الناســـخ والمنســـوخ .. أزمـة فكـــر أم مســألة أمـانة !
يُمكن اعتبار مفهوم الناسخ والمنسوخ بمثابة العصا السحرية للفقه الإسلامي!
فبواسطة هذا المفهوم أصبحت النصوص القرآنية هي الخاضعة للرؤى والتفسيرات والاحتمالات الفقهية البشرية، وليس العكس!
حيث يضع الفقهاء تصورًا شاملًا للشريعة ولما يعتقدون بأنه الصواب، ثم يقومون بتحوير أو بتجميد أحكام النصوص التي تُعارض رؤاهم بواسطة عصا الناسخ والمنسوخ!
وأكثر من ذلك، قاموا بافتراض أحكام، وافترضوا لها نصوص منسوخة ( رجم الزاني)!
فإذا صَحَّ فقه الناسخ والمنسوخ الخاضع لتقديرات البشر، فإن ذلك ينسف كل حصانةٍ للقرآن، ويجعل من تجاوز كل أحكام القرآن أمرًا ممكنًا ومباحًا، ليخضع القرآن لرؤى البشر!
فمصطلح الناسخ والمنسوخ في الفقه الإسلامي، يُشار به إلى وجود نص قرآني لا يُحتكم له، أو وجود حكم شرعي لا نص له في القرآن ... أي: أن نصاً قرآنياً قد نُسِخ – بمعنى أنه تم رفعه (حـذفه) من القرآن وبقي حكمه.
أو أن نصاً قرآنياً أُنسي للرسول – نسيه الرسول بأمر الله – وبقي حكمه.
أو أن نصاً قرآنياً يُتلى وحكمه منسوخ - لا يُعمل به، وذلك بحكم نصٍ آخرٍ يُتلى كذلك –أعقب المنسوخ من حيث النزول ونسخه.
أو أن يتم نسخُ أحكام نصوص قرآنية صريحة واضحة الدلالة، بأحاديث منسوبة للرسول، أو بإجماع أو بقياس.
وقد تم اعتبار أو اعتماد هذا المفهوم كباب واسع وأصل من أصول الفقه الإسلامي المُلزمة بأحكامها لكل المسلمين.
أقول إن الناسخ والمنسوخ، بهذه الصورة وما تقتضيه من اعتقاد يمس قداسة القرآن واكتماله وحفظه..، بأن يكون في القرآن ما لا يُعمل به، وأن من شريعة الإسلام ما ليس في القرآن، .. كرجم الزاني المحصن، وقتل المرتد .. تلك الأحكام التي أُضيفت إلى الشريعة الإسلامية كنتيجة لاجتهاد المجتهدين، ولا وجود لها في القـرآن، بل إن في القرآن ما يُخالف هذه الأحكام صراحة.!
أقول إن الناسخ والمنسوخ بهذا المعنى وهذه النتيجة، هو باب خاطئ، واجتهاد غير صائب، ومساس بحرمة القرآن وقدسيته.
وأعتقد جازماً بأن المسلم الفاعل – غير المُهمّش -، الذي يعي معنى التكليف، والمُدرك لرسـالته وأمانته تجاه دينه، المتدبّـر لكتاب الله .. لا يُمكنه قبول الأحكام المترتبة على هذا الفقه .. إلا مرغماً أو غافلًا!
وأقول إن الأمر يختلف، فيما لو كان الاعتقاد بالناسخ والمنسوخ ليس ملزماً لكل المسلمين، وإنما يقتصر على اعتقادِ فقيهٍ بذاته وفي مسألة بعينها – محددة بشخوصها وزمانها ومكانها .. فذلك شأن من قال به ومن اعتقد بصوابه، ولا يُلزم سائر المسلمين حكمه ولا وزره .. إلا من حيث محاورة المجتهد بطلب الدليل منه أو إقامة الحجة عليه صوناً لقداسة القرآن وحرمة الشريعة!
