الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » فكــر وعـروبة » اللغة إنتاج بشري، وليست رمزاً غيبياً!
| أضيف في: 10/12/2008 | |||
|---|---|---|---|
اللغة إنتاج بشري، وليست رمزاً غيبياً! لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة، والإشارات الصوتية، المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف الواقع وقِيَمِ الأشياء من حولهم! ولكن بعض الأعراق البشرية كأنهم أصغر من رموز لغتهم وإشاراتها، حيث انبهروا بها، وأصبح سقف غايتهم هو فهم واستيعاب مدلولاتها بقصد تقديسها، فأعطوا لغتهم قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها! فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها ! بينما نجد آخرين قد وضعوا اللغة في حجمها الصحيح، فاستعملوها لسد الحاجة البشرية التي أدّت إلى إيجادها، والتي تستوجب تطويرها! ويبدو أننا نحن العرب المسلمين قد كنا من الصنف الأول، مع بالغ الأسف ... حيث لا جدال في قوة اللغة العربية، ولا خلاف على ضعف العرب. ولا نقاش حول حيوية اللغة وجمود أهلها. ولا اختلاف على قدرة اللغة على استيعاب كل جديد وعجزنا عن التجديد. فهل استعملنا لغتنا أم استعملتنا! وهل التعبيرات القوية المُهيّجة للأعصاب، والمُلهبة للمشاعر .. تُغيّر الواقع أو تُغني عن الحكمة ومراعاة المشاعر والمصلحة العليا للمجتمعات والأفراد! هل نسي عرب اليوم المزيج أن لغة القرآن قد أعجزت بلاغتها وفصاحتها عرب الأمس الأقحاح! هل أغفل المختصون في لغة العرب، أنها سلاح ذو حدين! وأن لغة بهذه البلاغة، وهذا الكم اللا محدود من المفردات، المتشابهة لفظاً ومعنى إلى حد التطابق في نظر البسطاء الأبرياء، الطارقة لأبواب الضمائر والأحاسيس، والحاملة لتأشيرة دخول وإقامة دائمة في القلوب … هل نسوا أم تناسوا أم أعجزتهم اللغة، أم قادهم شغفهم بها، وأذهلتهم قدرتها الفائقة على تجسيد المواقف عند وصفها .. إلى عبادتها، والتمادي في صنع المصطلحات والتعابير والصور الحية الناطقة، والتي أغنت الكثيرين في أغلب الأحيان عن الفعل، والتي يدفع عدم فهم مقاصدها إلى فعل ما لا يُحمد وما لا يمكن أن يُحسب عقباه. فبتعبير قوي دامغ الحجة بلا برهان، مسيطر دون مقاومة على الأذهان، مالك دون رادع للوجدان، يمكن للمفكر والكاتب والعالم والشاعر .. أن يسحر السامعين، فيُـقسموا بالغموس من اليمين، إنه لمن الصادقين الصالحين، وأنهم على ذلك لمن الشاهدين. هل نسوا أنهم قد يكونوا هم أول ضحاياها والمسحورين بها، والغارقين في بحورها، دون علم بالاتجاه الذي يسلكون! هل نسوا أنهم يصنعون باللغة مراكب- مصطلحات ومفاهيم مُلغزة - تتيه بركابها وتقودها رياح الفِتن والجهل! هل نسوا أنهم يصنعون في معامل لغة القرآن .. مُلوِثاتٍ للفطرة .. لا مضادات لها، وتخرج عن نطاق سيطرة مخترعيها .. وتعيث في قلوب البسطاء فساداً، وفي فطرتهم تشويهاً! .. خاصة إذا تحكّم فيها وأتقن استخدامها، من لهم مآرب .. طلاؤها إسلامي عربي الطابع، وفحواها ونتائجها مُدمّـرة للإسلام وعروبة قرآنه! هل نسوا أنه لا يجر الناس على وجوههم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم .. وإذا كان المفهوم السائد لحصائد الألسنة هو الغيبة والنميمة والبهتان، فهي في المحصلة لا تعدو كونها كلمات، رُكِّبت