كل المخلوقات حسمت أمـرها .. خـلا العـاقـل الناطق !
لا شك أنه قالها بعد جولةِ تأمّلٍ في غابةٍ حقيقية، ذلك الحكيم الذي قال إنه " لا يرى الغابة إلا من كان خارجها"!
ولكن كم نحتاج من الحكماء أمثاله لندرك أين نحن من الغابة التي نعتقد بأننا نراها ونحن داخلها- بل وجزء منها!
فأمر الغابة ورؤيتها، ينطبق تماماً على العاقل الناطق الذي يتوهم رؤية الوجود من داخله، جاعلاً من نفسه معياراً قياسياً وعنصراً محايداً، وكياناً مستقلاً وهمياً، وكأنه يقف خارج الوجود!
فالإنسان ليس سوى جزء من مجموع أجزاء يتألف منها الوجود المتداخل الذي يُحيط به؛ فهو أحد تلك المخلوقات التي بتداخلها تعطي للواقع مشهده وكينونته في جزئيته الصغيرة التي أُتيح للإنسان العيش فيها مع غيره من الكائنات..
وحيث إن الأمر كذلك، فقد كان على هذا الإنسان أن يتحرر ويستقل عن الواقع أولاً، ويقف خارج الوجود ثانياً، .. لكي يتمكن من رؤية الوجود، ووصف وتصنيف الموجودات من خارجها!
ولكن، ولأن الخروج ليس في متناول الإنسان، ولأن الحقيقة والواقعية هما من الأمور ذات الوجوه المتعددة والتعريفات النسبية لدى الإنسان؛
لذلك فقد عمد إلى تجاهل المنطق، وصار يبحث عن بدائل الخروج المستحيل من الغابة، حتى أقنع نفسه بأنه العاقل والناطق الوحيد على الأرض، ورأى في ذلك مبرراً كافياً يؤهله لوصف الغابة من الخارج دون الخروج منها !
وبسبب تجاهل بقية المخلوقات لأمر الإنسان، فقد تعاظمت أوهامه وثقته الأحادية بنفسه، وأصبح اعتقاده جازماً بصواب رؤيته وتقييمه للوجود، وأعلن تفوقه وسيطرته، وأقـرّ قدرته على التفكير والإدراك، وقراءة التاريخ وتحليل الظواهر وتطويع الطبيعة واختراع الجديد واكتشاف المجهول! ووضع بذلك نظريات ومعايير، جعلها مسلمات للكل الذي هو جزء يسير منه .. فحسب!
وبالرغم من صحة مزاعم الآدمي - نسبياً -، إلا أنه تعمّد مغالطة المنطق والحقيقة عند وضعه للأسس التي أقام عليها رؤيته للوجود وعلاقته بالمخلوقات الأخرى.. ،
ذلك أن الإنسان لا يذكر عجزه من حيث أنه لم يتجاوز محيطه الذاتي بعد. فمنذ وجوده وإلى يومه وهو لم يُحط علماً بأسرار وأبعاد شجرة واحدة من أشجار غابة الوجود، هي شجرته البشرية! وتناسى أنه لا يزال طفلاً لا يُجيد التواصل إلا مع أفراد أُسرته البشرية، فهو لا يفهم لغة غيره، ولم يستطع إيصال صوته لهم ..، ليستطلع آراءهم وفهمهم للوجود الذي يُشاركونه فيه!
حيث إن الآدمي لا يمكنه أن يُخاطب سوى نفسه، ولا يحاور غيرها. وما تعريفه للأنا والآخر إلا مغالطة على ذات الطريق؛ فالأنا والآخر في قواميس البشر هو مفهوم مزدوج لذات واحدة، وليسا مفهومين لكائنين مستقلين مختلفين كما ينبغي أن يكون واقع الأنا والآخر في عالمٍ يضم أجناساً متعددة تفتقد إلى لغة التواصل بينها. فالإنسان لا يعيش في عالم مستقل خاص به حتى يكون الآخر بالنسبة له هو نسخته الأخرى!