صُلبُ المـوضــوع
إن من أبرز النصوص القرآنية التي يستدل بها ويستند لها من يؤمنون بعقيدة أو فقه الناسخ والمنسوخ، هو ما ورد في قوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة106 .
أقول ..، إن الذين استندوا إلى هذا النص القرآني في استدلالهم على وجود الناسخ والمنسوخ في نصوص وأحكام القرآن، قد انطلقوا من أساسٍ وفهمٍ خاطئين كل الخطأ، حيث إنهم اعتبروا أن مدلول لفظة ( آية)، يُشير إلى نص قرآني. .. فهم مخطئون منطلقاً واستنتاجاً واعتقاداً .. كما سأوضح لاحقاً .. بحول الله .. وكما سبقني وقال وكتب في ذلك آخرون، ممن أحسبهم قد استبرأوا لدينهم ولأنفسهم .. بنفيهم لصحة هذا الاعتقاد !
ولكن أقول أولاً، وعلى افتراض صحة أساس واستنتاج فقه الناسخ والمنسوخ استناداً إلى هذا النص القرآني الكريم .. وهو ما لا أعتقد به. .. على هذا الأساس وهذا الفهم، فإن القرآن صريح والدلالة في هذه النقطة واضحة، وهو أن كل ما تم نسخه قد تم الإتيان بمثله أو بخير منه. وهو الأمر الذي لا يتحقق في حال آية الرجـم .. مثلاً ! فهذه آية يعتقد أتباع فقه الناسخ والمنسوخ، بأنها كانت موجودة في القرآن ثم نُسخت، وبقي حكمها! وكان عليهم أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال! إذا كانت آية كآية الرجــم قد نسخت، فإنه ووفقاً للآية السابقة التي يستندون لها، فإنه لا بد أن الله قد أتى بآية مثلها أو بخير منها .! فأين ذلك في كتاب الله المحفوظ !! .. إلا إذا كان هناك من المسلمين من يعتقد بأن الأحاديث المنقولة بالروايات عن طريق البشر، والمنسوبة إلى النبي، .. تلك الأحاديث التي كان الرسول قد نهى الصحابة عن كتابها .. إذا كان هناك من المسلمين من يعتقد بأنها خيرٌ من آيات الله، أو مثلها !!، وهذا كلام لا يقول به مسلمٌ إلا عن قلبٍ غافل، حيث يضع القرآن المحفوظ من عند الله، بمنزلة مساوية أو تقل عن الأحاديث التي ثبت دخول التحريف والتزوير ساحتها، والتي قام بتصحيحها وحِفظها بشرٌ مثلنا لا عصمة لهم من الخطأ والنسيان والزلل! وهي التي – أي الأحاديث - وكما أسلفنا - كان الرسول قد نهى عن كتابتها تبرئة لذمته في صون كتاب الله وأحكامه، وإبلاغاً للرسالة والأمانة كما وصلته من ربه .. دون زيادة أو نقصان.
...........................................................
ثانياً: إن مدلول لفظة آية لا يُشير من قريب ولا من بعيد إلى نصوص القرآن وألفاظه. وإنما كلمة " آية " في اللغة تعني الأمارة والعلامة والعبرة.. ( المعجم الوجيز). ومدلول "آية" من واقع القرآن يعني كذلك العلامة والعبرة والأمارة، ويعني أيضاً - وهو في ذات السياق- معجزات الله الحسيّـة التي تفوق قدرات البشر وتخرق ناموسهم الذي تعارفوا عليه؛ وكذلك تعني رسالاته السماوية على أيدي رُسله. فالمعجزات هي التي قد ينسخ بعضها بعضاً، والرسالات وهي التي ينسخ آخرها سابقها.. كما كان من آيات عيسى (أي معجزاته) حيث نسخت ما قبلها وهي آيات موسى، ونسخت رسالة الإسلام ما قبلها .وكما جعل الله بعض آياته باقية دائمة ليتدبرها الإنسان كآيتي الليل والنهار وجعل إحداهما تنسخ الأخرى مؤقتاً { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً }الإسراء12 .، كذلك فقد أنسى الله بعض آياته التي كانت في أزمانٍ غابرة بالنسبة لإنسان اليوم، ولم يذكرها الله في كتابه فلا نعرف عنها شيئاً !!
