الفـكــر يزور العقل في سجـون النـقــل .. مقدمة ومـنـاظـرة..
لو جاز الاكتفاء بالنقل، لما وُجد غير القرآن مكتوباً ..
سأل أحد الزملاء في ملتقى رابطة الواحة، عن تفسير آية قرآنية، هي
{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }الإسراء16.
وكان سؤاله ولسان حاله يقول، في ظل العدل الإلهي، كيف نفهم معنى أن الله قد أراد أن يُهلك القرية، فجعل لها سبباً تستحق به الهلاك!!
فأجبته بما ألهمني الله سبحانه وتعالى، .. بما يتطابق تماماً مع النسق العام للقرآن، ومقتضيات الإيمان - وفق عقيدة الإسلام، وبما يتطابق مع العقل والمنطق.
مختصر الإجابة، هو أن تلك القرية قد فعلت ما تستحق به الهلاك، ولكن أفعالها لم تكن مرئية للناس، أي أن أهل تلك القرية كانوا يُظهرون الإيمان، ويُبطنون الكفر ويفعلون الفسق!
وحماية للمؤمنين من حولها من الفتنة- فيما لو أهلكها الله وهي تُـظهر الإيمان- فإن الله سبحانه وتعالى يأمر مترفيها أو يُؤمّـرهم( يجعلهم أمراء عليها)، وحينها ستكون أفعال أهل القرية وفسقهم مُعلنة، ويكون هلاكها مُبرراً في نظر الناس! واستدللتُ بآية من القرآن
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }هود117.
ولكنني لم أستدل بآراء السابقين، فأنا أعتقد وأؤمن بأن الأمر الذي يتعلق بأوليات وبديهيات الإيمان واللغة والعقل .. لا يحتاج في فهمه وشرحه إلى سندٍ من النقل !
والمفاجأة كانت، أنني أدركت حينها، بأنني أُخاطب إنساناً مسلماً مؤمناً عاقلاً، ولكنه ممنوعٌ من استعمال العقل – باسم الإسلام ! ولا حول ولا قوة إلا بالله!
حيث قال لي السائل الكريم، إن الإجابة صحيحة من منظور العقل والمنطق، ولكنها تفتقر إلى سندٍ .. أظنه يقصد .. أقوال السابقين!
إن عقيدة الأخذ بالنقل على حساب العقل، قد بلغت حداً مؤسفاً في تهميش العقل. فهي باتت تعني للكثيرين، الاعتقاد بضرورة إزاحة العقل عن العمل .. وذلك بإقالته وإيقافه عن التفكير، ووجوب الاعتقاد بأن أحكام الشريعة الإسلامية، وفهم القرآن وتفسيره .. هي من اختصاصات عقول العصور القديمة.. أي أنه علينا الاستغناء عن دور العقل، واستبداله بذاكرة مكتوبة ثابتة، وأن كل أمرٍ لا يوجد له تفسير في تلك الذاكرة، فإن عقيدة النقل تحتم علينا الوقوف أمامه صامتين عاجزين- داعين الله بأن لا يُحرجنا أحدٌ بالسؤال عنه – حتى نلقى الله ونحن أبرياء من التفكير واستعمال العقل ..؛ فكأنما العقل العربي المسلم قد أصابه الخرف، ولم يعد قادراً على الفهم والإدراك - بعد محطاته التاريخية القديمة - تلك .!
وهذا أمرٌ جدُّ خطير .. حيث إنه يقود إلى الاعتقاد بأن عقول المسلمين اليوم ليست مؤهلة للتكليف الإلهي .. كمقياسٍ ومُحـددٍ للصواب والخطأ .! ولم تعد أهلاً لقراءة وفهم كلمات الله مباشرة؛ ولم يعـد مسموحاً لها بالتفسير واستنباط الأحكام والتشريعات .. إلا من خلال ما أنتجته العقول السابقة .! وكأن القرآن خاصٌ بتلك الحقبة، وأننا اليوم مسلمون بالوراثة أو بالوصاية - لا بالعقل !
فالمؤمنون بعقيدة النقل، يتجاهلون بأن كل المنقول - عدا القرآن - هو نتاجٌ لعقل بشري! .. كقواعد اللغة العربية؛ والأحاديث المنسوبة للرسول – التي ثبت اختراقها، وخضعت لمزاج العقل من حيث الرواية، والتجميع والتصحيح والتفسير. ويتناسون كذلك، بأن القرآن هو كلام الله الصالح لكل زمان ومكان، وهو حُجّة الله على الإنسان – الحُجّة الوحيدة الفريدة الباقية المحفوظة والمُيسّرة للذكـر ! وأنه- أي القرآن - ليس من أساطير الأولين التي نرويها عنهم دونما فهم - كما هي - حيث لا يُدرك أسرارها وحقيقتها إلا هم .!
