( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال )  ...   قراءات صامتة في مشاهد ناطقة!  ...  ... إننا نَبغضُ الموتَ لا نعلم منه سوءاً نرفضه.. ونطلب حياةً ليس لها علينا فضلٌ نذكره! ... فإن كان لدى بعضنا لحب الحياة أسبابٌ، فَلَدَى جُلِّنا لطلب الموت أسباب وأسباب!  ... إنه لا يوجد معنى آخر لأن يَشْهَدَ الإنسانُ أمراً، إلا أن يراه! فإذا أجزنا للغائب أن يشهَدَ بما لم يره، وجب علينا تصديق الكفيف برؤيته لما لا يمكن أن يراه..، وكذا الإيمان بوجود ما لا وجود له!  ..  إنه لا يمكن للأعمى أن يشهدَ أمراً وإن كان له حاضرا، ولا يمكن للغائب عنه أن يشهده وإن كان مبصرا!  ...  وما شهادة الإنسان من خلال الآخرين إلا من صُنُوفِ التعصُّب والغباء والضعف والكذب!  ...  إن ما لا يُدرِك الإنسان حقيقة وُجُوبه لا يملك مبررات فعله، وما عـزَّ تبريره كان من العبث إتيانه، فإذا كان عِقاب العابثين مبرراً، فإنه ليس للعبث من الثواب نصيب وإن أصاب العابث!  ...  لا يجمع الأخلاق بالخوف والطمع جامعٌ، فإذا كان السلوك بدافع الخوف والطمع، كان خلو الأمر من الأخلاق تحصيل حاصل! ...   إذا أُزيح العقل والضمير عن معادلة الحساب العادل، بات الاعتقاد بوجوده ضرباً من ضروب الوهم والخيال القاتل! ... فالعقل مِقود الإنسان، والضمير مراقب العقل! .. رسالةُ العقلِ تحقق الحياة وفق الحقيقةِ، ووظيفة الضمير تحقيق الأمانة في الحياة!  ... عقول الآخرين لا تكون حُجَّة للعاقل ولا حُجَّة عليه، فلا يكون خضوع العاقل لعقل غيره إلا نتيجة لجهلٍ أو ضعفٍ أو تعصُّبٍ ..، وليست تلك من معالم طريق الأمانة والحقيقة!  ...  لو جاز أن تكون عقول الآخرين حُجَّة للإنسان أو عليه، لكان كل المُقلِدين الخاضعين لعقول غيرهم مهتدين – مهما تكن نتائج خضوعهم وتقليدهم، ومهما تعددت واختلفت أسبابهم..، فسلوكهم كان بهَدي الآخرين، واختلاف العقول بات حُجَّةً للتابعين،.. وليُصبِحَ حينها من العبث اعتبار العقل مناطاً لتكليف العاقل، وسبباً لحسابه!   ...  لا تكون المقارنة إلا حيث تجوز المفاضلة، ومتى جازت المفاضلة كانت كل أطرافها باطلة، فما تكون المقارنة والمفاضلة إلا في غياب الحقيقة الفاصلة، .. ومتى غابت الحقيقة الفاصلة، تساوى الفعل وعدم الفعل، وكان عدم الفعل أحق وأولى من كل فعل!  ...  لعله لا معنى لعلاج الألم إذا بقي أصل الداء قائماً، ولا معنى لفضح الوهم إذا كان مصدره في النفوس مُقـدَّساً!  ...  تساؤلات ..  هل من قبيل المصادفة أن تكون كل الأحكام المُخالفة للعقل، والهادمة للمنطق والإنسانية في تشريعات الأديان السماوية، كلها تستند إلى روايات تاريخية - لا أصل لها في كُتُبِها الأساسية! .. تلك الأحكام التي تُعاقب الإنسان على فطرته، وتُحاسبه على ضعف طبيعته، وتُجرِّمه على غريزته!  ..  وهل من قبيل المصادفة أيضاً أن تكون كلها مفصلة على مقاس الضعفاء والتُعساء، ومؤداها بث الرعب في نفوسهم وتكريس ضعفهم وتعاستهم وإنتاج المزيد منهم..،  أولُها خداع الصبيان وتلقينهم الإيمان - توريثاً وإغراءً وتهديدا! ..  ثانيها قَتلُ العاقل الحر إذا استعمل عقله ورفض الاعتقاد تقليدا! .. ثالثها حِرمان المحتاج من فسحة الخلاص الوحيدة- قرضاً يُعينه على حياته الزهيدة! ..  رابعها إغلاق كل باب أمام البائس حتى تخور قواه وعزائمه أمام غريزة ليس بخالقها ولا يصطنعها، ثم قتله رجماً - كأشنع وأبشع ما يكون القتل - وكأنه قد فعل ما ليس كل الخلائق تفعله وتفعل فوقه المزيد! .. خامسها تشكيك العاقل بعقله، كي يخشى السؤال ويقبل كل ما له يُقال دونما تفكير وتحديد!  ..  سادسها تقديس التقليد وجعل ناقليه ورواة التاريخ أسياداً معصومين، وتسفيه الحاضرين وجعلهم للسابقين تُبَّعاً وعبيدا؟  ...  كيف يُراد للإنسان أن يعتقد بأنه عاقل ومُحاسبٌ لأنه عاقل، مع الاعتقاد بأن ناراً وجَنَّةً أُعدَّت لبشر كل رسالتهم هي التشبّه بغير العاقل، وتصنّع الجهالة وافتعال التغابي وتجاهل العقل والمنطق، تمهيداً وتبريراً لانصياع وانقياد مخلوقٍ لمخلوق، وتكريساً للاعتقاد بأنهم أقل من أن يُدركوا حقيقةً سيُحاسبون وفقها، وتنظيراً بأن المفلحين هم مَنْ حَفِظوا ونقلوا عن غيرهم عن غير فهمٍ وأكثروا الترديد..، وكأن الإله سيبعث ويُعاقب ويُكافئ أدوات تسجيل، لا تملك من أمرها سوى أن تحفظ وتُردِّد ما يُلقى عليها، وتفعل ما يُطلب إليها، ولا تُدرِك معنى لما يُقال حولها، ولا تعرف سبباً لما تفعل هي ولا لما يُفعل بها..،  أليست الحقيقة هي أنه لا فضل ولا ثواب لفاعلٍ فيما فعل، إذا لم يكن يُدرك حقيقة ما فعل، وليس له إلا أن يفعل ما فعل! .. أليس مَـنْ اعتَقَدَ بأنه أقل من أن يُدرك حقيقة رسالته، يكون قد اعتَقَدَ بأنه ليس أهلاً لأدائها، ولا معنى لتكليفه بها، وفي ذلك طعنٌ صريح في حِكمة من أعـدَّه لها! ..  إنَّ مَـنْ أفتى بجواز التقليد وقُدسية الإتِّباع - بحُجَّة فارق المعرفة، فقد أفتى صراحة بشرعية كل سلوكٍ ينجم عن التقليد وفارق المعرفة!  ... ( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال ) ...     كيف نشأ الوهم في وجود العقل! وكيف يعيش الجهل في جـوار العلم؟  ...   لا يتوهَّم الإنسان إلا ما يفتقده وما يخشاه!   ...   الإثبات هو آية العلم، والنفي هو حُجَّة الوهم!   ...  في عُرف الواهمين: كل ما لا يمكن نفيه، وجب الاعتقاد بوجوده - في الأذهان، وإن لم يكن له وجود في الزمان المكان!  ...  في حسابات العلم: ما لا سبيل لإثبات وجوده في الزمان أو المكان، فلا معنى لبقائه في الأذهان! ... بمنطق الفلسفة: كل ما لا يمكن إثباته لا يَلزم الاعتقاد بوجوده!  ...   بمنطق الفكر الحر: معادلة الحساب والعدل تستوجب الاستناد إلى البرهان والعقل، ولا معنى للمسئولية عن أمرٍ يخضع لمزاج القَدَر، وغياب الدليل حُجَّة الصادق أمام العادل!   ...   مِن البشر مَن بلغ بهم الوهم غايته، حين جعلوا من استحالة النفي سبيلاً لإثبات الوجود! فافترضوا وجوداً لكل ما لا يمكن نفيه، ثم ألزموا أنفسهم بما ترتب على افتراضاتهم، فأصبحوا كائنات قوامها الوهم، وليس ذلك سوى سلوك الجُهلاء عند فرارهم من مواجهة حقيقةٍ طَرَقَ العقل أبوابها وأوشك العلم على بلوغ أعتابها!   ... إنه إذا آمن البعض بأن وجوداً كان من عدم، فلا قيمة لنفيهم لرجوع ما كان إلى ما كان إلى العدم! ... عندما يُفتضح أمر الواهم، تنطق وقاحته، فيتهم الصامتين بالجهل والناطقين بسوء النية! ...  لطالما كان الشيطان رمزاً ومصدراً لكل الشرور مجهولة المصادر، لكن بات على البشر اليوم أن يبحثوا للشيطان عن تهمة جديدة، تُبقيه حياً في أذهانهم وتُبقي عَدَاءَهم له مُبرراً، فقد أصبحت كل الشرور معلومة المصادر بشرية التنفيذ والمنابر!  ...  الحياة بناء ثقيل، قائم على أكتاف المخلصين والعبيد والأغبياء والواهمين، بينما يعج جوفها بالتفاهات والتافهين، والمآسي والعابثين!   ...  التُعساء من البشر، هم أشد الكائنات الحية حرصاً على التزاوج بقصد الإنجاب، وليس ذلك أداءً لواجب، ولا حُباً منهم لأبناءٍ يجهلون صورهم وسلوكهم ومصيرهم، لكنه الوهم وخداع الذات للذات..،  إنهم كعاطل العمل يعمل متطوعاً - دون مقابل- درءاً لمسبةِ بطالةٍ يُمارسها!  ...  عبدان أحدهما أحمق والآخر جاهل، الأول يرفض أمر سيده، ثم يخضع لعقابه دون مقاومة، والثاني يُطيعُ عبداً مثله، وينتظر الجزاء من سيدٍ لا يعرفه!   ... عاقلان كلاهما أغبى من الآخر، الأول يعتقد أن وظيفة العقل لدى اللاحقين هي تقليد السابقين، والثاني يُقلِّد غيره ويعتقد أن كل المُقلِدِين عداه على باطل!   ...  ليست الحقيقة المصيرية شيئاً مفقوداً ننتظر العثور عليه، بل هي أمرٌ افتراضي عجزنا عن تصوره والاتفاق حوله! ...  إننا لا نعاني غياب الحقيقة، بقدر ما نعاني نُدرة المخلصين في بحثهم عنها، القادرين على التفريق بين البحث عن حقيقة ضائعة، والاتفاق حول حقيقة مفترضة!  ...  ...  الحرية في ثقافة العبيد، هي ما يجعل الآخرين عبيداً، لا ما يجعل الكل أحراراً! ...  ليس فعل الأصدقاء الخديعةَ، لكنَّ وجود الأصدقاء خادعٌ!



الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » فكــر ودِيـن  » مَـنْ هُـم أهـلُ الذِكـرِ ، ومَـنْ الذين لا يعلمـون !

 مَـنْ هُـم أهـلُ الذِكـرِ ، ومَـنْ الذين لا يعلمـون !  أضيف في: 19/01/2009

أهـلُ الذِكـرِ ، والذين لا يعلمـون !

... فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !، هذه تتمةُ لنصٍ قرآني كريم، لا يكاد يخلو منها حوار فقهي أو فكري، .. طالما كان المتحاورون أو أحدهم، ذا ثقافة عربية أو فكـر إسلامي تقليدي!
حيث جرت العـادة بيننا أو فرضت الثقافة علينا الاستدلال بهذا النص كدليل قرآني لا يقبل الجدل!
وذلك في إشاراتٍ ثلاث ..،
الأولى: إشارة إلى المجتهدين والفقهاء والأئمة والخطباء المسلمين .. باعتبارهم أهل الذكـر، وأنه ينبغي سؤالهم وطاعتهم في أمور الدين ومعاملات البشر
، .. وكأنهم مؤيدون بعلمٍ لـدُنّي !
والثانية: إشارة إلى مفهوم "الذكـر"، باعتباره هو العلـم الذي لا يمكن بدونه فهم القرآن وتفسيره؛ وأنه علمٌ لا ينبغي لأحدٍ من الناس، إلا لأولئك الذين يمتلكون قدرات ذهنية فكرية خاصة خارقة، منحها الله لهم ويسر لهم السبيل دون سواهم!
والثالثة: إشارة إلى غالبية المسلمين باعتبارهم .. لا يعلمون ما يعلمه أهل الذكر، وأن عليهم الإتباع والطاعة لاجتهادات وفتاوى أهل الذكر .. وذلك حتى إذا أفتوا واجتهدوا بما يُخالف العقل والمنطق!

وإن الإنسان المُتدبر للقرآن، ليُصاب بالذهول والحيرة أمام هذا الاستدلال وهذا التفسير!
وذلك عندما يُدرك أنه لا وجود إطلاقاً لهذه الإشارات الثلاث
في النص القرآني - موضع الاستدلال، .. بالمعنى المستدل لأجله والشائع بين المسلمين!

فمن هم أهل الذكر، ومن هم الذين لا يعلمون، .. بحسب النص القرآني الكريم ! وليس بحسب ما هو شائع ومستعمل في الثقافة العربية، وربما كان من ثوابت الفكـر الإسلامي!
وهل من علاقة خاصة بين مفهوم "أهل الذكر"، والعلمـاء !


نتساءل ابتداءً عن أحـد أنمـاط المسلمين، في ضوء المفهوم السائد لأهل الذكـر والذين لا يعلمون !
هل هـو مِـن أهـل الذكـرِ، أم مِـن الذين لا يعلمـون !

ذلك المسلم البسيط الذي يعتقد أنه مُستقلٌ بكيانه، محاسبٌ بمفرده، مُكلفٌ بعقله لا بتبعيته وخضوعه، ومُكـرّمٌ بإنسانيته لا بعشيرته!
والذي يقرأ القرآن ويعبد الله ويتعامل مع خلق الله بسجيته وفطرته! مُعتقداً بأنه لا مكان للواسطة بين العبد وربه!


وهل هـو مِـن أهـل الذكـرِ، أم مِـن الذين لا يعلمـون !
ذلك المسلم الذي يؤمن بأن الله أكبر وأعـدل وأرحم من أن يُكلّف الإنسان بما لا يستطيع فهمه بعقله وفعله بنفسه ، .. حتى يُعطّل فكره، ويقضي حياته تائهاً بين الطوائف والمذاهب والفتاوى، فلا يدري أي الفرق ناجية وأيها حق عليه القول!


وهل هـو مِـن أهـل الذكـرِ، أم مِـن الذين لا يعلمـون !
ذلك الذي يؤمن بأن الإنسان حـرٌ ومسئولٌ عن اعتناقه لهذا الدين دون سواه، ومُحاسبٌ على إتّبـاعه لهذا المذهب أو تلك الطائفة دون غيرهما!
والذي يعتقـد بأنه مُخيّـرٌ في أن يستعمل عقله أو أن يستفتي غيره في أمور دينه، .. وهو بالنتيجة قد استعمل عقله في الحالتين، .. فكما هو مسئولٌ عن نتائج تفكيره، هو كذلك مسئولٌ عن اختياره للطائفة وللمذهب وللفقيه الذي يسأله الفتوى!
فخطأ الفقيه في الاجتهاد لا يعفي أتباعه من المسئولية والوزر ..، حيث إن الفقهاء لا يحملون آية من الله تُلـزم الناس بإتباعهم أو تُبـرّره !