أما الخطاب بين أبناء الجنس الواحد والتواصل اللغوي بينهم، فهي عملية طبيعية تقوم بها كل المخلوقات، وليست ميزة أو صفة أو فن أو علم خاص لا يتقنه إلا البشر.
والذي لا يستطيع التخاطب والتواصل والتفاهم إلا مع نسخة منه، لا يحق له أن يضع معايير الصواب والخطأ، ومنطق الكينونة، .. لعالمٍ مليء بالآخرين والأسرار .
إن الإنسان مخطئ عندما يستند في رؤيته للوجود، وفي علاقاته بغيره من المخلوقات وتصنيفه وتقييمه لها.. إلى نظريات ومعايير من صنع خياله وفهمه المحدود، ثم يُعطى لنظرياته ومعاييره طابع الكونية، ويُقيّم من خلالها كل المخلوقات التي لا يتواصل معها لكي تُدلي برأيها فيما يفعل وما يقول!
حيث أدى الإنسان كل الأدوار، فهو العاقل، وهو الذي وضع بعقله معيار ومدلول مفهوم العقلانية، وهو الذي وضع معيار الكرامة والإنسانية والبهيمية، فأصبح هو الكاتب والقارئ والممتحن والمصحح ومعتمد النتائج، وهو الناقد الذي لا ناقد له!
والمفارقة أن هذا الإنسان المعتز بعقله ولغته ومعرفته، يُدرك بأنه عاجزٌ عن مخاطبة غيره، وأنه لا يمتلك الحُجّـة لإقناعهم بأن معاييره ونظرياته قياسية صالحة ومُنصفة للجميع!
تلك المعايير التي وضعها بمفرده وعلى مقاسه لترفع من شأنه وتحطّ من قدر الآخرين الذين لا يُجيد لغتهم ليتواصل معهم فيستطلع آراءهم وينظر بواسطتهم إلى نفسه من خارجها.
فالإنسان قد تجاهل الواقع وقواعد المنطق الذي وضعه بنفسه، عندما لم يقل عن نفسه بأنه عاجز عن فهم لغات المخلوقات الأخرى من طيور وحيوانات وجمادات؛ وإنما أعطى لنفسه الحق بأن جعل من لغته معياراً للنطق، فصنّف غيره وبكل بساطة على أنها كائنات غير ناطقة؛ وبذات المنطق المغلوط – ربما – كان قد صنّف نفسه قبل ذلك كعاقل وحيد، وصنّف كل ما عداه من مخلوقات بأنها غير عاقلة!
إن الواقع لا يتفق مع الإنسان في تقسيمه للمخلوقات إلى كائن عاقل ناطق .. ونقيضه؛ وإنما الواقع يقول إن كل المخلوقات – بما في ذلك الإنسان - لا تجيد إلا لغة أجناسها؛ وإن ذلك يجعلها غير مؤهلة لتقييم واقع الأجناس الأخرى وفهم دوافع سلوكها!
إن معطيات فكرية ووقائع عملية عديدة تحيط بنا وتتخلل حياتنا، تطرح تساؤلات وتعرض إجابات. وبالتأمّل فيها قد نكتشف أو نعترف بأن الفارق الأساسي بين البشر وبقية المخلوقات، قد لا يكون العقل والنطق والتفكير كما نعتقد، بل ربما يُختصر الفرق في أن كل المخلوقات قد أدركت ما لها وما عليها، فحسمت أمرها بشأن التفكير، وكأنها توصلت إلى نتائج البحث عن الحقيقة منذ نظرتها الأولى إلى المشهد الكوني ! فسلكت طريقها الذي لم تختر بدايته ولا تدري نهايته، فدأبت على السير فيه دون مزايدات ودون عناء التفكير!
