هل أودع الله أمانته لدى الظلوم الجهول، أم أن الأمانة شأنٌ بشري دنيوي !
بسم الله الرحمن الرحيم : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } الأحزاب72.
أولاً : تساؤلات تطرح ذاتها حول الأمانة..، حيث نعتقـد بأنه مِن حق مَنْ قيل له بأنه يحمل الأمانة طرحها، ويجب على المتحدثين والآمرين باسم الدين، الإجابة بمسئولية ووضوح يُعادلان مسئولية الإنسان عنها:
- ما هي تحديداً - تلك الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال ، وحَمَلَها الإنسانُ.؟
- من هو ذلك الإنسان - تحديداً - الذي تعهّـد بحمل الأمانة .؟ ومتى كان ذلك.؟
- عندما عُرِضت الأمانة.. هل كان الإنسان حاضراً ومشمولاً بالخطاب.. أصـلاً.!
- هل أنا " إنسان اليوم" تعهّـدتُ بحمل تلك الأمانة.؟ ولماذا لا يتذكر أحدنا بأنه تعهّـد بحمل الأمانة.؟ وهل يؤاخذ الله الإنسان على النسيان .. إذا كُنا قد نسينا! ألا يُرفع القلم عن الإنسان بالنسيان.؟
- هل كل البشـرِ يحملون الأمانة.. وهل يحملون ذات الأمانة.! وكيف نفهم الأمانة في ضوء اختيار الله تعالى لأناسٍ -أفرادٍ -مخصوصين من بين عباده لحمل رسالاته..، بينما الأمانة يحملها كل الناس.!
هل يعني ذلك أن الأمانة هي أقل شأناً من الرسالات المتعددة – الخاصة والعامة-التي حملها الرسل والأنبياء للناس.!
- هل كل من يحمل الأمانة هو ظلومٌ جهول.؟ وماذا عن الأنبياء والرسل والعلماء والصالحين.؟
- وهل مِنْ سبيلٍ أمام الإنسان للخلاص من مسئولية الأمانة، طالما أنه لا يقوى عليها وأنّ حمله لها كان خطأً كبيراً نتيجة جهله بها .. كما ورد في القرآن الكريم.!
- وهل يمكن أن تكون الأمانة أمـراً مرتبطاً بنعمة الحياة وملذاتها – بدليل حرص الإنسان الشديد عليها وخوفه وفزعه من الموت.. فيكون تنازل الإنسان عن حقه في الحياة وخروجه منها طوعاً - بالانتحار مثلاً - هو السبيل وهو الثمن الذي ينبغي على الإنسان دفعه إذا أدرك عجزه وأراد التراجع عن تعهّـده والخلاص من عبء الأمانة وأشفق منها، وقـرّر أن يعود إلى أصله بالانضمام إلى الأرض والتخلي عن حمل الأمانة.؟
- وإذا كان أبونا آدم عليه السلام – كما يقول بعض المفسرين.. هو من تعـهّـد بحمل الأمانة.. فهل يؤاخذنا الله بجريرة آبائنا وأجدادنا.؟
- وهل كان استخلاف الإنسان في الأرض هو نتيجة لتعهّـده بحمل الأمانة.؟ أم أن عَرضَ الأمانةِ وحملَ الإنسانِ لها، هي أمـور متأخرة حدثت بعد خلق السماوات والأرض والجبال وبعد خلق الإنسان في صورته الحالية وبعد استخلافه في الأرض .!
ثم ..
- أين نجـدُ وجه المقارنة وكيف نفهمه.! بين الإنسان وبين الأرض والجبال.. حتى تعرض عليهم الأمانة وكأنهم مُتشابهون أو متساوون.. من حيث العـدد والاستقلالية.. ناهيك عن فروق الخلق الطبيعية مثل الحياة والروح والعقل.!
فالإنسان يختلف عن الأرض والجبال.. فهو يُعـدُّ بمليارات الأفراد المختلفين في الأفكار والقناعات والاحتياجات والأولويات، والمتعارضين المتضاربين في المصالح والرغبات..، وبسبب طبيعة حياة الإنسان وضعفه فهو لا يستطيع الحياة إلا في مجتمعات تتحكم في حريته ومصالحه واحتياجاته .. وتقوده بأعرافها وقوانينها، فيتأثـر بها ويُطيعها وينحرف بانحرافها رغم أنفه .!
