الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » فكــر وعـروبة » خـلاف الفــكــر مـع لسان الذكـر !
| أضيف في: 10/12/2008 | |||
|---|---|---|---|
خـلاف الفــكــر مـع لسـان الذكـر .. يرى البعض بأن اللغة العربية ليست لغـة فكرٍ أو علم، وذلك لارتباطها المباشر والوثيق والدقيق بالقرآن والإسلام والإيمان ! لأن دخولها إلى ميدان العلم يستوجب حصولها على موافقة الفكر ! والدخول بها إلى ساحات الفكر سيفرض إعادة النظر في عديد القواعد الفقهية والاجتهادات والأحكام التي مات واضعوها، بعد أن جعلوها من أُسس الدين، ولم يعـد أحدٌ يمتلك الحق أو القدرة أو الإرادة في التراجع عنها.. مهما كانت بعيدة عن منطق العقل ! تلك القواعد التي تحـدُّ من تفكير العقل العربي المسلم، والتي أصبحت اليوم على لسان كل ناطقٍ وكاتب بالعربية، وباتت من علامات العروبة وشروط صحة الإيمان والإسلام .. كاستحداث ركنٍ سادسٍ للإيمان، وفرضه على المسلمين.. هو القضاء والقدر- خيره وشره-، دون إطارٍ نظري أو عملي مُحدد ومفهوم . وكالإيمان بأن الإنسان لا يصنع أفعاله التي سيُحاسب عليها…الخ. فالإيمان بهذه المفاهيم الغامضة، وترديدها على اللسان دون اتفاق أو تفسير مقنع لها.. يَحـدُّ حتماً من نشاط العقل وقدرته ودافعيته ورغبته في التفكير، وينسف مبررات العلم والعمل ! ولكن المعنيين بدخول العرب المسلمين إلى ساحة الفكر والعلم.. يقترحون ويتساءلون! أي السبيلين أجدى.. تعريب العِلْمِ الغربي أم تغريب اللسان العربي .! وفي الطرف المقابل نجد أنّ مجرد تساؤل كهذا، غير مسموح به، فهو لا يروق للكثيرين، خاصة الذين آمنوا بنتائج اجتهادات السلف، وأوقفوا التفكير، وصاروا ينظرون إلى كل شيء بأنه قضاء وقدر- حتى العلم والفكر ! وأضحوا يرون في مثل هذا التساؤل جهلاً لدى قائله، أو تحاملاً على العروبة أو تطاولاً على الإسلام! أما الذين يوافقون على هذا التصنيف، فإنهم يرون بأن الحل يكمن في إنتاج أجيالٍ عربية لا تتكلم العربية، بل تتكلم إحدى لغات الفكر والعلم؛ وبأن يُترك أمر التدبّر والتفكّر في شئون الدين- للفقهاء والمتخصصين..كما هو عليه الحال اليوم و أمس! حيث لا جدوى ولا ضرورة لإتقان لغة القرآن، مادام دور العقل قد استبدل بالنقل، وباب الاجتهاد مغلق منذ قرون! فللعلم أسسٌ ومنطلقات لا يقوم بدونها، وهي حقُّ الإنسان في طرح السؤال وحقه في رفض الجواب، وحقه في حرية الفكر والعقيدة،.. وهذا بالطبع يعني استعمال العقل؛ والعقل – كما قلنا- قد تم استبداله بالنقل، فأضحت اللغة العربية لساناً للنقل - لا لغة للعقل! فهل ننتظر العلم والفكر من إنسانٍ يُجبر على ابتلاع سؤاله، والإقرار بصحة ما يرفضه عقله! تـُرى ما مصير من أتقن اللغة، وتدبّـر القرآن، فوجد من معانيه ومدلولاته- ما يُخالف تلك المعمول بها والمفتى بشأنها في مجتمعه العربي المسلم ! هل عليه أن يسلك خلاف النتائج التي توصّل لها من تدبّره للقرآن! .. ما فائدة التدبر إذاً ! .. أم أن عليه أن يعيش منعزلاً عن مجتمعه، موصوفاً بالزندقة أو بالجنون! إذن، لماذا، وما الجدوى من الإصرار على تعليم لغة القرآن لكل عربي مسلم! ألم يحكم علينا أسلافنا - سلفاً – بأننا سفهاء، ولسنا أهلاً لفهم مقاصد القرآن .! ألم يُصدروا الفتاوى التي تمنع غيرهم من تدبّـر القرآن وتفسيره – إلا عبر أفكارهم.! أليس من قبيل جهل البشر، أن يعتقد الفقيه أو اللغوي بأنه قد أدرك الحقيقة، وامتلك زمام الحكمة، والعلم وأسرار التأويل، بما يكفي لتكفير كل من يُخالفه الرأي من بعده .! ألا نغرس – عبر لغتنا وتاريخنا-في نفوس أبنائنا، ونحجز حيّزاً كبيراً من ذاكراتهم ..