وأُجيز لنفسي في هذا المقام، أن أقول متسائلاً : إنه لو كان معنى لفظة آية هو جزء من سورة من سور القرآن، لكان الله سبحانه وتعالى قد تحدى كفار قريش بأن يأتوا بآية من مثله، أو ربما كان الكفار قد تطرقوا إلى هذه النقطة! حيث إن الله قد تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله وليس بآية. فهل بإمكان أحدٍ اليوم القول إن الكفار كانوا عاجزين فقط عن الإتيان بسورة ولم يكونوا عاجزين عن الإتيان بآية، ولذلك تحداهم الله بسورة وليس بآية .! لو أن الآية كما يعتقد هؤلاء، هي نص قرآني - جزء من سورة .. أستغفر الله العظيم ..
بل إن ذلك التحدي كان دليلاً واضحاً وثابتاً على أن الآية ليست نصاً أو لفظاً قرآنياً، حيث إن ما حدث هو العكس، فكفار قريش هم الذين تحدوا الرسول أن يأتيهم بآيةٍ .. في حين تحداهم هو أن يأتوا بسورة.. { بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ }الأنبياء 5.
معنى الآية التي يطلبونها هنا واضح، وهي معجزة حسيّة خارقة لناموس الحياة وما اعتاده البشر، والتي تدل على أن من أتى بها ليس بشراً مثلهم، بل هو إنسان مؤيد بمعجزة من الخالق! وهنا دليل على أن أساس القرآن هي السور، ولا وجود لمصطلح الآيات أصلاً .. كاسمٍ أو وصفٍ لنصوص القرآن !!حيث إن لفظة آية ليس هناك ما يُشير إلى أن مدلولها هو جزء من نصوص القرآن .. إلا اصطلاحاً .وما اصطلح على تسميتها بآيات، هي ليست دائماً محل إجماع من حيث العدد.. بينما يتوفر الإجماع حول عدد السور. فسورة الفاتحة مثلاً، يوجد من المسلمين من يعدها سبع آيات ومنهم من يعدها ثمان، وقيل تسع . وكذلك العدد الكلي لما اصطلح على تسميته بآيات القرآن، لم يكن موحداً بين أهل البصرة والكوفة والمدينة - في زمن من الأزمنة. ولا شك أن الكثيرين منا مطلعون ويعلمون بأن تحديد الآيات في كل سورة، إنما جاء عن طريق الروايات، ولم يُسمّها ولم يُحددها الرسول الأمين على رسالته. حيث إنه وبعد وفاة الرسول – والتاريخ ليس محدداً فيما أعلم -، فقد تساءل المسلمون – في عصر الصحابة - حول مواضع الوقوف عند قراءة القرآن، فقال بعضهم إنه سمع الرسول يقف عند هذه الكلمة من كلمات القرآن أو تلك، فاجتهدوا للاتفاق حول تجزئة السور إلى نصوص يسهل قراءتها، واتفقوا على مواضع للوقوف عندها ..، ثم إنه وفيما بعد اتفق اللاحقون على تسمية أجزاء السور تلك بالآيات. ولا أظنه يُعرف تحديداً تاريخ هذه التسمية، أو من وضعها.
.................................................................
أما المدلول الحقيقي للفظة آية، فإن الله سبحانه وتعالى لم يتركه للروايات، كما لم يتحدَ بآياته أحداً من خلقه بأن يأتي بمثلها، لأن الآية هي معجزة إلهية حسيّة تُبهر وتعجز الإنسان، ولا يمكن لغير الله الإتيان بها إلا بإذنه وبأمره.. وقد حدد مدلول الآية بكل وضوح في كتابه العزيز ... يقول تعالى }وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }البقرة248 .
}قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ }آل عمران41 .
}وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران49 .
}قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ {المائدة114 .
}وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {الأعراف73 .
}فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ }يونس92 .
}وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }يوسف105 .
}يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }النحل11 .
} وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً }الإسراء12 .
}وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى }طه22 .
}بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ }الأنبياء5 .
}لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ }سبأ15 .
}وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ }يس33 .
..............................................................................
ولا شك أن المعنى قد تشابه والمفهوم قد اختلط على البعض، وذلك بسبب ما ترسّخ في أذهان المسلمين من أن مدلول لفظة آية، هو أنها نصٌّ من القرآن.
ولذلك فإنه ليس من السهل على الكثيرين منا اليوم، الوقوف عند حدود المدلول الحقيقي والاصطلاحي للفظة آية والتفريق بينهما، لاسيما عندما يقترب المعنى الحقيقي حسب سياقها في القرآن من المعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه فقهاء مسلمون قديماً، وانتشر بين المسلمين وانطبع في أذهانهم.
وكمثال، لتوضيح الالتباس الحاصل لدى البعض بسبب صعوبة التفريق بين المدلول الحقيقي والاصطلاحي للفظة آية في موضع من القرآن، وسهولته في مكان آخر .. فلنلاحظ .. قوله تعالى : {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {..البقرة 73 .فالمدلول الحقيقي واضح هنا، وهو آية حسية مباشرة مبينة ومعجزة للبشر .بينما في قوله تعالى : {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }البقرة129 . هنا سيذهب الذهن بالبعض مباشرة ودون تفكير إلى المعنى الاصطلاحي نظراً لترسّخه في أذهانهم، ونظراً لقرب السياق من المدلول الاصطلاحي، وبسبب عدم تركيزهم وعدم اصطحابهم للمدلول الحقيقي للفظة آية عند تدبرهم للنص ...
ولكن، مع شيء من التأمّـل، وباستحضار المدلول الحقيقي للفظة آية، والذي نجده واضحاً في كل وصريحاً في جل مواضع ورود اللفظة في القرآن ..، فإننا نلاحظ، أن مدلول المفهوم الاصطلاحي للفظة "آياتك" مشمول بمدلول لفظة الكتاب في النص المذكور أعلاه. وأن آيات بالمدلول الحقيقي هو الذي تشير له كلمة آياتك في النص، فهو ليس مشمولاً بمدلول لفظة الكتاب. .. ونلاحظ أنه قال يتلو عليهم آياتك، ولم يقل يُعلمهم آياتك، بينما قال يُعلمهم الكتاب والحكمة، ولم يقل يتلو عليهم الكتاب والحكمة. وكما هو معلومٌ بالضرورة فإن التعليم لا يكون إلا لما يستطيع الإنسان تعلمه، وأحسبه هنا بمعنى القراءة والحفظ والاستيعاب وفهم كيفية العبادات والشرائع والأحكام المختلفة وما فيها من حكمة ومصلحة للناس ... الخ. .. بينما" يتلو " هي بمعنى يذكر واحدة تلو الأخرى .. حيث إن آيات الله كثيرة في كونه، ولكنها تحتاج إلى من يتأمّل ليبصرها ويتلوها على الغافلين مذكراً لهم .. قال تعالى : } أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ }سبأ9 .
........................
وتجدر بي الإشارة، إلى أن ما أقوله هنا ليس دعوة لعدم استعمال هذا الاصطلاح ( آية أو آيات) . فذلك ليس من شأني – حتى الآن على الأقل- بل هو وبشكل عاجل من شأن من يقولون به، وينشرونه دون إيضاح لمدلوله الحقيقي أو دون دراية به. ولكن ما أقوله هنا هو إنه يجب الانتباه، إلى أن استعمال هذه اللفظة أو سواها، دون دراية ودون تنبيه لمدلولها الحقيقي الذي يطمئن له القلب ويستقر به بمجرد سماعه، .. إن استعمال الألفاظ وانتشارها بهذه الصورة يضر بالمعنى في موضع اللفظة، ويؤدي إلى خلط المفاهيم في مواضع أخرى.