وأن الإنسان المُعجب بعقله ولسانه وتفكيره، المهووس بالمعرفة والمتيّم بحب البحث عن حقيقةٍ يفتقدها.. ربما بقي هذا المخلوق وحيداً دون بقية المخلوقات، متوهماً في كل عصرٍ أنه وصل إلى بداية الطريق الصحيح المُفضِي إلى الحقيقة، متجاهلاً أو جاهلاً بأنه ربما كان هو الواقف، وأن الطريق هو الذي يسير من تحت أقدامه باتجاه الخلف، ليصل به يوماً إلى مصيرٍ مجهولٍ، شأنه في ذلك شأن بقية المخلوقات التي حَسَمت أو حُسِم أمرها، وتنتظر مصيرها !
وإذا صح ذلك فإن الإنسان سيصطدم يوماُ بحقيقة مفزعة مفادها أنه الجاهل الوحيد الذي عليه أن يصمت، وليس هو العاقل والناطق الوحيد كما يعتقد!
فكيف يُفكر الإنسان، وكيف ينظر إلى غيره من المخلوقات، وكيف تراه هي !!
وهل تكون قمّـة جهل هذا الناطق الوحيد المغرور بعقله، هي أنه أخفق في فهم أمر محسوم بسبب جهله!
حيث إنه لا يزال يبذل جهـداً دون أملٍ يرقبه، أو هدفٍ واضح المعالم ينشده ..،
فهو يُدرك تماماً أنه بفكره وعلمه وعمله وماله، وخبثه ودهائه وذكائه .. لن يحول دون نهايته التي يجهل موعدها ويجهل ما بعدها، .. شأنه في ذلك شأن بقية المخلوقات - غير العاقلة وغير الناطقة وغير الكريمة حسب المعيار البشري!
ونورد هنا مناظرة خيالية .. بين الإنسان - ممثلاً للعقلاء الناطقين ..، وبين ممثلٍ عن بقية المخلوقات !
المعطيات في هذه المناظرة واقعية، والشخصيات حقيقية، والحـوار فكري فلسفي، والنتائج منطقية..، حول ظاهرة العاقل الناطق - العاجز القادر - والحكيم الحـائـر !
يقول "الإنسان" متباهياً واثقاً : أنا الكائن الوحيد العاقل الناطق المسيطر، والمدرك لمعنى المسئولية، والمُحتكِم لحُجّـة المنطق، وقـوة الأخـلاق .. على الأرض!
فيُجيبه "خـروف" بالقول : إن ما تقوله أيها الإنسان هي مجرد أصواتٍ ورموز، يمكن لكل كائن أن يتفوه بها، ممتدحاً ذاته، بلغته التي لا يفهمها غير أبناء جنسه!
وعدم اعتراض بقية الأجناس على ما تقوله، لا يعني بالضرورة موافقتها، بل قد يعني تجاهلها لأمر لا يعنيها!
الإنسان : في مجتمعكم الحيواني الهمجي اللا أخلاقي ..، ماذا تقولون عن مجتمعنا البشري العاقل الأخلاقي، الذي يحكمه المنطق والدين، ويقوده الفكر والعلم، وتعمه المودة والعاطفة والرحمة والحياء!
الخـروف : مشكلتكم معشر البشر، أنكم تتجاهلون القواعد، وتُعمّـمون شواذها .. أي أنكم تعممون وتتبنون الأخلاق الحسنة( كالصدق والأمانة)، وهي التي لا يلتزم بها سوى قلة قليلة منكم، وتغضون الطرف عن الأخلاق البشعة(كالكذب والقتل والجشع والطمع والتكبّر والإفساد في الأرض ...الخ) والتي هي الطابع العام للسلوك والممارسات السائدة بينكم على مر العصور!
الإنسان : هل تقصـد بأن الحيوانات لا تعترف للإنسان بتميّـزه بالعقل والنطق والفكـر والحكمة والكرامة والأخـلاق!
