الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » فكــر وثقافة » المفـاهيمُ تقبلُ الاختـلاط والاختـلاف ولا تحتمل الخلـط والخـلاف [2]
| أضيف في: 10/12/2008 | |||
|---|---|---|---|
المفـاهيمُ تقبلُ الاختـلاط والاختـلاف ولا تحتمل الخلـط والخـلاف [2] ... تكملــــة الجزء الأول إننا عندما نستمع إلى مُثقف عربي مسلم – وهو يُبدي تخوفه الشديد مما بات يُعرف اليوم بـ"العولمة الثقافية "، أو نقـرأ لمُفكّـر مسلم يعتقـد بقـدرته على توحيد الناس كافة على أمـر فكري أو عقائدي .. حتى لو كان ذلك الأمـر هو توحيد الله عـزّ و جلّ ..؛ أو نرى بين المسلمين من يعتقـدون بأن رسالة المسلم في الحياة هي توحيد الناس كافة على معتقده، .. وإلا فمعاداتهم ومقاتلتهم. فإنه لا ينبغي أن يُخامرنا أدنى شكٍ في أن مثل هؤلاء المسلمين - من كانت منطلقاتهم عقائدية إسلامية - فهم لا يقرأون القرآن ولا يتدبرونه ولا يعقلونه بأنفسهم، وإنما يتبعون ما يُقال لهم ! ومن كانت منطلقاتهم ثقافية فهم مصابون بـداء ثقافي - أسميته .. داء خلط المفاهيم. وهـو داءٌ يصنعه المثقف وينشره الكاتب ويكتوي به القارئ .. حيث يؤدي به إلى الجهل باسم المعرفة! فكأن الخلط مرضٌ ثقافي يُصيب مركز صناعة الفكر لدى الإنسان بالشلل، فـتُـغلق أمامه الآفاق الفكرية – الكونية والوجودية والإنسانية الواسعة. فالخلطُ بين المفاهيمِ هو المسبّب الرئيسي للتشوهات الفكرية التي تؤدي إلى انحرافات فاصلة - قاتلة - في حياةِ الإنسان. لأن الخلط بين المفاهيم غالباً ما يقود إلى الضلال والهلاك - بحجة نُصْـرَةِ الحقِ وإقامة العـدلِ. فنحن نعلم أن المفهوم : هو لفـظة يُشار بها إلى المعنى الثقافي للمفردات، وإلى المدلول المنطقي للألفاظ، والبُـعد الفلسفي للمصطلحات، والمغزى الأدبي والفكري للجُـمَلِ والأحرف والإشارات – اللغوية .. وذلك على اعتبار أن المفهوم هنا - هو ما تعنيه الآيات في الكتاب المقـدّس، وكذلك هو كل ما يقصده المتحدث أو الكاتب من البشـر! ويتحقق المفهوم ويؤدي رسالته .. عندما يذهب عقل المُتلقي - قارئًا أو مستمعًا – إلى ذات القصد وبذات الدقة التي سيق بها اللفظ - وذلك في مختلف الساحات والمجالات وبمختلف اللغات. فمثـلاً، عندما نقول :قُـدرة الإله والأزل والأبـد، ومشيئة الله وبداية الوجود والخلود ونهاية الحياة، ومفهوم الإنسان في الأديان ومفهوم الأديان لدى الإنسان، والإسلام والدين، المسلم والإنسان، الكفر والشرك والإلحاد - والمنطق والحق والإيمان، الدولة والأمّـة، الشعب والمجتمع، الصراع البشري الواسع والجهاد المقدّس المُحـدّد، المصالح والمبادئ والأولويات، اختلاف البشر وضعفهم ووحدة شرائع السماء، الفكـر والتفكير والثقافة والمعرفة، الأنا والآخـر الفارق الطبيعي والفاصل المصطنع، المعتقد والأمانة والرسالة، حياة الجماعة ومسئولية الفـرد، نطاق الحرية وحـدود العبودية …الخ فإننا بذلك إنما نشير إلى عدد من المفاهيم الإنسانية التي يصح بينها الاختلاط ولا يجوز الخلط بينها، كما أنه يُقبل حولها الاختلاف ولا يُعقل الخلاف حولها! .. بمعنى أن التشابه الظاهري الأولي موجود، ولا يمكن نفيه، ويجوز الاختلاف فيه حول طاولة المنطق والمعرفة؛ ولكن الاشتباه في المدلولات يجب انتفاؤه؛ ولا يؤدي الاختلاف إلى خلاف إلا في ساحة الجهل. فمثـلًا : الثقافة كـ( لفـظ ) هي من أكثر المفـردات استخدامًا وحضورًا على ألسنة المتحدثين وخلف أقلامِ الكُتـّاب ..