( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال )  ...   قراءات صامتة في مشاهد ناطقة!  ...  ... إننا نَبغضُ الموتَ لا نعلم منه سوءاً نرفضه.. ونطلب حياةً ليس لها علينا فضلٌ نذكره! ... فإن كان لدى بعضنا لحب الحياة أسبابٌ، فَلَدَى جُلِّنا لطلب الموت أسباب وأسباب!  ... إنه لا يوجد معنى آخر لأن يَشْهَدَ الإنسانُ أمراً، إلا أن يراه! فإذا أجزنا للغائب أن يشهَدَ بما لم يره، وجب علينا تصديق الكفيف برؤيته لما لا يمكن أن يراه..، وكذا الإيمان بوجود ما لا وجود له!  ..  إنه لا يمكن للأعمى أن يشهدَ أمراً وإن كان له حاضرا، ولا يمكن للغائب عنه أن يشهده وإن كان مبصرا!  ...  وما شهادة الإنسان من خلال الآخرين إلا من صُنُوفِ التعصُّب والغباء والضعف والكذب!  ...  إن ما لا يُدرِك الإنسان حقيقة وُجُوبه لا يملك مبررات فعله، وما عـزَّ تبريره كان من العبث إتيانه، فإذا كان عِقاب العابثين مبرراً، فإنه ليس للعبث من الثواب نصيب وإن أصاب العابث!  ...  لا يجمع الأخلاق بالخوف والطمع جامعٌ، فإذا كان السلوك بدافع الخوف والطمع، كان خلو الأمر من الأخلاق تحصيل حاصل! ...   إذا أُزيح العقل والضمير عن معادلة الحساب العادل، بات الاعتقاد بوجوده ضرباً من ضروب الوهم والخيال القاتل! ... فالعقل مِقود الإنسان، والضمير مراقب العقل! .. رسالةُ العقلِ تحقق الحياة وفق الحقيقةِ، ووظيفة الضمير تحقيق الأمانة في الحياة!  ... عقول الآخرين لا تكون حُجَّة للعاقل ولا حُجَّة عليه، فلا يكون خضوع العاقل لعقل غيره إلا نتيجة لجهلٍ أو ضعفٍ أو تعصُّبٍ ..، وليست تلك من معالم طريق الأمانة والحقيقة!  ...  لو جاز أن تكون عقول الآخرين حُجَّة للإنسان أو عليه، لكان كل المُقلِدين الخاضعين لعقول غيرهم مهتدين – مهما تكن نتائج خضوعهم وتقليدهم، ومهما تعددت واختلفت أسبابهم..، فسلوكهم كان بهَدي الآخرين، واختلاف العقول بات حُجَّةً للتابعين،.. وليُصبِحَ حينها من العبث اعتبار العقل مناطاً لتكليف العاقل، وسبباً لحسابه!   ...  لا تكون المقارنة إلا حيث تجوز المفاضلة، ومتى جازت المفاضلة كانت كل أطرافها باطلة، فما تكون المقارنة والمفاضلة إلا في غياب الحقيقة الفاصلة، .. ومتى غابت الحقيقة الفاصلة، تساوى الفعل وعدم الفعل، وكان عدم الفعل أحق وأولى من كل فعل!  ...  لعله لا معنى لعلاج الألم إذا بقي أصل الداء قائماً، ولا معنى لفضح الوهم إذا كان مصدره في النفوس مُقـدَّساً!  ...  تساؤلات ..  هل من قبيل المصادفة أن تكون كل الأحكام المُخالفة للعقل، والهادمة للمنطق والإنسانية في تشريعات الأديان السماوية، كلها تستند إلى روايات تاريخية - لا أصل لها في كُتُبِها الأساسية! .. تلك الأحكام التي تُعاقب الإنسان على فطرته، وتُحاسبه على ضعف طبيعته، وتُجرِّمه على غريزته!  ..  وهل من قبيل المصادفة أيضاً أن تكون كلها مفصلة على مقاس الضعفاء والتُعساء، ومؤداها بث الرعب في نفوسهم وتكريس ضعفهم وتعاستهم وإنتاج المزيد منهم..