الخـروف : يُمكنني الاكتفاء بإجابة مختصرة تنسف كل ما تـدّعي، وهي أنه عليك أن تتذكّـر بأن الصفات الخسيسة والأخلاق الدنيئة التي تحتقرها، هي من الصفات التي لا يتصف بها سواك .. كالكذب والنفاق وادعاء الأمانة ! فكيف تحملها إلى جانب العقل والحكمة والكرامة والأخلاق!
يواصل الخروف .. ولكنني سأضيف بأننا نحن معشر الخِـراف، نسخـر منكم، ونَعجبُ لأمركم أنتم معشر البشر.. وندعوكم بظاهرة الكائن الواهم .. المغرور بما يدعوه العقل! فأنتم البشر - كأمم وككائنات حية مثلنا- ومن المفترض أنكم عقلاء -، نراكم تبذلون جهوداً مضنية للوصول بمجتمعاتكم البشرية إلى نتيجة وصلتها مجتمعات الحيوان والنبات والجماد منذ زمنٍ بعيد، ودون أدنى جهد .. وهي المجتمعات التي تترفعون أنتم عليها وتحتقرونها، وتـدّعون التميّـز عنها بالعقل كما تزعمون!
نحن معشر الحيوانات نـراكم غافلين وجاهلين ومكابرين .. ولو بتفاوت؛ فأنتم تستغفلون وتستعبدون وتغتابون بعضكم بعضاً .. وأنتم الذين تـدّعون امتلاك العقل والمسئولية والأخلاق والكرامة!
بينما نحن معشر الحيوان لا نفعل شيئاً من ذلك، بل نأكل ونشرب ونعيش بمساواة تامة تفتقدونها أنتم البشر، وتحسدوننا عليها؛ وقد أخفقت عقولكم ولغاتكم وعلومكم وقوتكم الأخلاقية في إيصالكم لما وصلنا له!
إنكم تبذلون جهوداً كبيرة لا طائل من ورائها! .. فمثلاً، هنالك منكم من تسمونهم بالفلاسفة والمفكرين، الذين يُمضون أعمارهم في تأليف عشرات الكتب والنظريات ومئات المقالات، ويسهرون الليالي ويخوضون المخاطر .. ظناً منهم أنهم قادرون على تغيير أفكار الآخرين منكم .. آملين في الوصول بمجتمعكم البشري إلى الاستقرار والأمن والأمان الذي تنعم به مجتمعات الحيوان والنبات والجماد ! ولا ينتبهون إلى أن كل فردٍ منكم يعتقد بأنه الأحق والأجدر بالقيادة، فهو يرى نفسه حكيم الحكماء، وأمين الأمناء، متوهماً بأن مكانته المتدنية ودوره الثانوي الهامشي ليست هي حقيقته، وإنما ذلك بسبب ظلمٍ الذي سيزول يوماً، فيكمل حياته مطارداً لسراب الكرامة وأوهام القوة وآفاق مجدٍ لا وجود له!
فتجد رجال الدين لديكم يـدّعون امتلاك أسرار ومفاتيح العلاقة مع الخالق. فيقررون بذلك سعادتكم من عدمها .. اليوم وغداً. ويُقررون حقكم في الحياة من عدمه بناءاً على ما تنطقونه من كلمات اللغة، التي هي أحد معالم فخركم علينا! في حين أن قوانين وأعراف مجتمعاتنا نحن معشر الخراف- مثلاً، تسمح لنا بالصياح بأعلى أصواتنا اعتراضاً على أي شيء لا نقبله أو لا نفهمه. ولا يُكمم أفواهنا حتى من هم أقوى منا، أو من هم أعداؤنا بحسب مفاهيمكم .. مثل الذئاب. ولم تؤثر حرية التعبير على استقرار مجتمعاتنا .. كما تتخوفون أو تتوهمون أنتم .
