العقيدة إجبارية، والطائفة إلزامية، والتقاليد قسرية، والإنسان حر ومُحاسب!
لا يمكن لألغاز عنوان هذا المقال، والتي هي ذاتها واقع حياة الإنسان الفرد العربي المسلم - كمثال للمؤمنين..، لا يمكن لها أن تُحيط بعقل إنسان سوي الفطرة، يحمل أمانة أو يبحث عن رسالته- يحيا بها ولها، ويعلم أنه محاسبٌ على سلوكه وممارساته كفـرد ..، ثم يُجْبَـر على الحياة وفق هذه الألغـاز، والتسليم بصوابها .. بقناعة أو بدونها، ثم يُنتظـر من هذا الإنسان أن يكون طبيعياً يصلح لأن يكون لبنة لمجتمعٍ بالمواصفات الإنسانية والفكرية التي يعتقدها أو يُنادي بها العرب المسلمون،.. أي أنه إنسان ذو كيان نفسي مُتّزِن، وشخصية فاعلة واضحة المعالم، إيجابية الاتجاه، يمتلك نظرة خاصة به، يستطيع بواسطتها تقييم الأمور، والتفاعل مع محيطه عن بيّنة، والانطلاق من قناعات يفقهها ليستطيع الدفاع عنها. وحيث إن الحديث هو عن فرد عربي مسلم عادي-غير استثنائي، يُمثل 90% على أقل تقدير .. من الوزن المفترض للأمة العربية والإسلامية.. فلا يمكن للمراقب المنصف أن يقول عنه سوى أنه سيترنح طوال حياته بين سلطة العُـرف وسطوة العشيرة في غياب القانون، وضربات الفقر والعوز - في غياب العدل خارجه، وانهيار الكيان داخله -انهيار كيان الإنسان الذي يعي ما يريد، ولا يرضى بأقل من حقوقه .. هذا من جهة...،واستحقاقات إسلام الفقه والطائفة والإيمان بالله وفق الثقافة العربية العشائرية والمفاهيم والمصطلحات السائدة من جهة أخرى، فهو إما أن يحيا عربياً قبلي المنطق، ظاهري الإيمان، عبداً لعاداتٍ جاهليةٍ من كراهية الآخر إلى نُصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً، عديم الشخصية الفردية، هُلامي القناعات، متذبذب المبادئ، مكابراً خاضعاً لأهواء قبيلة أو عشيرة .. كان قد وجد نفسه أحد أفرادها دون استشارته، تماماً كما وجد نفسه فقيراً دون إرادته، وكما وجد نفسه مؤمناً منتمياً لطائفة ومذهبٍ دون تاريخ ميلاد لإعلان إيمانه .. إلا تقليداً لما وجد عليه أهله كما هو الحال مع كل سلوكياته وقناعاته..،
أو أن يعيش شبه مؤمن، ذليل الجانب، مهاناً متظاهراً بعـزة لا يشعر بها، ممثلاً فاشلاً للمؤمنين، ليس أهلاً للدفاع عن مبادئه، .. لأنها عملياً وآنياً لا توفر له ما يفهمه وما يحتاجه من اطمئنان نفسي، وحماية مادية. فالقبيلة مقدمة عنده على الإيمان .. إذا تعارضا.
أما السؤال الجوهري الكبير الذي لا يود الفقهاء طرحه، ولم نسمع من المفكرين رأياً صريحاً حوله، ولم نلمس عند عموم الديانات فهماً أو إجابة له، في الوقت الذي نرى فيه جلياّ الآثار السلبية لهذا السؤال على الشخصية الدينية عامة، والعربية المسلمة خاصة..