فالإنسان ليس مُهيأً لأن يعيش فـرداً لكي يتحمل مسئولية أخطائه وحده، كما أنه لا يملك إلا أن يعيش، إذ إنه ليس مرخصاً له بإنهاء حياته تفادياً للانحراف، حيث إن حياته ليست ملكاً له كما يقول فقهاء المسلمين - عند حديثهم عن الانتحـار والمنتحرين.!
ثانياً : مفهوم الأمانة السائد في الفكر الإسلامي ..
إن الباحث في التراث الإسلامي عن تفسير ومعنى الأمانة التي يحملها الإنسان - والتي استوجبت وصفه أو دلّلت على أنه ظلومٌ جهول - لن يجد تعريفاً محدداً كافياً شافياً مُتفقاً عليه، وإنما ..
- سيجد من يقولون له إنّ الأمانة هي العقل.. وفي ذات الوقت يقول فقهاء المسلمين اليوم، إنه لا يجوز للمسلم استعمال العقل وإتباعه في فهم أمـور الدين والإيمان؛ بل عليه أن يأخذ دينه بالنقل عن السابقين!
وكأنه لا ينبغي للمسلم استعمال العقل، باعتبار أن العقل أمانة عنده، وليس وسيلة له ومكلفاً بسببه!
وكأن السابقين لم يستعملوا عقولهم في تفسير الدين، أو كأنهم كانوا معصومين مؤيدين من السماء، وكأن القرآن لا يُخاطب العقلاء، أو أنه يأمـر ويدعو إلى عدم التدبّـر والتفكّـر .!
فالعلماء بذلك إنما يستعملون عقولهم في مخاطبة العاقل لتحذيره ولمنعه من استعمال عقله .!
- وسيجد الباحث كذلك من يقولون إن الأمانة هي التكليف وحق الاختيار الذي يملكه الإنسان من حيث قدرته وحريته في فعل الخير أو الشر والإيمان أو الكفـر ..،
- بينما يقول آخـرون إن الأمانة هي مُخالفة الإنسان للطبيعة – ويُبررون تفسيرهم بأن كل المخلوقات من حوله تعيش وفق طبيعتها من حيث الرغبات والشهوات وغيرها؛ إلا الإنسان فهو مُطالب بكبح شهواته ورغباته – لأنه تعهّـد بأن يعيش ضد طبيعته!
- وسيجد من يقولون إن الأمانة هي تقوى الله وعبادته وإتباع أوامره واجتناب نواهيه كما أمـر ..
- آخرون يعتقدون بأن أبا الإنسانية آدم – عليه السلام، هو من تعهّد بحمل الأمانة، وبأن البشرية مؤاخذة بجريرة آدم، ويُعاقب الإنسان بسببها .!
ويظنون بأن عرض الأمانة على السماوات والجبال والأرض لم يحصل حقيقة، وإنما هو تصوير مجازي لبيان عظمة ما يحمله الإنسان ويجهله .. حيث إنّ تلك المخلوقات التي تفوق الإنسان قوة وحجماً .. ستعجز عن حمل الأمانة وتأبى حملها فيما لو عُـرضت عليها..، وكأنها أعقل واكثر حكمة من الإنسان!
ثالثاً : نقاطُ الضعف أو الخلل في ساحة الفقه الإسلامي .. فيما يتعلق بتفسير الأمانة:
- لمن يعتقدون بأن الأمانة هي العقل ..
نقول بأن العقل مكوِّنٌ أساسي من مكونات الإنسان، بل يمكننا القول بأن العقل والإنسان كيانٌ واحد .. حيث لا كيان لأحدهما إلا باندماجه بالآخـر .!
ولا يكمن أن تكون الأمانة وحاملها - شيئاً واحداً، إذ يجب أن تكون الأمانة ذات كيان خارجي مستقل بالنسبة لحاملها، ويجب أن تكون تحت سيطرته لكي يكون مسئولاً عنها.!
والحال أن العقل هو الذي يُسيّر الإنسان وليس العكس، فلا سيطرة للإنسان على العقل حتى يكون مؤتمناً عليه، ولا كيان ولا مسئولية ولا إرادة للإنسان بدون العقل .!