،  أولُها خداع الصبيان وتلقينهم الإيمان - توريثاً وإغراءً وتهديدا! ..  ثانيها قَتلُ العاقل الحر إذا استعمل عقله ورفض الاعتقاد تقليدا! .. ثالثها حِرمان المحتاج من فسحة الخلاص الوحيدة- قرضاً يُعينه على حياته الزهيدة! ..  رابعها إغلاق كل باب أمام البائس حتى تخور قواه وعزائمه أمام غريزة ليس بخالقها ولا يصطنعها، ثم قتله رجماً - كأشنع وأبشع ما يكون القتل - وكأنه قد فعل ما ليس كل الخلائق تفعله وتفعل فوقه المزيد! .. خامسها تشكيك العاقل بعقله، كي يخشى السؤال ويقبل كل ما له يُقال دونما تفكير وتحديد!  ..  سادسها تقديس التقليد وجعل ناقليه ورواة التاريخ أسياداً معصومين، وتسفيه الحاضرين وجعلهم للسابقين تُبَّعاً وعبيدا؟  ...  كيف يُراد للإنسان أن يعتقد بأنه عاقل ومُحاسبٌ لأنه عاقل، مع الاعتقاد بأن ناراً وجَنَّةً أُعدَّت لبشر كل رسالتهم هي التشبّه بغير العاقل، وتصنّع الجهالة وافتعال التغابي وتجاهل العقل والمنطق، تمهيداً وتبريراً لانصياع وانقياد مخلوقٍ لمخلوق، وتكريساً للاعتقاد بأنهم أقل من أن يُدركوا حقيقةً سيُحاسبون وفقها، وتنظيراً بأن المفلحين هم مَنْ حَفِظوا ونقلوا عن غيرهم عن غير فهمٍ وأكثروا الترديد..، وكأن الإله سيبعث ويُعاقب ويُكافئ أدوات تسجيل، لا تملك من أمرها سوى أن تحفظ وتُردِّد ما يُلقى عليها، وتفعل ما يُطلب إليها، ولا تُدرِك معنى لما يُقال حولها، ولا تعرف سبباً لما تفعل هي ولا لما يُفعل بها..،  أليست الحقيقة هي أنه لا فضل ولا ثواب لفاعلٍ فيما فعل، إذا لم يكن يُدرك حقيقة ما فعل، وليس له إلا أن يفعل ما فعل! .. أليس مَـنْ اعتَقَدَ بأنه أقل من أن يُدرك حقيقة رسالته، يكون قد اعتَقَدَ بأنه ليس أهلاً لأدائها، ولا معنى لتكليفه بها، وفي ذلك طعنٌ صريح في حِكمة من أعـدَّه لها! ..  إنَّ مَـنْ أفتى بجواز التقليد وقُدسية الإتِّباع - بحُجَّة فارق المعرفة، فقد أفتى صراحة بشرعية كل سلوكٍ ينجم عن التقليد وفارق المعرفة!  ... ( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال ) ...     كيف نشأ الوهم في وجود العقل! وكيف يعيش الجهل في جـوار العلم؟  ...   لا يتوهَّم الإنسان إلا ما يفتقده وما يخشاه!   ...   الإثبات هو آية العلم، والنفي هو حُجَّة الوهم!   ...  في عُرف الواهمين: كل ما لا يمكن نفيه، وجب الاعتقاد بوجوده - في الأذهان، وإن لم يكن له وجود في الزمان المكان!  ...  في حسابات العلم: ما لا سبيل لإثبات وجوده في الزمان أو المكان، فلا معنى لبقائه في الأذهان! ... بمنطق الفلسفة: كل ما لا يمكن إثباته لا يَلزم الاعتقاد بوجوده!  ...   بمنطق الفكر الحر: معادلة الحساب والعدل تستوجب الاستناد إلى البرهان والعقل، ولا معنى للمسئولية عن أمرٍ يخضع لمزاج القَدَر، وغياب الدليل حُجَّة الصادق أمام العادل!   ...   