أمجـاد شفهيـة .
اختلطت علينا الأمور نحن العرب، فكذبنا الواقع جملة ً.. وصدقنا خيالنا تفصيلاً. فرغم اتفاق المنطق والواقع على أن مركبة العرب العلمية الحضارية .. واقفة. إلا أن العرب مطمئنون إلى أن مركبتهم تسير وفي الاتجاه الصحيح .. وليخسأ الخاسئون؛ وأن ما يُـروّج له من تَفَـرُد العرب بالتخلف، لا يعدو كونه بُغْضَ أعداء وضغائن متآمرين.
ولقد طُمِست بصائر أجيال عربية كثيرة بهذه الفلسفة، التي لوثت مناهج التعليم، وعقول الأبرياء، وكُتُبَ التاريخ .. إلى أن طـوّر غير العرب أساليب الحياة الإنسانية. فأصبح السؤال ملحاً، وعَلتْ به أصوات عربية نشاز عن المألوف السلبي الراكد، تطالب بإماطة اللثام عن الحقيقة.
أصوات لا تخيفها مرارة الحقيقة .. بقدر ما تدفعها إلى تغيير الواقع الأليم. بينما يرعبها ما ترى في حلاوة الخداع من مُسكِّنٍ وهمي قاتل يستفحل ويتطور معه المرض. ولأن أصحاب هذه الأصوات ليسوا مصابين بداء التعصب الأعمى، فإنه لا لبس لديهم في أن العرب في حالة سبات عميق، ومنذ زمن غير معروف تحديداً، وأن وصف حالهم بالتوقف إنما هو مجاملة.. قد لا تخلو من خبث مدسوس. ولكن اللبس لديهم، هو فيما إذا كان هذا السُبات .. أزلياً أبدياً قدرياً .. تقتضي الحكمة التعايش معه، أم أنه طارئ مؤقت مفتعل .. يجب و يمكن التخلص منه!
وتأتي ردود الأفعال المبهمة الملغمة على تساؤلاتهم الصريحة البريئة .. من كل حدب وصوب .. فيبادر الذين نصبوا أنفسهم حماة للعروبة، وكأن كل من سواهم عجم، أو أعداء للعروبة .. بالرد على المتسائلين، بالتشكيك في عروبتهم أولاً، ثم بتأكيد (وبدون أدلة) أنهم عملاء وأن أقلامهم مأجورة، وألسنتهم فاجرة، وأنهم يجهلون اللغة العربية والتراث العربي.
ثم يأتي دور حماة التاريخ العربي في الرد، فيؤكدون (دون أدلة أيضا) .. أن محرك عربية العرب كان يعمل، وأن طاقته كانت تكفي لجر العالم كله (ليس إلى الهاوية)، وأن عروبتهم كـــــانت في مقدمة العروبات، بقيادة الأسلاف في غابر الأزمان، و أنهم كانوا يقودون العالم، وكانوا يجوبونه جيئة وذهابا.. بصولات برية، وجولات بحرية، ومحاولات جوية (فاشلة)، وأنهم كانوا و كانوا وأن غيرهم لم يكونوا يوماًً، ولن يكونوا إلا صنيع العرب .. لأنهم إن كانوا فلن يكون للعرب مكاناً ولا كيان.
وكأن الأرض والشمس لم تخلقا للعرب ولغير العرب .. وقد يأثمون من إجهادهم لهذا الفعل الماضي الناقص (كان) وتحميله ما لا يحتمل، متناسين حكمتهم( ليس الفتى من قال أبي .. ولكن الفتى من قال أنا )، وليت فتاهم قال أبي .. ولكنه قال جدي رقم (1300).
ثم يأتي دور فقهاء الدين في التصدي … فيقومون أولا بتجميد عضوية إيمان المتسائلين إلى أن يتوبوا عن هذه التساؤلات الشيطانية (وكأن لديهم علم من الكتاب)، ثم يكثرون من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول .. والتي تتوعد المتسائلين بالويل والثبور، ولا يهم إذا كانت الأحاديث ضعيفة الإسناد، فالطعن في صحة الحديث .. أمر لا ينبغي لسواهم.
ويجعلون محاورة هؤلاء والسماع لوجهات نظرهم من الكبائر الموجبة للخلود في النار، ومقاطعتهم والطعن في نزاهتهم من موجبات الرحمة.
ثم يقومون بإسقاط آيات التهديد والوعيد على تساؤلاتهم بغض النظر عن سبب نزول الآيات.
ليأتي بعد ذلك دور الرعاع . وهم كُثُرٌ غُشُمْ في عالم الإيمان والمعرفة … بأسلحتهم التقليدية الفتاكة الموجهة بالفتاوى عن بعد .. من غيبة ونميمة وبهتان وكذب وتزوير وتلفيق وتملق وخداع وترديد لما يسمعون دون دراية بما يقولون، صابّين جام جهلهم وتعصبهم على أفكار لم يفهموها، مستندين إلى فتاوى سمعوا بها، ولا يفقهون شيئاً عن حيثياتها، بتجريم المتسائلين عن حقيقة أمجاد الأجداد، وعن أثرها بين الأحفاد، وأي الأجيال أوقف العربة، وأيهم استلمها واقفة، ولماذا لم يصلحها، وأين الدليل على أنها كانت .. وأنها كانت تعمل، وكيف لغيرنا تصديق أمرٍ .. لم نسمح لبعضنا بالتحاور حوله. أمرٌ مفاده أن الفضل يرجع للعرب في كل ما يفتقده العرب ويمتلكه غيرهم اليوم، وفي كل ما يعلمه العالم ويجهله العرب.