وبالمناسبة نحن معشر الخراف لا ننظر للذئاب على أنهم أعداؤنا، وإنما نراهم يؤدون رسالة هم مُكلفين بها ولا يملكون إلا أن يؤدوا رسالتهم، وربما كان علينا مساعدتهم.
وعلاقتنا بهم هي كعلاقتكم أنتم بالأمراض التي تتسببون بأنفسكم في تهيئة بيئتها لتفتك بكم، ثم تحاولون الهرب منها، فتنجحون أحياناً وتستسلمون لها أحياناً أخرى، ولا تجدون حرجاً في وصف هزيمتكم أمامها بالقضاء والقدر !
إنه لا وجود للعداء والبغضاء والأحقاد والغيبة والنميمة في لغات وثقافات عالمنا الحيواني الطبيعي الفطري الواقعي الموضوعي المستقر ..، ولو صح أن نطلق على علاقتنا بالذئاب علاقة الأعداء بسبب حبهم لأكل لحومنا، إذن فأنتم أيها البشر العقلاء الرحماء الحكماء الكرماء الأخلاقيون، ستكونون ألدُّ أعدائنا من هذه الناحية.. وذلك قبل وأكثر وأشرس من الذئاب .. بالمقارنة العددية!
وكذلك فأنتم بهذا المعنى المغلوط الذي تعتبرونه من مسلماتكم – أيها العقلاء – فأنتم أعداء لكل شيء .. أعداء للنبات والحيوان والطيور والأسماك والجماد...، وكل ما تأكلون وما تستعملون.!
الخـروف .. أعود إلى موضوعنا .. وتجد رجال الحُكـم والسياسة لديكم يستعبدون ويستحقرون غيرهم من أبناء جلدتهم، فيُديرون شؤون المجتمع بواسطتهم كما لو كانوا أدواتٍ بأيديهم.. وليسوا بشراً عقلاء مكرمين مثلهم .. كما تـدّعون!
الخروف .. غاضباً : أيها العاقل الناطق، أُحب أن أذكّـرك بأمرٍين هامين، وأنت تـدركهما جيداً وتتجاهلهما جداً! ..
أولاً، حقيقة حياتية، وهي أن كل المخلوقات قد انطلقت في الحياة على ظهر الأرض في حقبة زمنية واحدة أو متقاربة، ومنذ لحظة انطلاق الحياة وحتى هذه اللحظة، والمخلوقات جميعها تشترك في أساسيات الحياة من الولادة إلى الممات، وهي ضرورات وملذات وآلام ونهايات ..، طعام، ماء، هواء، كساء، نوم، جنس، إنجاب، مرض، شيخوخة، موت!
فهل استطعت بعلمك وفكرك وبحثك الدءوب .. أن توقف الموت عن الإنسان .. مثلاً!
هل استطعت أن تُلغي إحدى أساسيات الحياة ! أليست هي كل ما يحتاجه وما يفعله وما يمر به الغني والفقير والحكيم والبسيط منكم! أليس هذا ما نفعله نحن في مجتمع الخراف .. مثلكم سواء بسواء! أليس علمك واختراعاتك وأبحاثك هي من قبيل العبث، وإضاعة الوقت والجهد.. حيث إنها لم تمس الأساسيات! وأن إنجازات علمك وجهدك لم تتجاوز قشور الحياة! أليس الاستقرار والتمتع بالحياة والراحة كما نفعل نحن هو أجدى من أوهامك أيها العاقل!
ثانياً، حقيقة عملية، وهي أن بعض المخلوقات تتفوق على الإنسان في العديد من المواهب والقدرات الذهنية، فهي تسمع وترى وتتنبأ وتتكيف بصورة لا تستطيع أنت فعلها ! بل إنك تقلدنا في كثير مما نفعله نحن وتجهله أنت ! فهل يُقلّد العاقل غير العاقل سوى في عرف البشر !