لكيل المديح والتقديس لأناسٍ لا نعرف حقيقة إيمانهم، واللعن والشتم لأناسِ لا نمتلك حُجّةً تدينهم ولا حقّاً في تكفيرهم .! ألسنا أسرى - وعبيداً تُبّعاً – للغة والتاريخ، فنمتدح ونترضّى ونذم ونلعن .. كيفما أمرنا هذا التاريخ! ألا نتجاهل - عمداً- حقيقة أن التاريخ يصنعه الأقوياء ويكتبه المنتصرون، وليس يصنعه الصالحون ويكتبه الصادقون! ألم يتم تجريد هذه اللغة من حقوقها الفكرية، حتى أضحت وظيفتها لا تتعدى التنافس في إعراب الجُمل الخلافية، والاحتفاظ بنصوص أدبية-لا نهائية الصلاحية-منقولة عن السلف .. نافذة الحكم، دون السماح للخلف بإبداء أي رأي قد يؤدي إلى أي تغيير-مهما تغير الزمان والمكان وظروف الإنسان! فأبواب التفكير مؤصدة، ومنابر الحوار محدودة ومغلقة – بعد تقسيمنا إلى خاصة وعامة؛ وبفضل فتاوى التكفير والزندقة.. حيث قضي الأمر، وحُـدِّد السبيل، بعلامات وأسماء الطوائف والمذاهب والمشايخ والفقهاء .. إن مقاعد العقل العربي المسلم - في مسارح الفكر – باتت شاغرة، فلا حاجة لنا بالعقل فقد أغنت عنه قواعد النقل، التي تم حفظها عن ظهر قلب، والتي توعّـدت وهددت، وكفّرت وزندقت، وفسّرت وحددت ما يجب أن يكون عليه حال المسلم إلى حين ظهور العلامات الكبرى حيث لا تقبل التوبة! فما الجدوى من إتقان اللغة العربية وتـدبّر القرآن لغير ذوي الشأن! وما الضير، في أن ننتج مجتمعاتٍ وأجيالاً بلغاتِ العلم والفكر، ونجعل من لغة – الشعر والإفتاء – خياراً قائماً .. لا قدراً محتوماً! فاللغة لا تصنع لأهلها مجداً إن هم أبعدوها عن الفكر، أو إن هي عنه أبعدتهم. وهذا هو شأن العرب وواقع حالهم في علاقتهم بلُغتهم. فلم يبنِ العرب قديماً حضارة أو أساساً راسخاً لمجدٍ – وكان غرامهم بفصاحة لغتهم هو مكمن دائهم، حيث أغنتهم بلاغتها عن الفعل، وألهتهم بحور شِعرها وجماله والنثر بها- عن آفاق الفكر وميادين الجد . تغيّـر الحال قليلاً – لفترة عابرة من الزمن- حين نطق بالعربية قرآنٌ تحدى فحول الشعر والأدب؛ فاقتربت اللغة بأهلها من ميادين العقل فالفكر والجد والعلم. ثم جاء دور الأهل ليزرعوا بذور الشك في مقاصد الفكر أمام أبناء لغتهم، خشية- واهية- أن يؤدي الفكر إلى المساس بقدسية كتابٍ سماوي محفوظٍ ومعصوم من التحريف والزلل. فلم يخطوا العرب بعدئذ – على دروب الفكر – خطوة، فقد أضاعوا السبيل، مذ أوصدوا الأبواب، وحوّروا حروف الفكر إلى الكفر، فسدّوا الأفواه، وقطعوا الرقاب، واكتفوا بالتمني، والتغني بالمنقول عن سالف الأسلاف في غابرِ الأزمانِ والحِقَبِ! لا أعتقد بأن العروبة تشكّل خطراً على غير أهلها، ولا أجدها قد أوجدت لنا مجداً ولا حضوراً. ولا أظن بأن أحداً في العالم يُفكّر في سلخها عنا - من أجل منفعة يُصيبها، أو من أجل ضررٍ يُصيبنا. ليس للفكر اليوم من نصيب في لغة الضاد، فقد عادت لغابر عهدها .. حرفاً لنسج الشعر والغزل والنثر . وحتى الأدب، هو ليس صناعة عربية خاصة وخالصة .. إذ ليس الأدب سوى إحدى رسالات الحُسن والجمال والحكمة والأمل، يُجيدها الموهوب ولا يُخطي فهمها اللبيب، يضعها القدرُ أمانة وزينة بأعناق أفرادٍ من البشر، ولم تكن يوماً حكراً على حرفٍ دون غيره.. فكم من أعجمي أجاد الشعر واحترف الأدب، فصاغ الجمال والحكمة، حتى طاف اسمه على الألسن بين الأمم في الآفاق –عَلَماً يُشار له بالبنان ..لأن نظرة المُنصفين للحقيقة واحدة، لا تختلف باختلاف لغة من صاغها. إن المواطن العربي المسلم الذي لا دور ولا وزن له – سواء أجاد العربية أو جهلها- فهو لا يُمثّل سوي(95% من العرب تقريباً ) .. وكل ما هو مُتاح أمام هذا المواطن– في هذه اللغة، هو نطق الشهادتين، وحفظ بعض آياتٍ من القرآن، لتكون صلاته صحيحة؛ وحفظ بعض الأدعية الروحية التعبدية الإيمانية - لترديدها أثناء الحج .. ويكتمل بذلك إسلامه، شأنه شأن المسلم الإنجليزي.. حيث لا حاجة بالإنسان إلى لغة لأداء فريضة الصوم والزكاة؛ أو لاجتناب الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. فالمطلوب من المسلم، والمتاح أمامه- حسب الفهم السائد للإسلام – لا يتعدى هذه الطقوس الشكلية التي لا دور للغة فيها، بعد أن أضحى الاجتهاد ممنوعاً، والتفكير محظوراً، وصار الإفتاء صناعة معلبة جاهزة ثابتة تصلح لكل إنسان في كل زمان وكل مكان.! فلنفسح مجال العلم وحرية الفكر – أمام العقل العربي – بلغات أخرى غير لغة الفكر المحظور. كاللغة الإنجليزية – مثلاً، فهي لغة حرية الفكر وأداة العلم ومنطق العصر- بلا منازع. وما ينقصنا نحن العرب المسلمين .. هو الخروج من دائرة الحظر الفكري، وإيجاد وسيلة مُثلى لدخول العصر بأسلحته .. العلم وحرية العقيدة والفكر ! كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر . |
|||
|
|
|
|
|
|
خيارات الـمقـال : |
|||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|

