الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » فكــر ودِيـن » ألفاظ ودلالات .. ( التأويل) .
| أضيف في: 16/12/2008 | |||
|---|---|---|---|
ألفــاظ ودلالات .. ( التأويل ) .. لفظة " التأويل " هي من أوضح الألفاظ دلالة في القرآن الكريم؛ ومع ذلك فهي من أبعد الكلمات عن مواضعها وموضوعاتها استعمالاً في الثقافة العربية السائدة.. تقريباً؛ .. حيث يتم تداولها على الساحة الرسمية والدينية .. كمرادف للفظة تفسير، وأحياناً بمعنى إعادة الأمر إلى أصوله أو جذوره، وأحياناً بمعنى لي أعناق الألفاظ لتغيير دلالاتها بما يُناسب هوى المتحدث أو الكاتب ... ويتم تداولها على الساحة الشعبية والإعلامية – غالباً- كمرادف لكلمة تحريف أو تشويه أو تحوير .. والخطأ في كل الأحوال كبير. ولا أَدّعي هنا بأنني لستُ مسبوقاً بالبحث والإشارة إلى المعنى الصحيح لهذه الكلمة. ولكنني أعتمد القرآن الكريم مباشرة كمرجع لغوي ومعين فكري دون غيره، في موضوع دلالات الألفاظ. ونحن هنا بصدد لفظة تأويل .. ( أوّل يُـؤّل تأويلاً .. وهي تشير إلى مآل الأمر النظري أي تحققه عملياً .. مستقبلاً ). تجـدر الإشارة إلى أن تفسير بعض النصوص القرآنية قد تأثر سلباً بسبب الخلط في فهم دلالة هذه اللفظة.. من وجهة نظري . فلفظة " تأويل " حيثما وردت في القرآن الكريم نجدها تشير إلى أمورٍ أساسية ثلاثة، هي : 1- أن التأويل معناه علم من علوم الغيب، لا ينبغي لغير الله. 2- أن التأويل هو إحدى معجزات الله وآياته التي يؤيد بها من شاء من رُسله. 3- أن التأويل هو التنبؤ بكيفية تحقق الأمر مستقبلاً، استناداً إلى إشاراتٍ نظرية تتعلق به - تحصل في الحاضر. ونجد أن أنسب المواضع والمواضيع لاستعمال لفظة " تأويل " في شئون الناس هو استعمالها عند الحديث عن التنجيم والأحـلام، وما يُسمّى بقراءة الكف والفنجان.. وما شابه. فالأحلام تـُؤوّل ولا تُفسّـر. ومن الخطأ الشائع قول البعض " تفسير الأحلام "، والصحيح " تأويل الأحلام " . وهذه دلالات لفظة " تأويل " مشروحة ومفصلة بالنصوص القرآنية الصريحة : 1- التأويل هو نتيجة عمليّة مستقبليّة لأمرٍ نظري حاضر أو ماضٍ . {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }الأعراف53 . {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ }يونس39 . 2- التأويل هو تنبؤ بالغيب، وهو من المعجزات، فلا تنبغي إلا لمن اجتباه الله من الرُسل. . {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }يوسف6 . {...، وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 . {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }يوسف36 . {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }يوسف37 . {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }يوسف101 {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً }الكهف78 . {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً }الكهف82 . التأويل في الآيتين الكريمتين من سورة الكهف، إشارة إلى ما كان يدور في نفس موسى- عليه السلام، حيث إنه كان يرى أحداثاً تجري أمامه ففسرها في حينها ولم يستطع تأويلها، أي أنه رأى فيها ما يُؤكد سلبيتها، ولم يستطع التنبؤ بنتيجة عملية إيجابية لها في المستقبل! 3- التأويل هو قراءة لدلالة الأحلام .. {قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ }يوسف44 . {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }يوسف100 . ................................................................... فالتأويلُ إذاً، هو الاستناد إلى الإشارات الدالة على أمرٍ ما في الحاضر .. للتنبؤ بما سيؤول إليه - أي ما سيكون عليه – ذلك الأمر مستقبلاً عندما يتحقق عملياً. وليس التأويل هو التحريف أو التحوير أو التفسير، ولا هو إرجاع الأمر إلى جذوره أو أصوله .. كما هو سائد. ولعل الفهم الخاطئ لمدلول لفظة تأويل، هو ما جعل كُتبنا التراثية وثقافتنا العربية السائدة .. تعج بألقاب " عُـلـماء ". حيث يستحق لقب عالم .. كل من قرأ واستوعب عدداً من كتب الفقهاء والمفسرين السابقين، وأصبح مُلمّاً بتفسيراتهم المتعددة والمختلفة للقرآن، وحافظاً لآرائهم الفقهية .. فكان السبب في إطلاق لقب علماء عليهم هو التفسير الخاطئ لكلمة تأويل، وقراءة النص القرآني التالي وفق ذلك التفسير: قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }آل عمران7 . ولعل القارئ الكريم يُلاحظ الخلط هنا .. فالنص واضح .. من أن التأويل أمرٌ لا يعلمه إلا الله. والذين يبتغون تأويل الكتاب( والكتاب هنا ليس بالضرورة هو القرآن، بل يمكن أن يكون أمر الله) من البشر وصفهم بأن في قلوبهم زيغ، ولم يقل بأنهم علماء. والراسخون في العلم – أي العلماء – يقولون آمنا به كل من عند ربنا .. أي الآيات المحكمات والمتشابهات كلها من عند الله . وما يـذّكّـر إلا أولوا الألباب ... والله تعالى أعلم، والله من وراء القصد .. مع تحياتي .. أبو بكر سليمان أبو بكر. |
|||
|
|
|
|
|
|
خيارات الـمقـال : |
|||
التعليقات
|
||||
|---|---|---|---|---|
|
||||
|
|