ستقول لي إن الإنسان اليوم صعد إلى القمر، وأن أجداده بالأمس أنشأوا الأهرامات .. مثلاً !
سأقول لك : وليكن، فما الذي أضفته للحياة أو للأرض أو لذاتك بتلك الإنجازات .. إذا جاز لنا تسميتها إنجازات !
فأما القمر، فقد قيل إن اثنان أو ثلاثة من البشر نزلوا على سطح القمر مرة، ولم تتكرر ثانية ! فهل ما يفعله ثلاثة أفرادٍ من ستة مليارات نسمة لمرة واحدة، يُعـدُّ من الإنجازات وقواعد الأمور التي يُقاس بها، أم تراه من شواذ القاعدة التي لا يُقاس عليها، والتي لا ينبغي للعاقل ذكرها أو التفاخر بها! ثم ماذا كان السبب وراء صعودك للقمر الذي كلفك الملايين، وماذا عن المشردين والجوعى والعاطلين عن العمل الذين يُعـدّون بالآلاف في ذات المكان الذي صعدت منه إلى القمر؛ فأين المودة والرحمة وما وظيفة الحكمة والعقل لديكم ! ثم ماذا حققت بوصولك للقمر ! لقد حققت لا شيء بطول المسافة إلى القمر ذهاباً وإيابا ً!
أما عن الأهرامات، فإنه إن صح نسبتها إلى الإنسان، فإن بناءها يُعـدُّ وصمة عارٍ في جبينك، ينبغي أن تتبرأ من فاعلها، لا أن تفخر بها !
فبناؤها هو خيرُ دليلٍ على استعباد الإنسان للإنسان! فالذين بنوها، ما كانوا ليفعلوا لو كانوا أحراراً ! وقد ماتوا بسبب بنائها! والذي أمر ببنائها هو إنسان جاهل ومتكبر، فهو يـدّعي الربوبية، ثم يأمر عبيده ببناء قبرٍ خاص له! فهل بعد هذا جهل وغباء واستعباد!
الخروف يتساءل ساخراً من الإنسان: أيُّـنا المُسخّـر لخدمةِ الآخر أيها العـاقـل! فأنت أيها الإنسان المُسيطر في الأرض كما تظن، أنت من يُوفر لي المأكل والمشرب والمأوى والحماية بشكل كامل .. حتى أنك لا تتورع – وأنت العاقل المكلف المسئول أخلاقياً – لا تتورع عن الكذب والخداع والنفاق والسرقة من أجل أن توفر لي احتياجاتي، وقد تناصب أخاك الإنسان العداء، وتستعبده وتهينه، وقد تقتله وقد تموت من أجلي ! ..
كذلك فأنت أيها الإنسان المغرور بعقلك المزعوم .. تظن أنني مُسخرٌ لك، وتتجاهل أنني في حاجة إلى تصريف اللبن ونزع الصوف عني، وأنت المُسخّـر لخدمتي والقيام بهذه المهمة. وأنا أجد في تبادل المنفعة أمراً منطقياً وتكاملاً طبيعياً بيننا، فلا حرج لدي إن استفدت أنت من الصوف واللبن !
كذلك نحن معشر الخراف نعتقد بأن من يموت منا فقد أنقضى أجله وأنقطع رزقه، فهو سيموت في كل الأحوال – سواء كنت أنت قاتله أو سواك !
أنت أيها العاقل، تسهر الليالي وتبذل الجهد من أجلي؛ في حين أنني لا أبذل أدنى جهدٍ من أجلك!
فأيُّـنا المُسـخّـر لخدمة الآخـر، وأيّـنا الذي ينعم بالاستقرار .. أيها الناطق والعاقل الحكيم!
