أنت إنسان مؤمن .. ماذا يعني لـك ذلك، وكيف يـراك الآخـرون!
من طبيعة البشر - والعرب خاصة - التفاخر بالحسب والنسب. ومن المعتاد أن يعـتـز معتنقو كل دين- بدينهم.
ومن الطبيعة البشرية، أن الإنسان يكره مواجهته بعيوبه، أو حتى أن يعلم الآخرون بزلاته ومحطاته الفاشلة في مسيرته الحياتية.. سواء الشخصية أو العائلية أو حتى تلك القومية والطائفية!
ولكن ما ليس معقولاً ولا مقبولاً، ولا من المنطق والحكمة، ولا من الموضوعية، وما ليس من الدين والإيمان في شيء، .. هو أن يفتخر الإنسان بالفشل! ثم ينتظر من الآخرين تكذيب الواقع، وتصديق حُسن نيته، وسلامة تفكيره!
أو أن يتوقع منهم النظر إليه من خلال تاريخٍ وماضٍ كتبه بنفسه، وأن يغضّـوا البصر عن حاضره.
وطامة كبـرى، وجهل عظيم، ومُجـانبة للصواب والإنصاف، وتجنٍ على الحق والعدل، ومكابرة وعناد، وخلل ثقافي وفكري، وعدم فهم من الإنسان لرسالته في الحياة، .. ذلك أن تكون ثقة الإنسان بنفسه وبنسبه - سبب في احتقاره لغيره، أو أن يكون اعتزازه بدينه مدعاة لمحاربة الآخرين، أو أن يتنكّـر لنجاحاتهم ويعتبرها فشلاً. لا أظن أن عاقلاً مُطلعاً يتجاهل الحقائق التالية:
أن الفقر غير المُبـرّر- يلتهم كرامة المواطن العربي المؤمن كما تلتهم النار الحطب.
وأن العدالة محكوم عليها في بلداننا شنقاً حتى الموت.
وأن المحسوبية والوساطة والتملّـق، والرشوة بنوعيها المباشر وغير المباشر - هي السبيل لنيل حقوقنا واحتياجاتنا الضرورية.
وأن معاملاتنا كأنما تستند إلى فرضيات.. مفادها أن كل من كان مواطناً عربياً مسلماً- فهو مثقف ومتعلم، وهو غني ومعافى في بدنه وعقله، وأنه مُذنب حتى تثبت إدانته ويصدر الحكم بشأنه.
وأن المواطن العربي المسلم يدعو غيره إلى التحلّـي بفضيلتي الصدق والأمانة - تحت كل الظروف، بينما لا يتردد هو - عند أول محطة اضطرار وفق تقديره - في ممارسة الكذب والخداع والخيانة في كثير من معاملاته اليومية.
وأنه يعلم حجم ووزر - جريمتي الغيبة والبهتان، ومع ذلك فهو يمارسهما دون استغفار أو تفكير في توبة، ويـدّعي الإيمان إلى جانبهما.
فمن أنت أيها المواطن العربي المسلم (اليوم)!
هل تظن أن إسلامك باللسان يكفيك سبباً لدخول الجنة والنجاة من النار!
هل تعتقد بأن صلاتك لله- التي لا تمنعك من الكذب والغيبة والتحايل، هي مقبولة عند الله!
هل تظن بأن قولك عن نفسك أنا مسلم مؤمن، يكفيك فخراً وأجراً، ويكفي الآخرين احتقاراً وذنبا!
كيف تفهم وجود الفقر وغياب العدل- في مجتمعك (بلادك)!
هل تفهمه على أنه سبب ومُبـرّر يبيح لك الكذب والخداع والغش، وسرقة ما أنت مؤتمنٌ عليه من حقوق الضعفاء والبسطاء في حدود وظيفتك ومسئوليتك!
أم تفهمه على أنه دافع وعذر شرعي للثورة الدموية والتآمر على ولي الأمر، للاستيلاء على السلطة، وانتهاك حرمات المجتمع والحق العام، وإثارة الفوضى وبث الذعر في نفوس الأبرياء .!
أم تفهمه على أنه فتنة وابتلاء، امتثالاً لما ورد في القرآن : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) صدق الله العظيم. البقرة 155.
كيف يقرأ المؤمنون واقعهم وعلاقتهم مع حُكامهم في ضوء الحديث المنسوب لرسول الإسلام، والذي يُشير له الفقهاء بأنه حديث صحيح، والذي ينص على أنه: ( إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر ).
كيف يمكن التوفيق بين الإيمان بصحة هذا الحديث، وبين تحريض الفقهاء والقيادات الدينية والنخب الثقافية للمواطنين على حكامهم.
أليس واقع العرب والمسلمين هو نتيجة لاجتهاد حكامهم، وأن الحكام ينبغي أن يكونوا مأجورين على هذه النتيجة .. أي هذا الواقع !
إن الآخرين (غير المؤمنين )، يريدون أفعالاً وواقعاً تتوافق مع العقائد والأقوال، لكي يُنصتوا أو يُصدّقوا ! فهم يرون ويعيشون الواقع، ولا يدرون بالنوايا، يرون الحاضر ولا يرون الماضي.
إن رسالة العاقل وأمانته كبيرة، والإيمان إما أن يكون حُجّـة له، أو حُجّـة عليه!
وكما نعتقد نحن المواطنين البُسطـاء، ونقول عن أنفسنا إننا صالحون مُصلحون! فكذلك هو الحال مع الحكّـام والمسئولين! فهم أيضاً يزعمون أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يملك أحدنا الحق في أن يجزم بعـدم إيمان الآخر. ... فأين الخلل إذن .!
الخلل أجـده يكمن في عدم فهم الغالبية منا لرسالتهم الإنسانية في الحياة، وعجز الذين فهموها عن أدائها.
وقد يكون سبب عجز هؤلاء، وعدم فهم أولئك لتلك الرسالة- يرجع إلى مغالطات ثقافية، أدت بالفكر العربي الإسلامي إلى انحرافات جوهرية ..؛
وكذلك اعتماد البعض في مناقشاتهم وكتاباتهم على مصطلحات لغوية، ورصيد من المعلومات التاريخية -التي ربما انتهت صلاحياتها الفكرية والأدبية.
وأعتقد أننا بحاجة إلى الانطلاق من قواعد معرفية وثقافية مُوضوعية منطقية واقعية، نتفق عليها، ثم نحكم من خلالها على نقاط الضعف في ثقافتنا.!
فنحن نمتدح المنصف في حقنا من الطرف الآخـر، ولا نسمح لأحدٍ من طرفنا بإنصاف الطرف الآخـر !
المؤمن يعتقد بأن كل ما يفعله يُرضي الله، وأن كل ما يفعله غير المؤمن يُغضب الله، أو أنه لا يُحسب له. وأن المؤمن منتصر لا ريب! بينما يتجاهل اعتقاده بقول رسول الإسلام ، أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة!
فهل آن لنا أن نقرأ الواقع بموضوعية، وأن ننظر لأنفسنا أين نقف من سنة الله التي لا تبديل لها !
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر.
|