مِن البشر مَن بلغ بهم الوهم غايته، حين جعلوا من استحالة النفي سبيلاً لإثبات الوجود! فافترضوا وجوداً لكل ما لا يمكن نفيه، ثم ألزموا أنفسهم بما ترتب على افتراضاتهم، فأصبحوا كائنات قوامها الوهم، وليس ذلك سوى سلوك الجُهلاء عند فرارهم من مواجهة حقيقةٍ طَرَقَ العقل أبوابها وأوشك العلم على بلوغ أعتابها!   ... إنه إذا آمن البعض بأن وجوداً كان من عدم، فلا قيمة لنفيهم لرجوع ما كان إلى ما كان إلى العدم! ... عندما يُفتضح أمر الواهم، تنطق وقاحته، فيتهم الصامتين بالجهل والناطقين بسوء النية! ...  لطالما كان الشيطان رمزاً ومصدراً لكل الشرور مجهولة المصادر، لكن بات على البشر اليوم أن يبحثوا للشيطان عن تهمة جديدة، تُبقيه حياً في أذهانهم وتُبقي عَدَاءَهم له مُبرراً، فقد أصبحت كل الشرور معلومة المصادر بشرية التنفيذ والمنابر!  ...  الحياة بناء ثقيل، قائم على أكتاف المخلصين والعبيد والأغبياء والواهمين، بينما يعج جوفها بالتفاهات والتافهين، والمآسي والعابثين!   ...  التُعساء من البشر، هم أشد الكائنات الحية حرصاً على التزاوج بقصد الإنجاب، وليس ذلك أداءً لواجب، ولا حُباً منهم لأبناءٍ يجهلون صورهم وسلوكهم ومصيرهم، لكنه الوهم وخداع الذات للذات..،  إنهم كعاطل العمل يعمل متطوعاً - دون مقابل- درءاً لمسبةِ بطالةٍ يُمارسها!  ...  عبدان أحدهما أحمق والآخر جاهل، الأول يرفض أمر سيده، ثم يخضع لعقابه دون مقاومة، والثاني يُطيعُ عبداً مثله، وينتظر الجزاء من سيدٍ لا يعرفه!   ... عاقلان كلاهما أغبى من الآخر، الأول يعتقد أن وظيفة العقل لدى اللاحقين هي تقليد السابقين، والثاني يُقلِّد غيره ويعتقد أن كل المُقلِدِين عداه على باطل!   ...  ليست الحقيقة المصيرية شيئاً مفقوداً ننتظر العثور عليه، بل هي أمرٌ افتراضي عجزنا عن تصوره والاتفاق حوله! ...  إننا لا نعاني غياب الحقيقة، بقدر ما نعاني نُدرة المخلصين في بحثهم عنها، القادرين على التفريق بين البحث عن حقيقة ضائعة، والاتفاق حول حقيقة مفترضة!  ...  ...  الحرية في ثقافة العبيد، هي ما يجعل الآخرين عبيداً، لا ما يجعل الكل أحراراً! ...  ليس فعل الأصدقاء الخديعةَ، لكنَّ وجود الأصدقاء خادعٌ!



الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » فكــر وثقافة » ألفاظ ودلالات .. ( الأمّـة ).

 ألفاظ ودلالات .. ( الأمّـة ).  أضيف في: 12/12/2008



ألفاظ ودلالات .. (الأُمّـة)
القـرآن الكريم هو مرجع العرب اللغوي الأول، فهو المـرجع الأصح والأفصح والأدق والأصدق.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فإن السبيل الأمثل للحكم على دلالات الألفاظ هو عرضها على القرآن الكريم!
حيث إن القرآن يستعمل المفردات في سياقها الصحيح الفصيح بما تحمله من دلالات تتعلق بأسرار الخلق والكون، مشيرة بدقة متناهية لما أودع الله في مخلوقاته من حقائق واختلافات وفطرة لا تبديل لها!
ولذلك فإن الحرص والتشديد على استعمال كل الألفاظ في مواضعها الصحيحة هو قاعدة الفكر السليم والثقافة الراشدة؛ وهو الأساس للرُقي بسلوك الإنسان، وعلاقات الناس واستقرار المجتمعات وتقدمها وتواصلها مع غيرها!