، وفي هذه الحال فإن المنطق يقول : إن الثقافة كـ( مفهـوم ) ينبغي أن تكون واضحة في مدلولها، بما يُمكّن من الكاتب والقارئ والمتحدث والمستمع من التوافق التام على القصد منها! يمكن تعـريف ثقافةَ أي مجتمعٍ على أنها المصدر الابتدائي الذي يستقي منه كل أفراد المجتمع أساسيات المفاهيم الإنسانية والحياتية - النظرية والتطبيقية. وفي حال صواب فكر الأفراد والمنظمات في مجتمع ما، فإن الفضل يرجع إلى الثقافة المحلية لذلك المجتمع؛ كما أن للثقافة من الوزرِ نصيب كبير في حالِ انحرافِ فكرِ الفرد! ذلك بأن الثقافةَ هي أول مُتحدث في حياة الفـرد - نُصحًا أو تضليلًا، وهي أول مستمع للإنسان - نقدًا أو تأييدًا! وهي بذلك تعتبر المؤسِّس والموجِّـه والحاضِـن - لفكر الإنسان في بدايات تكوينه . ولا يختلف عاقلان على أولويةِ عنصرِ اللغة - بل وتفـرّده - في تحديد وتوحيد المفاهيم! ومن هنا تأتي أهمية وضرورة اهتمام الأفراد والمؤسسات - التعليمية والتثقيفية - بفـرز وتدقيق - دلالات الألفاظ، والاتفاقِ حول مفاهيمها، وتأصيلها في حياة الإنسان – فـردًا وجماعةً. أخيراً ، فإنني أرى أنّ ما نعيشه نحن العرب - اليوم - من تطور سلبي وتأزّم مستفحل لأزماتنا، وتحولنا إلى مهزومين في كل قضايانا ومُدانين في نظر العالم، وبقاءنا محط تساؤل وسخرية أمام كل الثقافات، واعتمادنا المطلق على لغة الأديان والجهاد؛ وعدم فصلنا بين اختلاف البشر الحتمي وصراعهم وتدافعهم وتضارب مصالحهم .. وبين .. الجهاد المقدّس الذي له شروطه وبيئته وإمكانياته وضروراته واستعداداته؛ ووَصْفنا لكل مَـنْ نختلف معه بأنه عـدو يستهدف وجودنا وديننا، .. إن ذلك كله بسبب خلل كبير يعتري ثقافتنا ومنها انتقل إلى الفكر العربي ومنه إلى التأويل الخاطئ وغير المشروع للآيات القرآنية.. الأمـر الذي أوصلنا إلى هاوية الصدام والخلاف - بعد مرحلة الخصام والاختلاف - مع كل الثقافات الأخرى – بل وحتى فيما بيننا. وإنه لمن واجب كل عاقل - يشعر بالمسئولية والمأساة الثقافية والفكرية التي نعيشها – أن يُساهم مساهمة فاعلة في إعادة صياغة ثقافتنا بلغة العصر والعقل والمنطق وتوحيد المفاهيم، لا بلغة التفاخـر الخرافي بالماضي والحـذر المميت من التواصل والاختلاف مع الآخـر. وعلينا التحاور والتخاطب بحقائق الأمـور لا بأمانينا، وحث الجميع على النظر إلى العالم والوجود برؤية عقلانية واسعة قابلة للفهم – قادرة على المنافسة .. تستوعب الاختلاف بين الثقافات. وإنني لأجـزم بأن ترسيخ حقيقة فكرية – مُستقاة من كتاب الله، مفادها أن مشيئة الله قد أرادت للصراع والاختلاف بين بني البشر أن يظلَّ كأحـد سُننِ الحياة إلى ما شاء الله .، أقول إن ترسيخ مثل هذه الحقيقة في الثقافة العربية لَهـو أمـر كفيل بأن يُصحح قواعد اللعبة لدى العقل العربي ويقوده إلى رشده، وسيُنتج حينها فكرًا منتصراً في صراعاته البشرية بما يتناسب مع واقعه وقُـدُرَاته وقضاء الله وقدره وفطرة الاختلاف التي فطر الله الناس عليها، .. ولن يظلَّ بعدها العقل العربي أسيرًا لأحـلام البطولات الوهمية وآمال الأمجاد المجهولة، ولا رهينة لثقافة العنف والعداوات الدينية - بانتظار اليوم الموعود المغلوط – يوم النصر الشامل للعرب المسلمين على كل من سواهم – الأمـر الذي رسخته - ولا تزال - الثقافة العربية السائدة في ذاكرة الأجيال العربية المسلمة، فأضحى العرب رمزاً للحرب - بانتظار النصر الشامل، ولم يعيشوا واقعهم ولم ينتبهوا للتطورات والتحالفات من حولهم .. والخشية أن يكون القادم المنتظر هو ضياع ما بين أيديهم اليوم! كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر . |
|||
|
|
|
|
|
|
خيارات الـمقـال : |
|||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|