وهل هـو مِـن أهـل الذكـرِ، أم مِـن الذين لا يعلمـون !
هذا المسلم الذي كل ذنبه أنه لم يقتنع بصحة كل الاجتهادات من فقهاء هذه الطائفة أو تلك؛ ولم يقبل أن يكون تابعاً أخرساً لمدرسة دينية فقهية بشرية بعينها ..،
ولا يُضمر الكراهية والبغض لإنسان بسبب معتقده، ولا لأتباع المدارس والطوائف المتعددة التي لا يرى نفسه مُلزماً بإتباع إحداها على حساب الأخرى!
بل يرى أن الخلاف بسبب الاجتهاد هو شأن الأفراد الذين اجتهدوا، ولا يُلزم غيرهم!
ويعتقد بأن البُغض والعـداء بسبب الاختلاف هو شأن مَنْ قـرر تعطيل عقله، واختار أن يكون تابعاً لما تنتجه عقول الآخرين!


مثل هذا المؤمن، إذا نطـق متسائلاً أو محاولاً فهم القرآن أو تفسيره ..، فإنه ما أن يُكمل كلماته أو سطوره حول مدلول لفظة قرآنية، أو معنى نصٍّ قرآني معين أو الحكمة منه، ..
حتى يُبادر مسلمون تقليديون – من أتباع الطوائف والمذاهب والمدارس الفقهية المختلفة- من حوله، والذين بوّأوا أنفسهم وفقهاءهم مكانة أهل الذكـر، وقـرّروا أن غيرهم لا يعلمون .. بحسب فهمهم لمدلول أهل الذكر والذين لا يعلمون..،
يُبادرون بالقول له: (
... فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)
فمن أنت حتى تُـجيز لنفسك محاولة فهم القرآن وتفسيره بنفسك! وكيف تتطاول على الإسلام، بأن تـدّعي أن لك الحق والقدرة على المحاورة والحديث حول القرآن مع مسلمين أو سواهم!
يقولون ذلك مستندين إلى هذا النص القرآني الشريف، مستدلين به في غير سياقه ..
يقولون ذلك، جازمين بأنهم يعرفون من هم أهل الذكر ومن هم الذين لا يعلمون!
وموقنين بأن كل مَـن لا يعرفونه ولا ينتمي إلى مدرستهم، .. فهو حتماً من الذين لا يعلمون!
متجاهلين أن الله سبحانه وتعالى، لم يضع شروطاً أو علاماتٍ محـددة لمن سيؤتيه الحكمة من الناس!
قال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 .


يقولون ذلك، غاضين الطرف عن قول الله تعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر17.

يقولون ذلك، متجاهلين قول الله تعالى:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }يوسف2 .
وقوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً }طه113 .
وقوله: {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }الزمر28.
متجاهلين كل ذلك، معتقدين أن فقه القرآن أو فهمه واستيعابه هو أمرٌ ليس مُيسراً سوى لقلة قليلة من المسلمين؛
وكأن القرآن لا يصح أن يكون حُجّة الله على العالمين! .. إذ، كيف يكون حجة على العالمين، إذا كان العربي المسلم لا يستطيع فهمه إلا بواسطة عقول وآراء الآخرين والسابقين!

يقولون ذلك وكأنهم يجهلون أن عدم القدرة على فهم القرآن هي عقوبة – خاصة - أنزلها الله بالذين لا يؤمنون بالآخرة ..، وليس بالعرب أو بالناس أجمعين! قال تعالى:
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 . {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً }الإسراء46 .