لفظة " أُمّـة " :
من حيث الدلالة الثقافية التقليدية السائدة، فإن لفظة أُمّـة هي كلمة يُراد بها الإشارة إلى المجموع العددي للأفراد المنتمين والمكونين لأي مجتمع بشري له تاريخ!
أما من حيث الدلالة القرآنية لهذه الكلمة " أُمّـة "، فهي تختلف وتبتعد تماماً عن المعنى السائد ثقافياً! فقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم بدلالات متعددة وفي مجالات مختلفة، وليس من ضمنها المعنى الثقافي التقليدي السائد لهذه الكلمة " أُمّـة " !!
والقاسم المشترك بين دلالات هذه الكلمة في القرآن هو التوافق الفكري التام، وتكامل المصالح بشكل طبيعي واختياري بين أفراد الأمة!
ولفظة أُمة في القرآن قد تمت الإشارة بها إلى الإنسان والحيوان والطير. كما أنه قد تم استعمالها حسابياً في القرآن كعـدد محدود ( أكبر من أو يُساوي واحد )
كلمة " أُمّـة "، ودلالات لفظها – كما وردت في القرآن الكريم :
1- جماعة معدودة من الناس، جمعتهم - مؤقتاً - الثقافة والسلوك والمصالح بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية..
قال تعالى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } القصص23 .
2 - عددٌ من الأفراد، يؤمنون بالله، وينشدون العدل، مختلفين بذلك عن أقوامهم ..
.. { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران 104 .
.. { لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } آل عمران113 .
.. { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } الأعراف159 .
.. {
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } الأعراف181 .
3 - عددٌ مُعينٌ من الناس، في حقبة من التاريخ، لهم ما يُميزهم عمن قبلهم ومن بعدهم ..
.. { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } البقرة134 .
.. { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } الأعراف34 .
.. { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } الحجر 5 .
4 - مجموع العقائد والعبادات والعادات والتقاليد التي رسّخها وعاش وفقها جيلٌ من الأجيال، فقلدهم وتبعهم أبناؤهم دون بصيرة أو حكمة ..
.. { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ } الزخرف 22 .
.. { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } الزخرف 23 .
5 - مدة محددة من الزمن، أو مرحلة زمنية معينة، ترتبط بها أحداثٌ هامة ..
.. { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } هود 8 .
.. { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } يوسف45 .
في هاتين الآيتين الكريمتين، نجد أن : " أُمّـة = فترة زمنية محددة "، وفي هذا دليل على ارتباط الأمة بزمنٍ مُحددٍ، حتى أنه تم استخدام لفظ أُمّـة - للتدليل على محدودية زمن الحدث.
6 - إنسانٌ – فردٌ – مُتميّز عن قومه باعتقاده وفكره، مؤمنٌ راشدٌ، مُهيأ لأن يكون إماماً وقدوة للناس.
.. { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } النحل120 .
7 - كل صنفٍ من الحيوانات أو الطيور يُدعى أمة (الطيور أممٌ وليست أمة واحدة، وكذلك الدواب).
{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } الأنعام38 .
... ... ...
لعله يحق لنا الآن أن نتساءل حول تلك الصورة التي نرسمها في مخيلتنا للأمة العربية أو الإسلامية الكبرى - مترامية الأطراف، فقد نُدرك بأن تصـوّرنا لها لا يعدو أن يكون نتيجة خاطئة لفهمٍ خاطئٍ لدلالة اللفظ، وتحميله ما ليس من شأنه، وتضخيماً له – إلى درجة هي أقرب إلى الخرافة و الأسطورة؛ حيث يُعتبر مفهوم الأمة بمثابة المفهوم الأصغر دلالة وإشارة - من الناحية العددية الحسابية، فهو يتفرع أصلاً عن أحد المفاهيم البشرية الجَمَاعية الأكبر منه حجماً..كالشعب، أو الطائفة، وأتباع الدين الواحد، والمجتمع، والقبيلة، ...الخ .