وأنا أقول إنه لو جاز الاكتفاء بالنقل، لما وُجد غير القرآن مكتوباً .! حيث إنه، وعندما بدأ الأولون بتأليف الكُتب وتفسير القرآن .. لم يكن بين أيديهم شيئاً مكتوباً غير القرآن ( أي لا يوجد نقل)،
إذ إنه من المعلوم أن الرسول الكريم، والخلفاء من بعده قد منعوا كتابة أي شيء غير القرآن .. بما في ذلك الأحاديث النبوية، فقد منعوا كتابتها .!
فالنقل الذي يتحدثون عنه اليوم هو عبارة عن مجموعة من الآراء والأفكار والتحليلات والاستنباطات المتراكمة، التي أملتها ضرورات حقب تاريخية مختلفة - فأنتجتها عقولٌ بشرية فردية اعتيادية - تحت ضغوطات سياسية ومصالح عشائرية .. وهي عقول بشرية ليست معصومة وليست مُقدسة .!
حيث يمكننا أن نتساءل .. ما هو النقل الذي قرأه السلف - الأولون - عندما بدأوا بتأليف الكُتب المنقولة إلينا .!
ألم يعتمدوا على القرآن وحده، وعلى حصيلتهم اللغوية ومواهبهم الفكرية .. حتى أنهم أفتوا لمن اجتهد وأخطأ بأن له أجر .!
إنني أعتقد بأنه لو جرت مناظرة أو حوارٌ بين العقل والنقل، فإنه سيكون كالتالي :
العقل يسأل النقل :
هل تتفق معي، على أن الإنسان مُخيّرٌ ومُكلفٌ ومُستخلفٌ في الأرض، وأنه بسبب ذلك مبعوثٌ بعد مماته، ومُحاسبٌ، ..
وأنّ الجمل، والنمل، والحوت الأزرق، والطيور الجارحة، والضواري ...الخ، هي أقوى وأفضل نظاماً ونشاطاً، وأكثر مقدرة من الإنسان – على مواجهة ظروف الحياة، حيث إنه لا وجود للفقر والكذب بين هذه المخلوقات ..
ولكنها مع ذلك مُسخرة له، ومُسيّرة، وليست مُخيّرة ولا مُكلفةً ولا مُستخلفة، وهي بالتالي ليست مُحاسبة كحساب الإنسان ؟
يُجيب النقل .. نعم أتفق معك تماماً.!
العقل .. وكيف أدركت ذلك، وأنت لا تفكّـر؟
النقل،.. سمعتُ بذلك، وقرأتُ عنه في بعضِ كُتبٍ قديمة أصلية، من تأليف بشرٍ أصليين، نقلها عنهم بشرٌ أصليون
.!
العقل، وماذا تقصد بأصليين، هل هم كاملو الإيمان والعلم – مثلاً، بمعنى أنهم معصومون من الخطأ والنسيان والسهو والتحيّز والتعصّب والبغض والحب والميل والهوى والغرور والإغراء والإغواء والخوف والطمع وضغط الحاجة والضعف البشري وحب الدنيا ...الخ ! .. إذا كانوا كذلك .. ألا يعني ذلك بأنهم جميعاً رُسُل .!
النقل، .. لا، هم ليسوا كذلك - قطعاً، فهم ليسوا رُسلاً ! ولكن هذا ما أعرفه، وهو أنه على الخلف أن يقتفوا أثر السلف دونما تفكير .. تحوطاً من انحراف الخلف، وبذلك يكون الوزر على السلف – في حال ضلال الخلف، فعلى الخلف أن يعتقدوا بأنهم ناقصو عقل ودين ولغة .!
العقل، وهل يشفع للخلف – أمام ربهم - إتباعهم الأعمى للسلف - دون تفكير .. إذا كان السلف قد أخطأوا – بما أنهم بشر، وهل لهذه الفلسفة أو هذا الرأي .. سند في القرآن .
النقل، لا يوجد لذلك سندٌ في القرآن، ولكن المنطق يقول إن السلف هم الأقرب إلى عهد النبوة، وبالتالي ينبغي أن يكونوا هم الأقرب إلى الصواب!
العقل، معـذرة، ليس من حقك الاستناد إلى المنطق! فلو كنت تعترف بالمنطق لما اختلفنا ! وأنت تعلم بأن المنطق هو أخ العقل، وبذلك فأنا أولى به !