- ولمن يقولون بأن الأمانة هي الاختيار بين الخير والشر والكفر والإيمان ..
نقول إذا كانت الأمانة هي حق الإنسان في الاختيار، فلماذا يُدمّـر الله أقواماً بسبب اختياراتهم في الدنيا .. مثل قوم لوط وثمود وعاد وفرعون .. في حين يؤخر جزاء غيرهم ليوم القيامة .!
- ونقول لمن قالوا إن الأمانة هي مُخالفة الطبيعة :
أولاً : إن الإنسان لا يُخالف الطبيعة، بل على العكس فهو يختلف عما حوله من مخلوقات فقط في أنه يُقنن ويُنظّم ممارساته بما يتماشى مع طبيعته وبما لا يضر به؛ وكل ما حول الإنسان هو مُسخرٌ بالطبيعة لمصلحته .. فهو يُمارس كل ما تشتهيه نفسه من جنسٍ وأكلٍ ولعبٍ، دون أن يكون مُداناً ولا مُلاماً ولا مُذنباً بذلك، فأين مخالفة الطبيعة .!
ثانياً : عندما يقولون بأن الإنسان مُطالبٌ ومأمورٌ بمخالفة طبيعته التي تميل إلى الراحة والكسل وعدم الانضباط .. حيث إنه مأمور بطلب العلم والعمل والصيام والصلاة ...
فإننا نقول بأن الأمر هنا ليس تطوعاً، بل هو فرضٌ وإجبارٌ وخوف من العقاب، وهذا يُخالف ما أشار له القرآن من أن الإنسان قد حمل الأمانة مُختاراً .!
- لمن قال بأن الأمانة هي طاعة الله وعبادته وخلافته في الأرض ..
نقول ليس الأمـر كذلك إطلاقاً، بدليل أن كل المخلوقات تعبد الله وتسبّح بحمده وتقدّس له .. فهل كلها تحمل الأمانة .!
وأما أمـر الخلافة في الأرض فسواء كان تشريفاً أو تكليفاً للإنسان، فقد حسمه الله دون عرضٍ أو تخيير، وقد وقع الاختيار الإلهي على الإنسان، وربما كان الملائكة ينتظرون أو يتوقعون أن تكون الخلافة في الأرض من نصيبهم .. حيث أخبر عنهم القرآن الكريم قائلاً :( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ . (البقرة 30) ) .!
- ولمن قالوا إن حمل الأمانة هو أمرٌ قد تعهّد به أبونا آدم عليه السلام ..، ونحن إنما نحملها بالتبعية لآدم، باعتبارنا ذريته !
نقول.. إن هذا التفسير وهذا الاعتقاد فيهما تقـوّل على الله .. لا يجوز! فالله لا يؤاخذنا بجريرة آبائنا وأجدادنا والأقربين، فكيف يؤاخذنا بما تعهد به أبو البشرية كلها! فيُحمّلنا مسئولية أمرٍ لم نتعهد نحن مباشرة بحمله، ولم نتفق على تفسيره وفهمه !
وكذلك فإنه عند ذكره للأمانة، قال الله إن الإنسان قد حملها، ولم يقل بأن آدم قد حملها !
- ولمن قالوا بأن عَـرْضَ الأمانة على السماوات والأرض والجبال هو - فقط - تصوير مجازي لبيان عِظَمِ حجم الأمانة ..
نقول : إن الأمر على العكس مما تقولون تماماً، حيث إن مخاطبة السماوات والأرض والجبال هي أمرٌ حقيقي وليس مجازي، وقد ورد مثل هذا الخطاب في آيات أخرى وفي مجالات أخـرى لا تحتمل المجاز، حيث يقول الله سبحانه وتعالى : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. ( فصلت 11) ) .
فهل نقول إن الأمر هنا هو تصويرٌ مجازيٌ .! كلا، إنه لا يستقيم الأمر إلا أن يكون حقيقياً .!
إنما الحكمة – كما نراها، هي أن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال هو لبيان أن حمل الأمانة هو أمرٌ يخص المخلوقات، وأنه أمرٌ اختياري، وأن الأمانة المقصودة هنا لا تقاس بحجمها المادي أو المعنوي، ولو كانت تقاس بالحجم لحملتها السماوات أو الأرض أو الجبال.!