السؤال .. حول الشعور الذي ينتاب المسلم أثناء عباداته، ويحاول كتمانه طوال حياته.. وهو شعوره بأنه مجبرٌ على الإسلام والإيمان العربيين .. ولا يملك إلا أن يكون مسلماً وفق التراث العربي .. بشكل يشبه إلى حد كبير تبعيته للعشيرة، الأمر الذي ينتفي معه ويختفي تماماً وجود المسلم المؤمن الحقيقي داخله، المفتخر بإسلامه، والمتبني طوعاً لمبادئه، والمتفاعل إحساساً وعقلاً وعاطفة مع أوامره ونواهيه.
إذ يكفي أن يُقال للإنسان " أنت مسلم"، وقد وجب عليك شكر الفقيه وطاعة الوالدين وعبادة إلههم..، بدل أن يُسأل هل تدخل الإسلام أم لا .
ثم يُقال له إن من يرتد عن الإسلام مصيره الموت!
فهل الذي يعيش بمثل هذه الثقافة وهذه الأفكار وهذا الواقع .. هل يُعـدُّ إنساناً حراً في عقيدته.
ولعل الأمر يتضح أكثر عند مقارنة المسلم العربي النمطي، بالمسلم الغربي .. حديث الإسلام، والذي أسلم بملء إرادته، والذي يعلم تماماً أن خلفه مجتمع حر ودولة واضحة الدستور.. تحمي حرية اختياره لمعتقده، ويعلم تماماً أنه لو اقتنع بالعدول عن الإسلام، لصالح أي معتقد ديني آخر فإن حريته الشخصية تبقى مَحْمِية وحقه في الحياة مُصان، مما يعني أن من أسلم منهم فقد أسلم بملء إرادته، بعد أن عرف الإسلام، وأدرك ما معنى أن يكون الإنسان مسلماً.
أما المسلم العربي، فإن الإسلام اليوم يمثل له دائرة شبه معلومة.. ولكن بصيغة غير مفهومة!دائرة كل مَنْ دَخَلَهَا، أو وجد نفسه فيها، كان هائماً تائهاً فاقداً لوزنه وحريته الشخصية في أبسط صورها، وصار لزاماً عليه تنفيذ أوامر بني جنسه وأرباب عقيدته (إن صح التعبير )، وعليه إتباع الإسلام حسب فهمهم له، و تبني أفكارهم وتجميد عقله، وتحضير الرسائل العلمية في فلسفاتهم، وعدم الخروج عن نصوصهم ..، كل هذا من أجل أن يضمن بقاءه على قيد الحياة. وكل هذا يحدث باسم الإسلام. ولا تعني لهم قناعته بأفكارهم الشيء الكثير.. إذ لا يملك إلا أن يقتنع بها. لأن البديل سيكون تسميته مرتد، وبالتالي قتله ودخول الجنة على جثته. هذا حال من دخل الدائرة، أو وجد نفسه داخلها بالوراثة، أو أراد الخروج منها.
أما المتواجد خارج هذه الدائرة .. فهو العدو المفترض .. لكل المسلمين، وتجب محاربته، وإدخاله الدائرة عنوة، أو إذلاله أو قتله. وإلا .. فيجب كراهيته واستحقاره إذا استحالت الخيارات السابقة. ومن يقول بغير هذا فهو عميل منافق زنديق .. حسب رأي مسئولي تلك الدائرة الدينية.