....................................................................
أما منأغرب ما يمكن أن يقرأه أو يسمعه المسلم العاقل من مسلمٍ عاقل، حول تبرير فقه الناسخ والمنسوخ، فهو قول البعض وتساؤلهم، .. كيف يمكن تفسير الآيات المتعارضة ظاهرياً من حيث الحكم، بدون قاعدة الناسخ والمنسوخ.؟ ولعل هذا كان أحد أهم الأسباب وراء ظهور مصطلح أو فقه الناسخ والمنسوخ! وأنا في هذا الصدد أتساءل: هل عجزُ المسلم عن التوفيق بين حكم آيتين يُبرر له نسخ إحداهما، أو يُجيز له ابتداع آلية يُبطل بها حكماً محفوظاً منصوصاً عليه في القرآن، ويفرض بها آخـر باجتهادٍ من عنده. هل بعد ذلك تقـوّل على الله بغير علم، وتطاول على كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه !! أليس الفهم المطابق للفطرة والتفسير الموضوعي للآيات المتعارضة في ظاهرها هو أنه لكل مقام حُكْمُهُ ..، كما في تفسير الآيتين( 65 ، 66 .. الأنفال(
}يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } الأنفال65.
}الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ { الأنفال66.
بأي وجه حق يتم اعتماد تفسير واحد .. هو أن الآية الثانية تنسخ حكم الآية الأولى؟ مما يعني أن مُبرر نزول الآية الأولى قد زال إلى الأبد، وهو ما لا يستطيع أحدٌ إثباته ! ومما يعني كذلك – وفق هذا الفهم وهذا التفسير-، أن الضعف قد استمر مع المسلمين منذ تلك اللحظة، علماً أن الضعف المقصود في الآية لا يستطيع أحدٌ التكهن به، .. وإلا لو كان ذلك مُتاحاً للبشر، لأُتيح للرسول الذي لم يعلم به حتى أخبره به الله!
فلماذا لا يوجد تفسيرٌ آخرٌ، يعكس نص الآيتين مباشرة .. بلا ناسخ ولا منسوخ؛ وهو أقرب إلى منطق العقل والواقع، ولا يتجرأ على كتاب الله المحفوظ ..،
مثلاً .. النسبة المحددة للمؤمنين في مقابل الكافرين في الآية الأولى، لم يُبررها الله بقوة المؤمنين، بل بررها بضعف الكافرين .. بأنهم قومٌ لا يفقهون..!
أما النسبة الثانية فقد بررها الله بضعف المؤمنين .. الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً..!
فيكون حكم أيٍّ من الآيتين نافذاً بحسب توفر شرطه! فليس كل الكفار يجهلون كل الأمور ودائماً؛ وليس المؤمنون أقوياء دائماً !!
...............................................................
أخيراً أُحب أن أشير إلى نقطة أجدها بالغة الدلالة والأهمية للباحثين والمتدبرين في القرآن، وقد لا ينتبه لها الكثيرون .. ألا وهي أن الآية الأبرز في موضوع الناسخ والمنسوخ .. }مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {البقرة106 . نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى، قد اختتم النص بقوله "على كل شيء قدير" . فإذا عرفنا من القرآن أنه حيثما كان اختتام النص القرآني بـ( على كل شيء قدير )، كان النص يذكر أو يصف مخلوقات مادية عظيمة أو ظواهر طبيعية أو معجزات حسيّة خارقة، أو أفعال عظيمة تفوق ما يتحمله الإنسان أو يألفه أو يستطيع فعل؛ فإن ذلك سيُرسل إشارة تستوجب التوقّف عندها !!