ولو أن الأمانة كانت بالعظمة والحجم الخيالي كما يتصورها البعض بحيث لا يستطيع الإنسان حملها .. لما تعهّد الإنسان بحملها وهو الذي اختاره الله للخلافة في الأرض، وهو الكائن العاقل الذي يضم الرسل والحكماء والصالحين والصديقين والشهداء .!
والاعتقاد بأن الإنسان يحمل أمانة الله، وأن تلك الأمانة تفوق طاقة الإنسان وقدرته، هو اعتقاد خاطئ يؤدي إلى انحرف الفكر عن الفطرة السليمة، ويحمل بين طياته تطاول وجرأة غير مسئولة على قضاء الله وتقديره .!
فإذا كنا نقول عن الإنسان العاقل الحكيم، بأنه لا يقبل على نفسه ولا يجوز ولا يحق له أن يضع أمانته لدى إنسان آخر يعلم خيانته أو قصوره وعجزه عن صون تلك الأمانة !
فهل يجوز لنا أن نقول عن الله بأنه قد وضع أمانته لدى من يعلم قصوره وخيانته!
إن القول أو الاعتقاد بأن الإنسان الضعيف الجهول الظلوم يحمل أمانة الله، هو اعتقاد بوجود اختلال في ميزان الخلق - والعياذ بالله، وما كان الله سبحانه وتعالى ليُقِـرَّ أو ليسمح بأمرٍ غير متوازن في ملكوته - نزولاً عند رغبةٍ أو تعهّـدٍ من مخلوق ضعيف جاهل ظالم، فما كان الله ليودع أمانته لدى مخلوقٍ عاجزٍ عن حملها .!
رابعاً : رؤيتنا الخاصة لمفهوم الأمانة ورمزيتها..
الأمانة باختصار:
أعتقد بأن مفهوم الأمانة لا يُشير إلى شيئٍ أو أمرٍ مستقلٍ قائمٍ بذاته، حتى يُحافظُ عليه الإنسان أو يُهمله!
إن الأمانة هي حاجة الإنسان للأمانة، وحمله لها يعني مدى قدرته على التحلِّي بالأمانة في وسطٍ تعوزه الأمانة!
فأن يوفر الإنسان الأمانة في أقواله وأفعاله للآخرين الذين لا يوفرونها له، يكون قد حمل أعباء الأمانة..ن وهي أعباء ربما استحال على الإنسان حملها!
ومن هنا فإن الأمانة ربما كانت أعقد من يحملها الإنسان أو من أن يتحمل أعباءها..، ذلك لأنها تعتمد على توافق وصدق أكثر من طرفٍ، وقد تصطدم بالمصالح، وليست الأمانة أولوية لدى كل الأطراف - مقارنة بالمصالح!
ومن هنا فإن الأمانة قد تستوجب العُزلة، وتقليص المعاملات، حيث إنه كلما كثرت المعاملات والتواصل مع البشر كان ذلك على حساب الأمانة!
إننا ننطلق في رؤيتنا هذه للأمانة من مبدأ أن الإنسان – كل إنسان- يحمل الأمانة، وأنه يحملها باختياره وبسبب حاجته الضرورية لها!
( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) .. الأحـزاب 72 .
تشتمل هذه الآية على شروط أو إشارات ثلاث، أعتقد أنها غاية في الدقة والأهمية فيما يتعلق بوصف الأمانة وحملها، فإذا تمّ تجاهل أو تجاوز هذه الإشارات فإن فهم الأمانة وتفسيرها سيشوبه الخلل ! .. والإشارات الثلاث هي:
أولاً: ورد ذكر الأمانة في الآية مُعـرَّفة ( الأمانة ) وليس بصيغة النكرة ( أمانة)، ولذلك دلالة بالغة، فذلك يعني أنّ الحديث هو عن أمـرٍ معروفٍ معلومٍ لدى الإنسان بداهة؛ فلا يحتمل أكثر من معنى ولا ينبغي الاختلاف حوله من حيث الوصف والفهم وتحديد طبيعته وماهيته!