لقد أعطى العرف للقائمين على القبيلة القدرة والتشريع في إهدار حقوق الإنسان الفرد الخارج على عرفهم، وعدم توفير أي نوع من الحماية له.. وهم المسيطرون في المجتمع تحت راية العشيرة وباسم العرف.. وبفضل غياب القانون على مر التاريخ العربي. أما فقهاء الدين فبالإضافة إلى ترويجهم المستمر والغير مطروح للنقاش .. وإصباغ صفة الشرعية على محاربة غير المسلمين لأقل الأسباب، فقد اتفقوا على تأكيد ضرورة استمرارية- وجوب وشرعية قتل المرتد عن الإسلام؛ ولم يتطوروا في فهمهم للدين .. ليدركوا أن هكذا حكم شرعي له ضوابط قد لا تتوافر شروطها، وأن التلويح به جهاراً نهاراً هو أبلغ إساءة للإسلام والمسلمين! وأنه لم يعد من مبرر له بعد اكتمال الدين. ويتجاهلون أن في القرآن آيات كثيرة في هذا السياق تؤكد أنه قد تبين الرشد من الغي، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وكأنهم لا يعلمون .. وهذا أهم ما في الأمر .. أن شعور المؤمن بأنه مُجْبَرٌ على الإيمان حتى وإن كان مخلصاً في دينه.. لهو أمر خطير يشكك في روح الإيمان وجدواه، ويُضْعِفُ حُجَّتَه و يَحُطُّ من شخصيته.. إذا كان هذا المؤمن حراً ناضج الفكر.
أما المؤمن الذي لم يستوقفه هذا السؤال، فهو في رأيي - المتواضع - محسوب على المؤمنين وقد لا يكون منهم، ولاشك أن نظرته للأمور سطحية، وهو بالتالي أقل من أن يُقدم للدين نفعاً، أو يدفع عنه ضُراً، بل وأكثر من ذلك هو صورة مشوهة للفرد المؤمن ؛ صورة تعطي انطباعاً منفّراً من الإيمان والمؤمنين.
تُرى ماذا تبقّى للفرد العربي المؤمن من الكينونة الإنسانية .. والتي تعني عدم طغيان أحد على الآخر، وتعني الحرية الشخصية الكاملة فيما لا يَمَسُّ حرية الآخرين، وبما لا يخدش الحياء العام للمجتمع. فبينما يأمر الدين الفرد بالإيمان بالله قبل وبعد وأثناء كل أمرٍ ..
فإننا نجد العروبة تتدخل لتُجْبِرُه بشكل عملي على الالتزام بروابط وضوابط التراث، فالعائلة ثم العشيرة ثم القبيلة ثم المنطقة ثم الدولة .. ومن بعد ذلك يأتي تأثير الإيمان بالله وتوحيده.. إذا لم يتعارض مع الالتزامات السابقة.
ومن المفارقات العجيبة أن تستمد العروبة دعوتها أو إلزامها للفرد بهذه الضوابط من تفاسير القرآن المتوفرة الآن .. كالتي تتعلق بصلة الرحم، وطاعة الوالدين، وطاعة ولي الأمر، وعدم الخروج على الجماعة، وضرورة مخالطة الناس .. وغير ذلك. بالإضافة إلى ضرورات هذا الفرد الحائر والتي لا غنى له عنها في الحياة، والتي تجبره على الخضوع الكامل لأعراف القبيلة أو العشيرة المتنافية مع روح الدين والمنطق في جُلِّ أخلاقياتها وأدبياتها؛ ولا يوجد من مجال للدفاع عن الجانب الديني، أو التمسك به عندما يصطدم بها .. إلا على استحياء. ولذلك فنحن نرى أن الفرد العربي المسلم لا يتمكن من منافسة أنداده من باقي الأعراق إلا في حالة واحدة .. وذلك عندما لا تخاصمه الأقدار، ولا تضع مصدر رزقه وأمنه بيد العشيرة أو الدولة؛ حيث يتحرر من هذه القيود .. سواء باللجوء إلى دولة غير إسلامية حيث يكفل القانون حرية الفرد وحقوق الإنسان. أو بالتمرد على أعراف مجتمعه العربي المسلم التي لا تعترف بكيان الفرد، ويبني بإمكانياته المادية بيئة صغيرة خاصة به، معزولة داخل المجتمع.