فعدد النصوص القرآنية التي تنتهي بـ( على كل شيء قدير )، هو 35 نصاً أو يزيد.. وجميعها لا تتحدث عن كلام الله أو كلام البشر، وإنما تتحدث عن عظائم الأمور والمخلوقات المادية المجسمة المحسوسة التي لا مناص للبشر من التسليم بعظمتها والوقوف عندها .
ولا أعتقد بأن أمرٍ كهذا سيمر على اللبيب دون أن يقرأ فيه دليلاً بالغاً على أن الآية المذكورة في النص ( ما ننسخ من آية)، والذي اختتمه الله بقوله، على كل شيء قدير/ إنما هي آية حسية بمعنى معجزة أو خلق مادي عظيم، وليست آية بمعنى نص قرآني ... فالنص القرآني عظيم معجزٌ بدقة ودلالة لفظه، وفصاحته وحكمته؛ ولكنه معجزة لا يراها إلا أولوا الألباب ومن هدى الله من عباده. بينما الآيات هي معجزات عملية خارقة للناموس والقياس والصنع البشري .. فيخر أمامها من آمن من البشر ومن كفر. ولنقارن بعض النصوص القرآنية، ولنلاحظ اشتراكها في الانتهاء بـ( على كل شيء قدير)..
}مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {البقرة106 .
}وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }النور45 .
}قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {العنكبوت20 .
} فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {الروم50 .
}الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }فاطر1 .
} وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }فصلت39 .
}أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }الأحقاف33 .
....................................................................................
بالإشارة إلى كل ما سبق التدليل به من نصوص قرآنية لا يختلف عاقلان على دلالتها. فإنني لا أجد مبرراً ولا مكاناً بين المسلمين المؤمنين بحفظ الله للقرآن، .. لما يُسمّى بفقه الناسخ والمنسوخ، ولا أجد له معنىً شرعياً !
وأرى أن كل ما هنالك هي اجتهادات أخطأ أصحابها أو أصابوا؛ ولكن ما كان ينبغي لهم إقرار وتثبيت وتعميم الأحكام الناتجة عن اجتهاداتهم.. لأن في ذلك ادعاء منهم وممن دعا بدعوتهم وعمل على تطبيقها .. ادعاء بأنهم مكلفون بالاجتهاد دون غيرهم، وأنهم معصومون من الخطأ. وليس ثمة خطأ أكبر من أن يـدّعي الإنسان العصمة، وليس ادعاء العصمة سوى أن يفرض المجتهد آراءه واجتهاداته واستنتاجاته وفهمه الخاص للدين على عموم المسلمين وإلى الأبد ..، حيث لا يستطيع المسلمون التراجع عن نتيجة ذلك الاجتهاد بعد موت المجتهد، ويصبح الطعن فيه بمثابة طعن في الدين، فينقسم المسلمون وتلك أنسب البيئات لنمو الفتنة وانتشارها !!
فلا ناسخ ولا منسوخ، ولا يوجد في كتاب الله ما هو باطل الحكم، ولا يصح ولا يجوز أن يؤتى بحكمٍ يُخالف نصوص القرآن ثم يُسمّى ذلك الحكم شرعاً ويُطبق على المسلمين دون مناقشة ودون حجة تطمئن لها قلوبهم !ولا يجوز أن تُـدار أعناق الألفاظ لتغيير دلالاتها – كلفظة آية، ولفظة تأويل، ولفظة أُمة، .. لتتخذ التفسيرات مسارات خاطئة، ومن ثم يبتعد المسلمون بالأمور عن مقاصدها الشرعية، .. وكل ذلك تحت مُسمّى أو ترخيص الاجتهاد الذي وضع شروطه وأجازه بشرٌ عاديون لبشرٍ مثلهم، ثم أضافوا نتائجه لدين الله وألزموا عباده بإتباع رؤاهم وتخميناتهم دون مناقشة!
فالله لم يوكل حفظ كتابه لبشر، ولم يُكلف عباده بغير ما حفظه لهم في كتابه المُيسّـر بفضله للـذكـر ..والله يعلم وأنتم لا تعلمون ..
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر.
|