ثانياً: الأمانة المذكورة في الآية لا علاقة لها بطاعة الله وعبادته مباشرة، وإنما هي أمرٌ يؤثر إيجاباً أو سلباً على مصائر المخلوقات وعلاقاتها ببعضها؛ بدليل أنّ مَنْ اختارهم الله لها قد رفضوها ولم يُحسب ذلك عليهم عصياناً، وأنّ الذي حَمَلَها وُصِف بأنه ظلومٌ جهول .. فأمانة بهذا الوصف لا ينبغي ولا يصح ولا يجوز أن يُنسب ريعها أو مسئوليتها إلى الإله!
ثالثاً: تَمَّعَـرَضُ الأمانة على السماوات والأرض والجبال .. ولم تُعرض على الإنسان، وإنما كان الإنسان يحملها بطبيعته وبرغبته - قبل ذلك في علم الله، أو بعده في واقع الحال!
وإنما جاء ذكر الإنسان في الآية من قبيل أنّ الشيء بالشيء يُذكر! وهذا أمـرٌ واضحٌ، ولعله يتضح أكثر عندما ندخل مباشرة إلى وصف ماهية الأمانة ..
فنقول :
إن الأمانة المقصودة في القرآن، والتي يحملها الإنسان العاقل برغبته ويُدرك حقيقتها، ولا يستطيع التنصّل منها ..،
هي ذلك المبدأ السامي الذي لو التزم به كل فردٍ في المجتمع البشري سلوكاً وممارسة، .. لتحول المجتمع البشري إلى مجتمع ملائكي .. بحسب تصورنا للمجتمع الملائكي !
حيث إنه لا يحتاج الإنسان لأن يكون أميناً، ولا يحتاج أن يُدرك معنى الأمانة، كما أنه لا يحتاج أن يكون صادقاً، ولا يمكن وصفه بالأمين أو بالخائن، أو الصادق أو الكاذب .. ذلك لو كان باستطاعة الإنسان أن يعيش منفرداً دون أدنى علاقة أو مساس بما وبمن حوله .!
فالأمانة إذاً، هي ذلك الشرط المرتبط لدى صاحبه بالنية، والمعلوم للآخرين بظاهر القول، والمطلوب لتحقيق التعامل السوي الكامل، من أجل بلوغ الأهداف والنتائج المرغوبة والمطلوبة والمتفق عليها.. بين طرفين أو أكثر من الناس!
فلو أن إنسانًا صادقًا وليس أمينًا، وجَاهَرَ بعدم أمانته، لاستحال عليه التعامل مع البشر .. زواجًا، شراكةً، تداينًا، تواصلًا، ...الخ!
حيث لا بد للإنسان من أن يكون أمينًا أو أن يدَّعي الأمانة أو ألا يُجاهر بعدم أمانته.. لكي يتقبله الناس..، ولعل ما يُلفت الانتباه ويؤكد معنى الأمانة هنا، هو ضرورة وجود شرط الأمانة بإحدى صوره الثلاث آنفة الذكر، مع عدم وجود ضمانة لتتحققه..، وكأن كل ما هو مطلوب، هو عدم السماح بالمجاهرة بعدم الأمانة!
وبهذا تكون الأمانة شأنٌ بشري جَمَاعي - دنيوي بالأساس، ولا حاجة لله بأمانة الإنسان من عدمها..؛
فالأمانة هي عهـدٌ بالنبل والنزاهة والإنصاف، لا تستقر حياة الناس الأسوياء، ولا تكون علاقاتهم ولا تتم تعاملاتهم.. إلا بوجوده، أو بافتراض أو بادعاء وجـوده!
بمعنى أنه في حال ثبات عدم وجود الأمانة، فإنه لا يمكن لتلك الأمور أن تكون أو تستقر أو تستمر !
فالأمانة هي ذلك الأمر المفقود حقيقة، والموجود ادعاءاً في معظم ممارسات الناس وسلوكياتهم.!
الأمانة هي ذلك الالتزام الفردي، الذي لا تستقيم بدونه حياة الجماعة .!
الأمانة هي ذلك الجمال المعنوي الذي يُكسب الإنسان المصداقية التي يحتاجها في تعاملاته!
الأمانة هي تلك الطهارة الروحية التي يتظاهر بها كل إنسان من أجل قضاء مصالحه!