بصيغة تعبيرية، في جُملٍ كلامية لإيصال رسالة معينة، وقد تكون قِيلت بحسن نية، وربما فـُهِـمت على غير ما سِيقت من أجله! ولكن ذلك لا يغير من الأمر شيئاً، فحسن النية لا يبرر سوء التصرف ولا ينفي فداحة النتيجة بعد حصولها، ولا يفيد الضحية بعد إيلامها! كثيراً ما يُطالب الفقهاء والمفكرون أمتهم حكاماً وشعوباً بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق وينسون أنفسهم! فهل يتوقعون من ملايين العامة ذوي آلاف الفروق ومئات الاختلافات وعشرات المبررات .. أن يفعلوا .. ما لم يستطع فعله عشرات الفقهاء والمفكرين ذوي آحاد الاختلافات و كسور الفروق وأصفار المبررات! فهل انتبهنا لما تفعله شعارات ومصطلحات المفكّـرين والكتـّاب بعقول القراء، من شل لقدرتها على التفكير، وإتّباع لها دون استيعاب أو تمييز -لتشابه المدلولات، و طمس لها عن النظر لغيرها أومقارنتها بالواقع، وتخدير لها بإتّباعها وكأنها قرآن مُنـزّل .. لا يمكن الإتيان بمثله. وكذلك تفعل الفتاوى الهائمة المنتشرة بلا رقيب، والتي تأتي جزافاً وعلى لسان كل فقيه، لا تختلف الفتاوى عنده باختلاف بيئة الناس وظروفهم، وسعتهم واستطاعتهم، ولا يذكرون كثيراً أن مقر القيادة الآمن لإسلام المسلم و إيمانه هو القلب، وأن تقوى الله قـدر الاستطاعة بنص كتابه .. وما أدراك ما الاستطاعة! وأن التكليف قدر وسع النفس الإنسانية، وما أوتيت من طاقات وقدرات وما أتيح لها من فرص. وأن الاستطاعة والسعة لا يجب اختزالهما في المنظور والملموس من الأمور .. من ممتلكات مادية وقدرات بدنية، بل أن ما خفي منها هو أعظم! فكل ما يعيق أو يسهل تفاعل الإنسان مع محيطه سلباً أو إيجاباً وليست لديه القدرة على تغييره يدخل ضمن عناصر سعة الإنسان واستطاعته .. - من قصور أو تفوق .. ذهني وفكري، من ذكاء أو غباء، من حساسية مفرطة، أو برودة أعصاب، من ميول نفسية لا تقاوم، أو سهولة انقياد بحكم العوامل الوراثية، من توفـّر بيئة الانحراف، أو عدم توفـّرها، من موروثات عائلية لا مناص منها - تتعارض مع الدين أو تتماشى معه، من عادات وتقاليد اجتماعية- قلَّ من ساعدته ظروفه على مواجهتها، أو العكس، ومن قدرة على التعبير بما يوصل الرسالة، أو العجز عن ذلك، من جمال صورة وحسن صوت وسرعة بديهة، أو العكس، ومن شجاعة أدبية، أو عدمها، من مكانة اجتماعية مرموقة أو مسحوقة، من جبن لا يمكن تغييره ولا يمكن البوح به، أو شجاعة تُذلـّل الصعاب، من بخل يمقته صاحبه ولا يستطيع التخلص منه، أو كرم لا يشعر الكريم معه بحب المال . … الخ .. من التراكيب المتنوعة لنفسيات وشخصيات البشر التي تُسهّل أو تُعقّد من أدائهم لواجباتهم الدينية والدنيوية، وحصولهم على حقوقهم، وليس لهم دخل في تكوينها ولا قدرة على تغيير ما يكرهون منها. وأن الضعف والخوف يجيزان للمسلم كتمان الشهادتين وكتمان إيمانه، وإظهار ما يحمي به نفسه، وأن الفقر يعفيه من الزكاة والحج، وأن المرض والسفر يعفيانه من الصوم وييسران الصلاة إلى أقصى حد، ويجعلانها تتبع قدرة وطاقة المسلم قوة وضعفاً، وأن المسلم قد يحيا ويموت بهذا القدر اليسير من التكليف، وأداء العبادات .. دون أن يكون مُلاماً أو ينقص من إيمانه شيء. فهل تسهيل وتيسير الإسلام للأعباء والتكاليف الدينية على المسلم، والسماح له بالمسايرة والمجاملة