فوجود الجمع العددي، هو شرطٌ واجبُ التحقق، وهو قاسمٌ مشتركٌ بين كل هذه المفاهيم والمسميات .. عدا مفهوم " أُمّـة "، فهو يشذ عن هذه القاعدة، حيث إنه يقل عددياً - حتى إنه ليُشار به إلى الفرد الواحد من بني آدم .. كما نعت الله سبحانه وتعالى، نبيّه إبراهيم عليه السلام .. بأنه أمّـةٌ - بمفـرده
وأجدها جريمة أدبية، أن يُفرض على المؤمنين الاعتراف بانتمائهم إلى أمة المنافقين؛ وأن يُفرض على الأمناء انتمائهم إلى أُمة الخونة والمخادعين؛ وعلى الصادقين أُمّـة الكذابين؛ وأن يُفرض على الأدباء والحكماء والمفكرين الانضواء تحت لواءٍ واحد مع أمة الهمج الرعاع الفوضويين؛ وأن تُدمج أمة الأتقياء الخاشعين العابدين الصالحين .. في أمة المُترفين الغافلين الخائضين ... الخ .
وسواءٌ كان المقصود بالأمة الواحدة هو أعداد البشر المنتمين لها، أو كان القصد هو الفكر أو العقيدة، فإن لفظ أمة ليس هو الوصف الصحيح، ودلالته ليست متحققة حتى في حدها الأدنى لدى العرب والمسلمين.
فأمّـةٌ بهذا الحجم العددي، وبهذا البعد الزماني والمكاني، وبهذه الاختلافات الجذرية – سلوكاً واعتقاداً وممارسة، هي وهمٌ لم يأذن الله بتحققه- بنص القرآن ..
.. { وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } النحل93 .
وربما كان من الممكن والأصح والأدق والأصلح– ولا يزال ممكناً – الاعتراف بأننا أُممٌ عربية وغير عربية، إسلامية وغير إسلامية، متكاملة متعاونة، تربطها مصالح وقواسم مشتركة عامة، تتميز عن بعضها بسلوك أفرادها وأفكارهم، ضمن المجتمع الواحد .. بدل هذا الخلط المتعمد للأمور، والذي يُحمّل العقلاء جرائر أفعال الحمقى والجهلاء .
يقول الحق تبارك وتعالى : -{ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } هود 48 .
فوجود الناس في سفينة واحدة أو في مجتمع واحدٍ أو دولة واحدة، لا ينبغي أن يُتخذ ذريعة، فهو ليس سبباً كافياً لنعتهم بأنهم أمّـة واحدة، فذلك لا يغير شيئاً من حقيقة انتماءاتهم إلى أممٍ مختلفة .. من حيث الفكر والسلوك .. فذلك هو الأساس.
فالإنسان التقي الورع - بفطرته، ليس بوسعه أن يسلك في حياته وممارساته سلوكاً انتهازياً فوضوياً عبثياً عشوائياً .. حتى لو كان ذلك هو سلوك كل أبناء قبيلته أو قريته أو طائفته؛ وإن بقاءه معهم هو رضوخ منه لمقتضيات وضرورات الواقع الظالم الذي لم يُتح له القدرة والمجال للإعلان عن أمته الحقيقية والدعوة لها؛ بل فرض عليه إظهار الانتماء إلى أمة واحدة تجمعه جنباً إلى جنب مع نقيضه الفكري والأدبي والسلوكي .!
ولا شك أن الفقهاء والمفكرين والباحثين – قديماً وحديثاً – يُدركون هذه الحقيقة؛ فهي واقعٌ، ليس أمامهم من بُـدٍّ سوى الوقوف عنده، والاعتراف بالإشكالية الكبيرة التي يطرحها مفهوم الأمّة؛ إلا أنهم أحجموا عن إظهارها والكشف عنها أمام العامة، وفي ذلك - من وجهة نظري - خطأ فادح ومكابرة في غير محلها، في حق أُممهم التي عاشت ولا تزال تطارد وهماً لا مجال لبلوغه .
وتجدر هنا الإشارة إلى المفارقة الثقافية، المتمثلة في دعوات المفكرين والفقهاء إلى المحافظة على اللغة العربية، باستعمال مفرداتها بما يتوافق مع سياقها في القرآن الكريم ... فأين لفظة أمة - من تلك الدعوات.!