فإذا كان القرآن غامضاً عصياً على الفهـم حتى على العرب المسلمين ! .. فما ذنب الأعاجم من غير العرب وغير المسلمين! وما السبيل لمن أراد منهم دخول الإسلام! أي الطوائف عليه أن يتّبع، وأنّى له أن يختار الطائفة أو الفرقة الناجية، .. حيث إن كل طائفة تـجزم بصواب نهجها وفقهها وسندها، وتؤكد ضلال غيرها! وكل الطوائف تستند إلى أحاديثٍ منسوبة إلى رسول واحـدٍ !
كيف لغير العربي أن يُحـدد الطائفة الراشدة، إذا كان المنطق ليس مقياساً للحكم، والعقل ليس مرجعاً للفصل بين الصواب والخطأ عند المسلمين! وطالما أن القرآن لا يمكن فهمه وتفسيره إلا من خلال شروطٍ لا تتيسر لكل من شاء!
فهل يكون القرآن بذلك حُجّـة الله على العالمين!

إنهم كأنما يهمسون بأن نصوص القرآن ومقاصده، هي طلاسم لا يستطيع فكها إلا قلة قليلة من العرب المسلمين، الذين لا يملكون برهاناً على صحة اجتهاداتهم التي لا تخضع لمنطق العقل في فتاواها وتفسيراتها!
وكأنهم يقولون إن الله قد أمر بإتّباع القرآن وتدبّـره، ووضع شروطاً وعوائق تحول دون ذلك! مُـرددين دائماً.. (
... فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !) ..
وقبل أن نشرع في شرح وتعريف .. من هم أهل الذكر؛ ومن هم الذين لا يعلمون! حيث سيتضح أن هذا النص القرآني لا علاقة له بالعلم، ولا علاقة له بالسياق الذي اعتاد المسلمون استعماله معه !

نقول أولاً، إن هذا النص القرآني الواضح الصريح (
... فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)، وعلى افتراض صحة السياق الذي يُستعمل له، .. فإن المستدلين به يتجاهلون أمرين أساسيين بارزين في هذا النص، وهما:
(أ)- إن الخطاب ليس موجهاً لأهل الذكـر، حتى يمنعوا غيرهم من تفسير القرآن والتحاور به وحوله !
بل إن الخطاب موجه للذين لا يعلمون، .. فهم المطالبون بالبحث أو السؤال عما يجهلون!
إذاً، فالذين يعتقدون بأنهم هم أهل الذكر، ليس من حقهم أن يُقـرّروا بأن غيرهم لا يعلمون!
.. أي أن الله قد شرّع بهذا النص، أن الإنسان أدرى بنفسه وأحق وأجدر من غيره في أن يُقـرّر ما إن كان يعلم أو لا يعلم!
فهو مسئولٌ عن ادعـائه العلم، كما أنه مُطالبٌ بالسؤال عما يجهل، وهو مسئولٌ عن اختياره لمن يسأل !
فالذين لا يعلمون إذاً، هم المسئولون وهم المطالبون بالإعلان عن أنفسهم، والمطالبون بالبحث عن أهل الذكر، .. وليس العكس !
(ب)- إن الخطاب جاء بصيغة التشكيك في حقيقة أنهم لا يعلمون! .. (... إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)، أي أن الأمر ليس غامضاً وليس عسيراً عليكم حتى تجهلونه! وفي ذلك إشارة إلى أنه عليهم الإقرار أولاً وربما إثبات أنهم لا يعلمون، ثم إن لهم بعد ذلك أن يسألوا أهل الذكـر !
وفي هذا التشكيك، إشارة واضحة وقوية على أن الأمر الذي يعلمه أهل الذكـر، هو أمرٌ مُتاحٌ في متناول الجميع إذا شاءوا معرفته، وأنه ليس علماً خاصاً بأهل الذكـر، وأن الذين لا يعلمون ربما كانوا يـدّعون عدم العلم وليست حقيقة أنهم لا يعلمون، وإنما ادعوا عدم علمهم بالأمر للتشكيك في صدق الرسول !

( ... فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !) ..
أما الأمر الأهم والأخطر في شأن مفهوم أهل الذكر، والذين لا يعلمون ..، فإنه يكمن في خطأ السياق الذي يُستدل فيه بهذا النص الشريف! فهو سياق بعيد عن سياق النص القرآني!
وفي هذا الاستدلال ما يشي باستغفالٍ متعمدٍ للناس، باسم الدين ..، والعياذ بالله، .. وذلك من قبل المستدلين به؛ أو هو جهل منهم بما يقولون !
ويتضح ذلك عند قراءة النص كاملاً ..

يقـول الحق تبارك وتعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43.
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }الأنبياء7.

فلا اختلاف ولا خلاف على أن المقصود بأهل الذكر هنا هم أتباع الديانات والكتب التي سبقت الإسلام والقرآن! كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغيرهم من أتباع الديانات السماوية والرُسل السابقين!
والمقصود بالذين لا يعلمون، هم أولئك الكفار والمشركون الذين لم يُصـدّقوا الرسول، والذين لم يتقبلوا فكـرة أن يكون الرسول بشراً مثلهم ! .. أي أولئك الذين يعتقدون بأن الرُسُل ينبغي أن يكونوا ملائكة، ولا يصح باعتقادهم أن يُخاطب الله بشراً ويبعثه رسولاً !

الخطاب إذاً، موجه للمشككين في رسالة الرسول، وليس للمسلمين.
وأهل الذكر هم أتباع الرُسُل والكتب والديانات السابقة، وليسوا المسلمين من أتباع محمد .

فالخطاب كان في وجود الرسول، .. حيث لم يكن المسلمون في حاجة لسؤال أحدٍ والرسول بينهم!
وموضوع الخطاب محدد، وهو أن بشرية الرسول هو أمرٌ طبيعي لا غرابة فيه، وهو معلوم لدى أتباع الرُسل كلهم!
فالنص القرآني واضح الدلالة، فلا يصح الاستدلال به إلا عند مخاطبة المشككين والمكذبين في بشرية الرُسُل !
حيث قال لهم الله سبحانه وتعالى، إن عليهم أن يسألوا أتباع الديانات السابقة، ليعلموا أن كل الرُسُل السابقين كانوا رجالاً بشراً، ولم يكونوا ملائكة!
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43.
فهل يجوز مُخاطبة المسلمين اليوم، المؤمنين برسالة محمد، بما خاطب الله به المكذبين المشككين في رسالته :
... فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !

وهل يجوز خلط المفاهيم، والتلاعب بدلالات الألفاظ، والابتعاد عمداً بالنصوص القرآنية عن مقاصدها الصريحة .. إلى هذا الحـد!
.. إلى حـد محاولة إقناع المسلمين بأنهم لا يعلمون، وأنهم ليسوا مُهيئين لفهم القرآن وتفسيره!
وبأن الذين يعلمون ويمكنهم فهم القرآن – فقط - هم أهل الذكر!
وأن أهل الذكر هم – فقط - أولئك الذين تمكنوا من الحصول على ألقاب فقهاء أو علماء المسلمين..،
وكل ذلك بغية التهويل من أمر القرآن وإثبات صعوبة أو استحالة فهمه على غيرهم، لإبعاد عامة المسلمين عنه؛ من أجل التضييق على الفكر .. ربما، وربما من أجل احتكار حق الاجتهاد وتفسير القرآن لدى فئة معدودة من المسلمين...،
ففي حين كان الكفار والمشركون المشككون في رسالة رسول الإسلام ..، كانوا يستعملون العقل والمنطق في حُجّـتهم..، فيُخاطبهم الله بالعقل والمنطق، ويُـرشدهم إلى السبيل الذي تألفه معارفهم وتفهمه عقولهم من خارج الإسلام والقرآن! ليُقيم عليهم الحُجّـة بالعقل والمنطق ..، ... فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !

فإننا نجـد الكثير من المسلمين اليوم يُحاربون العقل والمنطق، ويُحـذرون منهما كما يُحذرون من الشيطان، وكأن العقل، الذي هو مناط التكليف ونعمة الله على الإنسان قد أصبح عدواً له ووبالاً عليه!
ويبقى السبب الحقيقي، والدافـع الأساس، والمستفيد الرئيس من وراء قتل المنطق لدى الإنسان العربي باسم العروبة، وشل تفكير المسلم وتعطيل عقله باسم الإسلام، وإقناعه بأن عين الصواب وذروة سنام الإيمان هو أن يُصـدّق ما لا يفهمه وما لا يُقنعه، وأن يقول ويفعل ما لا يقبله عقله!
يبقى هذا الأمر سراً غامضاً، وخيالاً مُـرعباً لمن أراد من العرب والمسلمين فهم الحقيقة .. إلى ما شاء الله !
فالاحتمالات كثيرة ..، ولكن تبقى جذور هذه المأساة خفيّـة، وجـذوة سـؤالها حيّـة، والإجابة عليها عصيّة، والبحث عن الحكمة والحقيقة هو لب القضية ..
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر.


انـقـر هـنـا لمـراسلـة أبو بكر سليمان أبو بكر أنقر هنا للإنتقال إلى موقع أبو بكر سليمان أبو بكر إضافـة لـلمـفـضلـة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات الـمقـال : ارسل المقال لصديق ارسل المقال لصديق  طباعة المقال طباعة المقال  حفظ المقال كملف Word حفظ المقال كملف Word  حفظ المقال كملف PDF حفظ المقال كملف PDF

التعليقات
»أبو بكر سليمان أبو بكر
  أضيف في: 07/04/2010
أشكر لك نُبل أخلاقك وسمو نفسك !
»ali
  أضيف في: 07/04/2010
اراءك فى هذا الموضوع-اهل الذكر - هى الاصوب وشكرا لك
»أبو بكر سليمان أبو بكر
  أضيف في: 01/04/2010
أشكرك أخي الكريم، وأحترم وجهة نظرك ..

فقط أود التذكير بأن المُخاطبين في الآية هم أولئك الذين لم يصدقوا ولم يتقبلوا فكرة أن يكون الرسول بشراً!
فإذا كانوا لا يُصدقون بأنه رسول فكيف يُستدل لهم بكتابه!
أما عملية اجتزاء الآيات المكملة لبعضها، وأخذ جزء منها وإسقاطه على مفهوم آخر، لا تتحدث عنه الآيات، لكي تكون النتيجة أن أهل الذكر هم حفظة القرآن..، فهذا لا أراه صواباً، لأنه ببساطة ليس تفسيراً للقرآن، بل هو اعتقاد مُسبق بمعنى معين، ثم البحث عن آية في القرآن وفصلها عن سياقها لتتوافق مع ذلك الفهم أو الاعتقاد المسبق!

أشكرك ..
»ALI
  أضيف في: 01/04/2010
فلا اختلاف ولا خلاف على أن المقصود بأهل الذكر هنا هم أتباع الديانات والكتب التي سبقت الإسلام والقرآن! كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغيرهم من أتباع الديانات السماوية والرُسل السابقين!
مقالك منطقى وانا احترم رايك ولكن احب ان اضيف ايضا ان ايام الرسول هناك من يحفظ القران من المسلمبن وهناك من لايحفظه ومنهم من ارسلهم الرسول الى بلاد اخرى لنشر الاسلام وكان اهل تلك البلاد يسالونهم عما يصعب عليهم فهمه
»ALI
  أضيف في: 01/04/2010
بسم الله اعتقد ان الامر ابسط من ذلك اهل الذكر هم حفظة القران الذين يستدلون بالقران عن اى شئ مختلف عليه والقران واضح يفهمه حتى الانسان البسيط غير المتعلم الا بعض الايات التى سماها الله تعالى فى قراءنه بالمتشابهات اما عن موضوع الطوائف فليس من الضرورى ان ينتمى المسلم لاى طائفة حسبه القران والسنة الشريفة ثم هناك شئ اخر اذا كنت اخى المسلم تحب الله حبا خالصا فسوف يستنير قلبك وبصيرتك لفهم القراءن واستيعاب معانيه