والتهاون المبرر على حساب الدين لمواجهة ضعفه، ولحين بلوغه القدرة الكافية لتلبية متطلبات الدين، والتي لا تبرر له مهما عظمت احتقار وظلم الآخرين من مسلمين وغير مسلمين! ألا ينسحب هذا التسهيل والتيسير على الأمة في ضعفها وهوانها، وهل الأمة إلا مجموع أفرادها! ألم يقل الله تبارك من قائل .. أنه علم بضعف المسلمين، فخفف عنهم العبء! ألا يضر بالأمة دعوتها لقتال خصوم أقوياء يفوقونها عدداً وعدة! إذا كان من الممكن تفادي هذا القتال .. بل وأكثر من ذلك يمكن لبعض من ندعوهم بالخصوم وبكل بساطة أن يصبحوا أصدقاء أو محايدين على أقل تقدير! إن ضخ الفتاوى والشعارات عبر الصحف والفضائيات، إذا لم تجد أمامها مقاومة من جهاز تحليل إيماني حضاري سليم وقادر، فإنها تفعل بعقل وبأفكار متلقيها الأفاعيل، وينقاد لها وتجره إلى مهالك لا قبل له بها وهو في غنى عنها وعن أفكار مُصدِّرٍيها، وتوجهات قائليها وناشريها. وقد يترتب عليها من الفتن والكوارث ما لا يحاط به علماً، وقد يشعر قائلها وناقلها بعظم ما اقترف من ذنب بعد فوات الأوان! فسحر مصطلحاتكم وشعاراتكم، وفتاوى فقهائنا في ما استجد من صغائر الأمور أصبحت شغل الناس الشاغل، وأصبحوا يقفون عندها وكأنها تكملة لنقص في الدين .. والعياذ بالله! أو تأكيد لعروبة مشكوك فيها لولا مصطلح هذا المفكّـر أو جملة ذاك الكاتب أو فتوى هذا الفقيه. وكأن القرآن رغم تيسير الحكيم لذكره .. بقي حِكراً على البعض، وكأن المفردات اللغوية المعـبّرة عن الموقف دون مبالغة وتهويل لا تفي بالغرض،.. بدل هذه المبالغات الدينية واللغوية التي سرت بين الناس وبالناس وفعلت بهم فعل الفتن! أليس من مصلحة الأمة أن ينصب اهتمام فقهائها ومثقفيها ومفكريها .. على ضرورة الرُقِي بالتعليم .. وتوعية الأفراد وتثقيفهم، وتذكيرهم بأنهم محاسبون فرادى، وأن تكون الفتاوى على قدر سؤال السائل وعلى حسب ظروفه وبيئته وملزمة له وحده. ومن لديه شك ولم يسأل فلسنا من حمّله الأمانة، وأن دور الفقهاء هو فتح المجال وتيسير التواصل معهم .. وحسب. بدل ضخ الفتاوى بهذا الكم الهائل وكأن على أمّي الأمة ومثقفها، وعلى مسئولها ورعيتها، وبسيطها وعالمها، وغنيها وفقيرها، وضعيفها وقويها، وصحيحها ومريضها، وقاصيها من المفتي ودانيها .. كأنما عليهم ذات الواجبات ولديهم ذات السعة والاستطاعة والقدرات. ألا يكفينا التركيز على تعليم الناس وتثقيفهم وحثهم على استعمال عقولهم، ومن ثم الاعتماد على حفظ الجليل لتنزيله وتسهيله لذكره! فرأفة بالإنسان العـربي وكفى استعداءاً لكل من اختلف معنا مسلماً أو غير مسلم. وكفى تهميشاً لأناس لن تُحاسبوا نيابة عنهم. وكفى إساءة للإسلام باسم الإسلام. وكفى تلاعباً بعقول البسطاء بنسج التعابير الأخّاذة، والمبالغ فيها. وكفى استنهاضاً لهمم العجزة، وطلباً لمساعدة الفقراء وعون الضعفاء. كفى معاداة لمن لا يريد معاداتنا ولا نقوى على مواجهته. كفى زجاً بالشعوب في معارك لا تطيقها و يمكن تجنبها ولا تخدم الإسلام أو العروبة في شيء. كفى استخداماً للغة القرآن لغير ما أراد القرآن. كفى استعراضاً لفلسفات مشتتة، وبلاغة مضللة. كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر. |
|||
|
|
|
|
|
|
خيارات الـمقـال : |
|||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|