عن أي عرب تتحدث هذه الأحجية .. الله أعلم، وأي كرم حاتمي هذا، أهو كرم الإبرة التي تخيط الملابس لغيرها وهي عارية. كفاكم ضحكا على البلهاء أيها العقلاء.
وعلى كل حال فقد أرغمنا أنفسنا وبقلوب يائسة، على تصديق هذه الخرافة التاريخية، ورحنا نسبر أغوار التاريخ بحثا عن أدلة المجد العربي الأسطوري، وأسباب اندثاره!
فوجدنا أن ما يتغنى به العرب اليوم، يعود إلى قرابة (1400) سنة خلت، وأن الأخلاق والإيمان والعدل والكرامة والإيثار وإغاثة الملهوف والاتفاق على تفسير القرآن الكريم وعدم الاختلاف في فهم السنة الشريفة …و … كل هذه الفضائل وعوامل التوحد والعزة … كانت فقط في دائرة الأربعين سنة الأولى من عمر الإسلام , ووجدنا أن باق سنوات تاريخهم لا تختلف عن حاضرنا في شيء … وأنهم تركوا لنا ألغازا دينية وسياسية واقتصادية ..و .. يحاججنا بها العالم ولا نمتلك لها تفسيرا.
ونخرج من هذه الدوامة بنتيجة نحاول من خلالها فهم شيء عما حصل ويحصل، وتفاديا لما قد يحصل .. ويمكن تلخيصها في الآتي …
إذا سلمنا بأمجاد عربية في حقبة ما، فإن الفضل يعود لإسلامهم وليس لعروبتهم. وإذا اعترفنا بتخلف العرب وتخبطهم وتزويرهم لبعض أحداث التاريخ، وانتهاكاتهم لمبادئ المنطق والعقل والدين … فإن العيب في عروبتهم وليس في إسلاميتهم. وإذا أسقطنا هذه المُسَّلمة وهذا الاعتراف على واقعهم الحالي … فسنكتشف أن واقعاً كهذا لا يمكن أن يكون إلا نتيجة لأحد أمرين، أو لكليهما معاً…
أولا ً… أن يكون نتيجة للعنة أصابتهم وتطاردهم بسبب خيانة وصايا نبي وتعاليم دين ورسالة رب. مما أرجعهم إلى واقعهم قبل الإسلام، وما أدراك ما واقعهم قبل الإسلام .. ( قبائل جاهلية الدساتير، تفتخر بالظلم والعدوان، متناحرة بسبب وبدون سبب) .
ثانياً … حقيقة ينكرونها، وهي أنهم يعانون من تشوه عقلي فكري متوارث، يجعلهم يفخرون ويجزلون العطاء لمن يمدحهم بما ليس فيهم، ويُلصقون صفاتهم المذمومة بغيرهم، ولا يستفيدون من تجاربهم، والعدل عندهم ما جلب مصالحهم بصرف النظر عن مشروعيته؛ ويكون أكثر عدلاً إذا جلب معه مضار الآخرين. ولن تعوزهم الفتاوى فلغتهم ثرية ولا يفقهها غيرهم .. والشفاعة تكفل لهم الجنة …و… ( اختفى هذا التشوه مؤقتا في الأربعين سنة الأولى من تاريخ العرب). ثم عاد وأخذ في التطور ومقاومة المضادات واللقاحات إلى الآن.
وفي النهاية أود أن أزف بشرى لمن تؤرقهم أوضاع العرب المأساوية، وينتظرون دون أمل .. صحوة السائق وانطلاق المركبة المزعومة، وعودة الحياة إلى شهامتهم الخرافية.. أزف لهؤلاء بشرى.. بأنه لم يعد من ضرورة لإفساد سباتهم، بمحاولات مزعجة للنائمين، ومجهدة دون طائل للصاحين. وكل ما عليهم هو انتظار النهاية فقد انطلقت باتجاهنا بعد أن ملت انتظار انطلاقتنا. فالتاريخ يقول أن متوسط أو أطول فترة زمنية بين الرسالات السماوية هي حوالي (500)سنة، ورسولنا الكريم قال: إن بعثته سبقت يوم القيامة بقليل، وقد مضى على رسالتنا وهي آخر الرسالات قرابة ثلاثة أضعاف المدة المألوفة بين الرُسل، فالوقت المتبقي في الحياة الدنيا ومهما كان عدد سنيّه، فإنه لن يسعف عرب اليوم للحاق بالركب وإصلاح ما أفسده عرب الأمس، لاسيما وأن انطلاقتهم، إن حدثت فستكون قبل نقطة الصفر، حيث هم الآن … فسباتاً سباتاً آل يعرب إن قيامتكم أضحت أقرب من صحوتكم.
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|