الأمانة هي ذلك الالتزام بأداء حقوق الآخرين .. الأقرباء منهم والغرباء - في غيابهم كما في حضورهم، وفي قـوَّتِهم كما في ضعفهم، وفي بغضهم كما في حبهم!
الأمانة هي ذلك الوفاء الإنساني النبيل تجاه الحق وتجاه الآخرين، والذي يفتخر بامتلاكه ويتظاهر بصونه والمحافظة عليه، حتى أولئك الذين يقتاتون على العبث بجثته!
الإنسان ظلومٌ جهولٌ في شأن الأمانة .. كيف ذلك .!
أ- ظلـوم .. لأنه يطلب الأمانة من الآخرين، ويُشـدّد عليها، لضمان حقوقه ومصالحه عندهم.
بينما يخل هو بالأمانة تجاه الآخرين.. تقليلاً لأعبائه وخسائره.. متوقعاً منهم عدم الانتباه، أو منتظراً منهم تصديق كذبه، أو مستغلاً ضعفهم أو حاجتهم!
ب - جهـول ..، لأنه يخون الأمانة، ويعتقد بأن الآخرين قد صـدّقوا أمانته، فلا يتوقع منهم الخيانة؛ في حين أنه هو ذاته ضحية لخيانة الآخرين، كما كان آخرون ضحية لخيانته! فهو يرى نفسه محصناً ضد خيانة الآخرين بسبب أمانته المزعومة أو بسبب ثقته المفرطة بنفسه وبفطنته، متجاهلاً ضعفه أمام الصعوبة البالغة في المحافظة على الأمانة التي تكفل أداءه لواجبه تجاه الآخرين بالشكل الذي يطلبه هو منهم!
فالأمانة هي تلك الجوهرة الثمينة التي يدّعي كل إنسان امتلاكها لتكتمل إنسانيته، وليحق له وليتمكن من التعامل مع الآخرين ..
حيث لا تتم المعاملات بين الناس إلا على أساس الالتزام بالأمانة من قِبل كل الأطراف في أي معاملة.!
والإنسان الذي لا يحترم الأمانة لا مفر له من الكذب وادعاء أنه يحترم الأمانة .. فهو يحملها بالفطرة؛ لأنه يعلم بأن أيّاً من معاملاته لن تتم إذا كان صادقاً واعترف بأنه ليس أميناً .!
سـؤال مُستحق للقارئ الكريم:
هل يُحاسب الله الإنسان على الإخلال بالأمانة، إذا كانت الأمانة شأناً بشرياً دنيوياً بالأساس! وأين وجه الحق والمنطق في ذلك !
الإجابة: نعـم، يُحاسب الله الإنسان على تفريطه بالأمانة!
ووجه الحق والمنطق في ذلك، هو أنّ الإنسان لا يمتلك - شرعاً - في هذا الكون سوى نفسه!
وكل ما حوله في الحياة هي ممتلكات الله ومخلوقاته، التي لا يحق للإنسان المساس بها إلا وفق شروط مالكها!
وقد شرع الله للإنسان حق التملّك والانتفاع بتلك الموجودات والمخلوقات.. ومنها انتفاع الإنسان بالإنسان!
ووضع لذلك سُبُلاً تكفل الحق والعدل والأمن والأمان .. التي هي أساس سير الحياة وتوازنها واستقرارها! وجعل الأمانة في القول والعمل، هي الأساس لضمان تحقيق ذلك !
ومن هنا فإن التفريط بالأمانة يعني التلاعب والاستهتار بمخلوقات الله، وإهانتها وخذلانها. كما تعني العبث بقوانين الحياة وممتلكات الله.!
والتزام جميع الناس بالأمانة، سينتج عنه أن الإنسان لن يحصل على أكثر من حقه ولا أقل منه، ولن يتعهد بأكبر مما يستطيع، ولن يُغـرَّر به!
وبذلك كان عقاب التفريط في الأمانة يوم القيامة ..، أمراً مفهوماً ومنطقياً ومستحقاً، .. رغم أنها أمرٌ بشري دنيوي!
ولذلك كان حمل الأمانة على البشر أمراً عظيماً أمام مغريات الحياة، وأمام عدم قدرة الإنسان على العيش منفرداً مستقلًا!
والله تعالى وحده أعلم بالحقيقة الكاملة .. فهو سبحانه الحقيقة المطلقة .!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|