود العدل وإذن الزمان وبلوغ محطة في الدهر أوكل القـادر اختيارها للأقـدار . ورغم طاقتي على الصبر وطول الانتظار، .. إلا أن ظنوناً أضحت تطرق مسامعي، يتقطع ولا ينقطع أزيزها؛ وأمست أجراس هواتف الشكوكِ تـُفسد عليّ متعتي بمشاهد رحلتي الحـزينة الصامتة..، فأتوهّـم أن صبري قد يكون هو الفرصة القاتلة التي يحتاجها قاتلي .. فقد يُفلح مع الأيام سؤالي في تعرية كلماتي من حُجّـتها التي تزينها – ذلك إذا أطلت مكوثي حيث أنا الآن - في إحدى مكتبات منطق الجنون وفكر العبث .. حيث أدرس وأبحث عن سـر تلذذ العاجزين بعجزهم، وسر بقائي بينهم واستمراري معهم، مع عدم معرفتي بما يُخفيه غـدي؛ حتى بتُّ أخشى أن تعثر عليّ الإجابة أثناء بحثي المزمن المزعوم عنها .. انتابني مرة - هي وحيدة ليس قبلها ولا بعدها - شعور بالأسى والشفقة على روح سؤالي، وكأنها توشك أن تُزهق بأمرٍ مني، .. كما لو أني كنتُ أُدرك أن الجواب الشامل قادم لا ريب – يحمل حكماً نافذاً بإعدام الأسئلة جميعها .. فليس بعد وصول الجواب من سؤال .. فصدّقت الأمر للحظاتٍ - بحثت خلالها عن سؤالٍ أنيس لسؤالي – لعلي أحتفظ بهما بعيداً عن مقصلة الجواب المـدمر، .. خشية أن يمتلئ الكون يوماً أجوبة تبحث عن سؤالٍ .. حين وحيث لا سؤال ! ورغم إيماني بوضوح رسالتي، واعتقادي بقـدرتي على إيصالها قولاً وفعلاً لكل من ألقى جسداً يحوي سمعاً و شيئاً من البال وقدراً يسيراً من الإبصارِ .. إلا أني بِتُ أشعر بقصورٍ لدي في الأداء .. دلل عليه وأكده لي، وجود أبرياء وبسطاء ومغفلين وحمقى في حياتي! في قائمة علاقاتي وصداقاتي التي وجدتها أمامي وتلك التي بنيتها قبل أن أُدرك معايير الصـديق ..! أولئك الذين يعرضون علي نصحهم والإرشاد، ويستعرضون أمامي صنوف عبقرياتهم التي تصول وتجول في مناسبات لعب الورق وغيبة الغافلين .. بينما يظهر بوضوح تامٍ وبالألوان من خلالهم كم هو غائر جرحنا، وكم هي صادقة صريحة مأساتنا، وكم هو خافت صوتنا قياساً إلى عمقها وحجمها وألمها، وكم هي قاصرة وقذرة أحياناً وبعيدة دائماً عن حقيقة الآخـر .. عين الأنا فينا. بذلك ظل سؤالي القديم قادراً على البقاء وحيداً - رافضاً الزواج من الأجوبة من مختلف الأعمار - التي ما فتئت تخطب ودّه ، .. سؤالي الذي يسرح ويمرح كطفل برئ شقي– أطربُ أنا برؤية سعادته، بينما يعبث هو بزينة خيالي – لا مبالياً بمشاعري .. حتى صار أملي أن أحصل على جواب له لا عليه، فيُبقي على حياته ويصون كبريائي، .. بأن يكشف بعضاً من غموضه لا كله، ويحـدَّ قليلاً من حِـدة خواطري من صوبه - ولا يوقف مدّها .! فلا تزورني إلا بموعدٍ أتهيأ فيه لاستقبالها - ما دمت عاجزاً عن بلوغ إجابة تـُضيء ظلماءه وتملأ تجاويفه فينهار أمامها صمود حيرتي في أمـره .. ومن بعـده! كنت قد استهزأت بأمره بادئ الأمـر، وكان ذلك مني طيشاً وجهالةَ معشر الغُشُـمِ .. ؛ أما اليوم فقد أعدتُ قراءة الجُـمَلِ أحـرفاً لا كلماتٍ، فأدركت كم كنتُ غِـرّاً حين ظننت أن صحبة السؤال تبقى أقل من أن تشغل حيزاً من الفكـر أو تزعج راحة البال .. وأن سؤالاً، أنا من أذن بطرحه، يظل سهلاً، لا يحتاج جوابه الوصول إلى الحِمى البعيد الكبير، حيث مراتع الأفكار ومشارب الخيال ! وكم كنت أسيراً لهوى الشباب ربما، وربما لأوهامٍ يربطني بها عَـقـْدٌ طوال حياتي، لم أُستَشَرْ في زواجي بها، وعصمة الفـراق كُتِبّتْ لها ! كنت كذلك حين كنت أنتظر - دون جهدٍ - انجلاء ضباب الأمر أمام ثقتي المفرطة العمياء بصحة تنبؤاتي .. ؛ لم أكن أُقيم للزمن وزناً وقتها - لاعتقادي أنها مسألة قادم اللحظات لا قادم الأيام ..