الإنسان : هذه فلسفة أو سفسطة لا تغيّر من الواقع شيئاً أيها الخروف ! إذ يكفي أنني أمتلك القرار، فأستفيد منك وأستغلك وأستعملك مباشرة كما أشاء، وأنت لا تستفيد مني سوى أنني أحميك من بني جنسك لأجل مصلحتي، وآتيك بالغذاء من مجتمع النبات! وهذه ميزة العقل الذي لا تملكه أنت!
الخروف .. ضاحكاً : فلسفتك للأمور بهذه الصورة هي مشكلتك الأساسية أيها العاقل الظلوم الناطق الجهول !
فنحن معشر الحيوان، نسير وفق الخطة المرسومة لنا من خالقنا، فلا نأكل ولا نشرب إلا ما أُجيز وما أُتيح لنا أكله وشربه دون عناء .. وبقدر حاجتنا! وإذا انحرف أحدنا عن المسار فسيكون ذلك بسبب تدخل عقلك العابث بالطبيعة!
وأنت تقول عمن يموت أو يُقتل من بني جنسك، إنه قد انتهى أجله وانقطع رزقه! وتتجاهل أن الأمر ذاته ينطبق على كل المخلوقات! فما يحصده الإنسان من النبات هو ما قد انتهى أجله أيضاً! ولا يحصل من الحيوانات إلا على زوائدها، أو ما انتهى أجله منها كذلك!
أنت تتجاهل أن وهمك بالعقل الذي تعتمد عليه وتفتخر به، هو مكمن داءك وسر مأساتك! حيث إن عقلك هو الذي يحرمك الحرية والاستقرار في حاضرك والاطمئنان على مستقبلك، وهو الذي تُـغضب به ربك!
فعقلك هو الذي ستحاسب بسببه! فما نفعله نحن معشر الحيوان بك لا نحاسب عليه! وأنت تحاسب على ما تفعله بنا بسبب عقلك!
أنت تتجاهل أن من يفقد عقله منكم يتمتع بالحرية التي تتمنونها جميعاً، حيث يُرفع عنه القلم فيما يفعل وما يقول، وينضم بذلك إلى أممنا الحرة السعيدة!
فعقلك هو الذي يمنعك من الحرية التي نتمتع بها نحن، والتي تتمناها وتتظاهر بعكس مشاعرك خوفاً من بني جنسك .. لا حياءً بدافع الأخلاق التي تدعيها!
إنك تحتقر الحيوانات كما تحتقر بني جنسك، وذلك بسبب ثقافة صنعتها بنفسك، وليس لك الحق وليست لديك حُجّـة في ذلك! فنحن أممٌ أمثالكم، وأنت تعلم ذلك جيداً وتنكره بإصرار، وسنحاسبك عليه يوماً!!
الإنسان : نعم أنا أعلم بأن المؤمنين منا، لديهم في كتابهم المقـدّس ما يُفيد بأن الخالق قد قال إن الحيوانات والطيور هم أُمم أمثالنا : }وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }الأنعام38 .
وكذلك في شأن النطق، فقد قال بأن كل المخلوقات ناطقة - حتى ما ندعوها نحن بالجمادات، ولكن بلغات لا يفقهها البشر ..
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }الإسراء44
يواصل الإنسان : على كل حال لا أحد منا ينبغي له أن يدعي العلم بحقائق الأمور ومآلاتها!، وما نقوم به لا يعدو أن يكون محاولات، وكثير منها عبثية ينبغي ان توقف !
الخروف : نعم صدقت، وهذه نهاية موفقة ومناسبة لهذا الحوار المنطقي الموضوعي؛ وعليك ألا تعود بعد الآن إلى الاستهزاء بمخلوقات مثلك تجهل حقيقتها، ولا تعود لادعاءاتك بامتلاك الحقيقة والمعرفة الكاملة، فكلنا أمم، وكل أمة لها لغتها ورسالتها التي ستحملها إلى أجلها الذي تجهله!
مع تحياتي .. أبو بكر سليمان أبو بكر
|