والقول بأن السلف أقرب إلى عصر النبوة، هو كلامٌ صحيحٌ، ولكن لا تنسى بأنه يُصاحبه قربهم من زمن وعادات وضغوطات الجاهلية والقبلية - أيضاً.! هذا، بالإضافة إلى الإمكانات الهائلة المتوفرة والمتاحة -اليوم - للخلف .. من حيث حجم وسهولة - القراءة والكتابة والمطالعة والتواصل والمشاهدة والاختلاط والمقارنة والتجربة .. بما يفوق بآلاف المرات - ما كان متاحاً للسلف.! .. فهاتان نقطتان ليستا في صالحك .!
العقل مرة ثانية، .. وهل تدري لماذا يُكلّف ويُستخلف ويُبعث ويُحاسبُ الإنسان دون سواه ؟
النقل، يقولون إن ذلك بسببك أنت، أيها العقل .! حيث يقولون إن التكليف تابعٌ لك، فلو كُنتَ أنت في الجمل، لكان التكليف من نصيبه، وكذلك الحال مع النمل وغيره.!
ويقولون إن التكليف يسقط عن الإنسان بمجرد انفصالك عنه، في حين أن الأعضاء أو الحواس الهامة .. كالبصر، والسمع، والذراع، والرجل، والكلية، ...الخ – .. فإن انفصالها عن الإنسان أو فقدانه لها .. لا يرفع عنه التكليف!
فكأنك أنت المُكلف والمُحاسبُ – وليس الإنسان، وما جسدُ الإنسان سوى وسيلة لك، وما حواسه إلا أدواتٍ، وليست الأرض أكثر من مسرحٍ ومختبرٍ لعملياتك وتجاربك التي ستُسأل عنها ! فالتكليف للإنسان العاقل، وليس لغير العاقل.!
العقل، كيف تؤمن بأن التكليف لا يكون إلا بوجودي، ثم تمنع المؤمن من استعمالي .!
النقل، أنا لم أمنع أحداً من استعمالك في السابق، لأنني لم أكن موجوداً حينها. فأنا من إنتاجك؛ وكذلك استعمالي اليوم بدلاً عنك – وفي وجودك .. هو أيضاً من إنتاجك واقتراحاتك !
العقل، هل تعترف بأن ما نقلته من أساطير. وحتى بعض آيات الكتاب المقدس، هي مؤثرة في عصرٍ دون غيره، عندما تخاطب العقل المرحلي .. بينما كل العصور خاضعة لي، فأنا الذي يطُـوّرها ويتطور معها .. ولذلك كان التكليف لي ولا يكون إلا بي .. وذلك فضل ربي ومشيئته .!
النقل، أريد مثالاً يُوضح ما ترمي إليه !
العقل: -سأضرب لك مثالين ..
أولاً: مثال من الكتاب المقدس .. قصة أبرهة الحبشي - التي وردت في القرآن الكريم، والفيل الذي أراد استعماله لهدم الكعبة، فطالبت قريش بإبلها، وتخلت أو عجزت عن الدفاع عن مكة .. ألا يختلف تأثير هذه الآية في تلك الحقبة – عنه اليوم ! حيث إن الناس في ذلك العصر كانوا حديثي عهد بقصة أبرهة، ويذكرونها جيداً. والأهم من ذلك أن الفيلة كانت مُخيفة وغريبة في ذلك العصر، ولم تعد كذلك اليوم. إذ يستطيع اليوم أبو طالبٌ - سعوديٌ واحدٌ، أن يُدافع عن الكعبة، ويهزم ألف جندي مع ألفٍ من فيلة أبرهة - برشاشه العصري، دون أن يتخلى عن آبار نفطه !
ثانياً: مثال عن الأسطورة .. هل تتصور كم يبلغ عدد عنترة بن شداد – الشاعر والفارس الذي لا يُشق له غبار، في عصرنا اليوم ؟
إذا كنت لا تدري، فأنا أقول لك، إنه يبلغ الملايين عدداً ! ولكن لا يسمع به أحد، ولم يعد يخشاه أحد، ولم يعـد يُلفت انتباه عبلة ..
لأنه كان بطلاً أسطورياً بمقاييس عصره – عصر القوة البدنية والشجاعة والإنجازات الميدانية الفردية .!
ولم يعد السيد – اليوم - في حاجة لشجاعة وفروسية العبد، ليعطيه حريته- كما حصل مع شداد وعنترة . بل إن كل أفراد وسادة قبيلة عبس العصرية، هم اليوم دعاة للحرية، ويشمئزون من استعباد الإنسان لأخيه الإنسان .!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|