كما تجب الإشارة هنا أيضاً، إلى ما أستطيع وصفه بالتزوير الفكري والمغالطة الثقافية المتعمدة، والمتمثلة فيما يُسمى " إجماع الأمّـة ". فمَـن هي تلك الأمة التي اجتمعت، وكم عدد أفرادها، وعلى ماذا أجمعت .!
حيث نجد الفقهاء والمفكرين والساسة، وكأنهم يوظفون الثقافة العربية، والفكر الإسلامي، للزج بمفهوم الأمة في غير شأنه، استخفافاً بعقل الإنسان العربي المسلم – ربما .. ودون مبرر، حتى بافتراض حُسن النوايا ونبل الأهداف!
فنحن نفهم من قولهم : أمة العرب أو الإسلام، أنهم يُشيرون بذلك إلى كل فرد عربي وكل فرد مسلم.
ومن يقول منهم : إجماع الأمة، فإنه يُدرك تماماً أنه إنما يُشير إلى نفرٍ معدودٍ من الفقهاء والمفكرين - الذين كثيراً ما تختلف فتاواهم في المسألة الواحدة، والذين يُكفّـر بعضهم بعضاً في بعض الأحيان ..
والقائل بذلك يتجاهل أنه بقوله هذا، إنما يُخرج السواد الأعظم من المسلمين خارج دائرة الأمة التي يقصدها بهذا الإجماع. .. فمن تكون أمة العرب، ومن تكون أمة المسلمين .!
إن وصف القرآن للحيوانات والطيور بأنها أممٌ أمثالنا - نحن بني البشر، فيه من الحكمة ما ينبغي أن نستلهم منه السبيل لفك رمزية الأمة، التي التبس على البعض فهمها، فوظفوها فيما ليس من شأنها .
فمفهوم الأمة الواحدة الذي يُشيرون له عندما يقولون أُمتنا، هو في الحقيقة وهمٌ لم يتحقق على أرض الواقع – بمعناه التراثي الأدبي – سابقاً، وهو غير موجود عاجلاً، كما أنه متعذر التحقق آجلاً .!
وليس ذلك لأننا عربٌ ومسلمون، ولكن لأن ما نعنيه بمفهومِ الأمة الواحدة الكبرى ، هو أمرٌ مخالفٌ لسنة الله في خلقه، وهو سباحة بعكس تيار الفطرة .! فهو- وببساطة شديدة - مفهومٌ لا يصحُّ أن يُطلق على ملايين البشر، إلا مجازاً أو من قبيل التبرّك والتفاؤل، أو من قبيل المبالغة والمزاح. ولذلك فنحن نرى فشل الجهود التي بُذلت لتوحيد الأمة المفترضة أو لإنشائها .. رغم جِدّية ودموية تلك الجهود .!
ليست هذه دعوة أو تنظير للتفرق والتشرذم – كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، ولكنها محاولة للفت الانتباه إلى مساوئ خلط المفاهيم، والذي هو أرضية مناسبة للتخلف وقتل الإبداع وغياب الشفافية والمصداقية.!
إنّ أمم الحيوان، يفصلها عن بعضها البعض خطٌّ ظاهرٌ واضحٌ – شكلاً وسلوكاً، لذلك فإن تعاقب الأمم، والاختلافات الجذرية بينها واضحة جليّة ..؛ في حين أن ذلك ليس ظاهراً في حال أمم الإنسان، نظراً لعدم ظهور الخط الفاصل بينها، لأنه فكري – معنوي بالأساس، ولذلك فقد أمكن- بل وقد حصل - تجاوزه وإخفاؤه – جهلاً أو عمداً، لأهداف قد تكون نبيلة، ولكنها بكل تأكيد ليست طبيعية، وليست في صالح تلك الأمم .
إن قيادات الأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية التطوعية، ومؤسسات المجتمع المدني، والتيارات الدينية، والتيارات الفكرية، ومجمعات الفقه والإفتاء، والمؤسسات الإعلامية ... الخ، هي الأمم العصرية بكل وضوح؛ وهي التي تحقق دلالة مفهوم الأمة الواحدة، حيث الكل فيها له رسالته الواضحة، والفرد فيها مسئول عن أفكاره وممارساته، ولكلٍ منها مرحلة تاريخية .. بدءاً وانتهاءً ، ويُمكن للفرد – بخصوصيته الفكرية - أن يكون أُمـةً – بمفرده.! فتلك هي دلالات لفظ أُمّـة، أو أُمم .. بنص القرآن .!