ولما كان الفرد هو اللبنة التي تتكون من مجموعها الأمم .. ومن ثم المجتمعات؛ ولما كانت الثقة بالنفس ضرورة لكيان هذا الفرد، وبالتالي كيان الدولة، فإن الخلل لدى الفرد العربي المسلم ظاهر للعيان.. وهو بالتالي السبب المفصلي في عدم قدرة الشعوب العربية الإسلامية على مواكبة باقي الأمم، واكتفائها بالتغني بأمجاد ماضٍ مشوش البيانات، مشكوكة أو مخترقة بعض مصادرها وأهدافها. وأنا ممن يعتقدون بأن عدم ثقة العربي المسلم بنفسه مقارنة بسواه من غير العرب وغير المسلمين .. ومكابرته، وادعائه بمعرفة ما لا يعرفه، وكراهيته للآخر، وافتخاره بما لم يفعله، ووصفه لهزيمته بالنصر، ونعته لنصر الآخرين بالهزيمة، وسهولة انحرافه وإتباع الأفكار المضللة..
كل هذا مرجعه إلى شعورٍ مبرر .. بالنقص وبأنه ليس أهلاً لاتخاذ قراراته المصيرية بمعزل عن تأثيرات المجتمع ورجال الدين، بل وأحياناً عدم السماح له حتى بإبداء رأيه في أمور يتوقف عليها تحديد مسار حياته وعلاقته مع خالقه ومع بني جلدته.
من كانت حجته وتبريره لأخطائه في الدنيا .. هي إتباعه لآخرين ارتبط بهم .. أياً كان سبب وشكل الارتباط ، فهي حُجّة عليه وليست له. ولا يمكن للعقل أن يقبل أن إنساناً يحمل أمانة الخالق المتفرد بالجبروت .. والتي إما أن تؤهل حاملها إلى دخول الجنة، أو تضعه في جهنم .. ثم يعيش حياته تابعاً ومهشما لا يملك من أمره شيء، خاصة إذا كان هذا التهميش المشين وتلك التبعية المهينة.. تُفرض عليه باسم الدين. ولذلك فإننا نرى الأعراق والأجناس الآدمية المتحررة .. تتعامل بثقافات وأفكار منطقية، مفادها أن هذا الإنسان الفرد الذي أعطاه خالقه حرية اختيار مساره في الحياة، وأجّلَ له الحساب، ووعده بالمغفرة وفق مشيئته سبحانه وتعالى، وأعطاه الرزق والمتعة والمكانة الرفيعة في الحياة الدنيا مؤمناً كان أو كافرا ! لا يمكن أن يكون هذا المخلوق طبيعياً إذا اختلّت هذه المعطيات، سواءً باسم الدين أو بغيره، ومهما كانت الأدلة دامغة في نظر المروجين لها.
إننا نفهم أنه من بين المؤمنين بالله وبالبعث والحساب .. أناسٌ مهيئون وقادرون على الدعوة إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم من نذر حياته وأمواله في سبيل الله. ولكننا لا يمكن أن نفهم وجود أناس يفرضون على غيرهم أن يكونوا مسلمين وفق رؤيتهم، ويحددون لهم السبيل إلى الجنة ويفرضون عليهم سلوكه! ولا نفهم من أين للبعض الحق في قتل البعض الآخر إذا أراد الكفر ودخول النار! ومن قال إن هذا المرتد ليس معذوراً في قراره تلك اللحظة .. كنتيجة طبيعية لضعفه كبشر، أو كردة فعلٍ لقدراته الفكرية المحدودة تجاه واقعه المتردي. ومن قال إن هذا المرتد لن يعود للإيمان مرة أخرى ويغفر الله له. فهل القائلون بقتل المرتد والقائمون عليه، هل هم ملتزمون بتوفير بيئة الإيمان له! أم أنهم موكلون بمتابعة إسلامه وفق رؤيتهم فقط، ولا يعلمون عن أمره شيئاً، ولا يعنيهم من شأنه إلا إسلامه أو موته، أم أنهم أحفاد ذي القرنين.. فمكّن الله لهم في الأرض واتبعوا سببا، وليس لأحد أن يسألهم عما يفعلون، وبقية الناس لا يعلمون !
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|