، وتطمئن بعدها نفسي، وما ذاك سوى تأكيد لأمرٍ أراه مؤكداً! .. أما الجديد حينها فسيكون تسليم الآخرين بكل مسلماتي ..؛ قال أحدهم عني إني مجنون .. فقلت لا شك أنه جنون سؤالٍ لا جنون عقل .. وإلا .. فإني لم أقابل عاقلاً، أو أني لم أقابل أحداً فيما مضى من سني حياتي .. لا أشك الآن - أيها الأديب القارئ البليغ – في أنك قد أدركت مظلمتي لدى الزمان والأقدار والبشـر ! ولمن أراد معرفة المزيد عن صورِ سؤالي أو أراد مرافقتي .. أسوقُ بعض البوح كما أعيشه الآن واقعاً وطوال ما مضى من حياتي التي أذكـر .. أذهلتني قهقهاتهم حيث عجزت أنا عن التبسّم . فأعدت النظـر في المشهد كله، فوجدتني أمتلك للابتسامة مرفأً - يعُـجُّ بسفن الضحك إذا كان ما لديهم .. يُضحك ُ ! حاولت مراراً -عبثاً - أن أجد سبيلاً – لغةً – قاسماً مشتركاً – سرداباً – أو أي شيء -غير الجنون - يُعطي لما يدور تعريفاً – ولو مُبهماً ! لعلي في نهاية اليوم أخرج من المسرح بجملة لها معنًى قابل للنطق .. بعد أن استحال عليّ الفهم . فوجدتني أحيا بين آهاتٍ تبتسم كلما ماتت أوراق من شجرة الأخلاق، .. وآلامٍ تجهل تكابر تـتنكـر لدائها، وتصف البلسم لمن تصفهم بأعدائها، .. وعاهاتٍ تـُسدي للسلامة بنصحها وأفكارها، وتـُرشد العقل إلى طريق الجنون الآمن .. أجـد من حولي عباقرة في أوج محنتهم .. يـدّخرون حكمتهم لحين حاجتهم لها.. وجدت حولي من يكذبون على أنفسهم قبل الآخر - دون أدنى ضائقة – أثناء دعوتهم للتضحية بالأرواح من أجل صون فضيلة الصدق .. يمتدحون المنطق ويُظهرون حبه ويلعنون غيابه وعدوّه؛ .. ويبقى رأيهم في المنطق قائماً؛ وصونُ ودّه من أولوياتهم .. إلى أن يُصـدّقهـم المنطق المسكين فيتجرأ يوماً يخالف فيه واقعاً لهم - ليس فيه ذرة من منطق .. فحينئذٍ - يظهر أن في الأمر قولان - فتتوارد فتاوى دحض حجّة المنطق، .. ويتفقون حينها أن المنطق -هنا - ضربٌ من الجهلِ، فيقلبون له ظهر المجنِّ، ويُحرضون الواقع ضده ! .. فلا يذكرونه بعدها بخيرٍ إلا مكرهين، أو أن يُطابق المنطق أهواءهم صدفة، .. ويرون أن هذا الذي يفعلون هو ضربٌ من أجود أنواع المنطقِ .. وجدت بينهم ظلوماً يبغض ظلماً، ورأيتُ فيهم جهولاً يشتم الجهـل! رأيت شروط الانتحار وقد توافدت وتجمعت بينهم - فتحققت .. ولم يعد يفصلها عن النصاب ويمنعها من حفظ كرامة الإنسان لديهم - سوى تخلف ممثل الفتوى عن حضور جلسات فقه عصر العقل المنطقي . أخيراً .. لستُ متمكناً من قواعد الشعر الفصيح وأنماطه .. فعذراً – سلفاً – يا سادة الشعر .. ولكني أظنه قد حدث .. في زمن قد مضى وقد نسيته، ذلك أني سألت يوماً مخلوقاً - لا أذكر جنسه – عن أمـر كنت أجهله .. وكل ما علق في الذاكرة من أحداث ذلك اليوم هي بعض أبيات من شعر قاله لي ذلك المخلوق .. لا تسأل سواك عما أنت به أجـدرُ .. وليس صواباً كل ما يأتيك من طرف الأنا .. فإن حيّرك سؤالٌ أنت عليه أقـدرُ .. فاعلم أن في الأمـرِ أمـرٌ ليس مكشوفاً لنا.. فلا تعد لطرحه في خلواك وانتظر .. فأغلب ظني أنك لن تكون بعد اليوم ها هنا .. لكل أناً في الحياة يا صديقي آخـرُ .. ويحصل أن يكون آخـَرُ المرءِ بعضاً من الأنا .. مع تحياتي .. أبو بكر سليمان أبو بكر. |
|||
|
|
|
|
|
|
خيارات الـمقـال : |
|||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|