إن أُمّـةُ الإنسانِ، الحقيقية، التي ينتمي لها وتمثله ويُمثلها: هي التي تتبنى آراءه الفكرية وميوله الفطرية - التي تنساب منه بداهة، فتظهر في سلوكه وتصرفاته تجاه البيئة، بما تحويه من بشر وحيوان وجماد وأدبيات وقيم .. عندما يُفسحُ له المجال للتعبير بحرية عن حقيقته، وذلك أثناء المرحلة الزمنية المحددة، التي يقضيها الكائن الحي هارباً من الموت أو ساعياً باتجاهه .!
إن إجبار الإنسان على إظهار – لا إضمار ( لأن الإضمار يحتاج إلى قناعة )، سلوك اجتماعي معين، ومنعه من التعبير الحر عن قناعاته الفكرية – حتى لو كان هذا الإجبار باسم الدين أو من أجل مصلحة الفرد .. إن ذلك لا يمكن أن يُكـوّن أمة . إنه إنما يُنتج وسطاً بشرياً تختلط فيه المفاهيم، وتغيب فيه الحدود الحقيقية التي تؤطّـر شخصية الإنسان في صورته الفردية والجماعية على حدٍ سواء .
فالأمــة تعني الفكر الذي يحمله الإنسان الفرد، أو الفكر الذي يُوحّـد جماعة من الناس سلوكاً وممارسات كما لو أنهم فردٌ واحدٌ .
والقول بأن الأنظمة السياسية هي وحدها التي تحول دون قيام الأمة العربية أو الإسلامية - الكبرى، هو قول يدحضه المنطق والواقع .
حيث إن مثل هذا القول قد بُني أساساً على فهم خاطئ لمعنى الأمة؛ ذلك الفهم الذي يُصوّر الأمة بأنها كل الشعوب التي تنتمي جغرافياً وتاريخياً إلى دين واحد أو عرق واحد .. وهذا فهمٌ خاطئ، لا يُقره المنطق ولا التاريخ ولا القرآن الكريم ولا اللغة العربية .!
فالأمة ليست هي كل الناس في كل رقعة من الأرض على مر الزمن .
ولما كانت الأمة البشرية هي جماعة من الناس تتبع فكراً معيناً – صائباً أو خاطئاً - ولا يوافقها عليه جميع الناس، إذاً .. فإنه من المنطق والصحيح أن يُطلق على الجماعات المسيطرة على الحكم – النظام السياسي – اسم أمة، وهي تفرض أفكارها على بقية أمم المجتمع . فهي جزء من مجموع الناس، في بقعة معينة من الأرض، تُسيطر عملياً وتتحكم في شئون البقية من الناس - ولفترة زمنية معينة ..
والأمر يمكن تلخيصه في أننا نجهل أو نتجاهل المواصفات الواجب توافرها في الجماعة من البشر لكي توصف بأنها أُمّة، وأننا عاجزون عن إيجاد الوصف البديل والمناسب لعلاقاتنا وارتباطاتنا العرقية والعقائدية - التي لا غبار عليها، فحمّلنا مفهوم الأمّة ما لا يحتمل، واستخدمناه فيما ليس من شأنه؛ فكانت النتيجة هي واقعنا الذي نعيشه ونرفضه، وتراثنا الذي نتغنى به ونختلف حوله.!
{ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الأعراف164 .



مع تحياتي .. أبو بكر سليمان أبو بكر.


انـقـر هـنـا لمـراسلـة أبو بكر سليمان أبو بكر أنقر هنا للإنتقال إلى موقع أبو بكر سليمان أبو بكر إضافـة لـلمـفـضلـة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات الـمقـال : ارسل المقال لصديق ارسل المقال لصديق  طباعة المقال طباعة المقال  حفظ المقال كملف Word حفظ المقال كملف Word  حفظ المقال كملف PDF حفظ المقال كملف PDF

التعليقات
لا تـوجـد تـعليـقات على هـذا الـمقـال