| هل آن لنا أن نترجّـل عن صهوة العـداء الثقافي للآخـرين..
هنالك سؤال يجول في خُلـدِ الكثيرين، ويطرح نفسه على العقل العربي المسلم؛ ويُحاول الكثيرون وربما الجميع التهرب منه .. وهو .. ما حقيقة عداء الغرب لنا .. وما مدى مسئوليته عن أوضاعنا المأساوية؟
أما لماذا يتهرب الجميع من هذا السؤال، فإن ذلك بسبب ثقافة المصطلحات الجاهزة المسيطرة على الساحة الثقافية العربية والإسلامية.
حيث تَعُجُّ ساحات الإعلام العربي بمصطلحات جاهزة، تُناسب مقاسات وأذواق من اعتادوا الاستماع، وكفاهم ذلك شر التفكير.
تلك المصطلحات التي ربما يسهر بعض المثقفين العرب الليالي على صنع قوالبها، وطلائها بما يناسب الترويج لأمر ..غير مبرر، وليس محلاً للنقاش حسب زعمهم.
ويُضفي عليها بعض فقهاء ديننا البريء، لمسات قداسة. وتأخذ شرعيتها وطريقها للقلوب بمجرد ورودها في مقالٍ فريد لكاتب مرموق على صدر صحيفة واسعة الانتشار.
وتأخذ حصانتها الدبلوماسية، بـمجرد أن يتطرق لها أحد المسئولين الحكوميين الكبار، في خطاب حماسي، أمام جماهير تسمعها للمرة الأولى، فتهتف بها .. وعلمها عند الله .. والزمن كفيل بإيضاح مغزاها ونتائجها.
ومن أراد أن تثكله أمه أو تُرمّل زوجته أو ييتم أبناؤه، فليتجرأ ويطلب السيرة الذاتية أو شهادة ميلاد، لهذا المُصطلح أو ذاك.
فهذه مصطلحات تستخدمها وترعاها محاكم عليا من الدرجة صفر .. فالقاضي فقيه دين بعيد عن الواقع، قال قولته وأفتى بالإعدام قبل حدوث الجريمة. والمُدّعون العامّون ..هم نخبة من مفكرين ومثقفين وكُتاب. والمُنفّذون .. أجهزة استخبارات تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
والشهود .. جماهير غفيرة لا حصر لها ولا وزن ولا حول ولا قوة. وإذا كانت من حسنة تُذكر لهذه المصطلحات هو توحيدها لهذه المتناقضات ولهؤلاء الأعداء، وجمعها للسياسات العربية في مسار واحد واهم، يحتاج إلى بوصلة في عصر( الجي بي أس)، فقد أوصل العرب إلى بر الغراق ( غ = ع ).
وقد أفلح المفكرون والمثقفون العرب أيـما فلاح، في استخدام أقلام الكُتّاب , وفتاوى الفقهاء، وحماس الشباب، وسطوة الدولة .. لبناء سياج معتم أمام العميان، ومرتفع عن الأقزام يحيط بذاك المسار. وقد طُلِيت جدرانه باللون الأسود، وغُطّيت بملصقات شفافة تحمل تلك المصطلحات.
فأصبحت الخلفية سوداء والمقروء ملتهب، ولا يُرى غيرها. وليس من نافذة دينية أو ثقافية أو سياسية أو فكرية، يُنْظَر من خلالها لما خلف السياج.
واستمر الحال وتعاقبت الأجيال والعرب على هذا المنوال. فتوالدت هذه المصطلحات وتطورت إلى شعارات تُرفع في كل احتفال، وأصبح العرب رواد صناعة الشتائم والسباب، ومبتكري العداوات، ودعاة سلام باسم الإسلام في آن معاً. وأدخلوها مناهج التعليم، ولُقنت للأطفال .. إلى أن أصبحت على ما هي عليه اليوم.
فهي ثوابت الأمة السياسية، ومعتقداتها الدينية، وموروثاتها الثقافية الحضارية، والمساس بها من الجرائم الأخلاقية.
وكنا ولا يزال جُلنا، نقول إنه لا يمكن لأمور بهذه الصبغة التاريخية، وأرست قواعدها نُخب عربية .. إلا أن تكون مدروسة المبررات ومحسوبة النتائج. وكنا نُكبل أفكارنا، ونكتب مقالاتنا في صحف صدورنا وننشرها في إعلام خلوتنا. فليس من قدرة ولا مبرر لمزاحمة الأئمة على إمامة الأمة، طالما أنها فرض كفاية، وهي وسيلة وليست غاية.
إلى أن أوصلونا إلى شفير حفرة معاداة العالم أجمع، والمركبة غرقت، والمسافرين ملّـوا الجلوس والصمت الرهيب، والأمور تغيرت، و(العيال كبرت)، و الموروثات نوقشت.
فسنحت لنا الفرصة بطرح سؤال برئ، طالما ضاقت به صدورنا. وظننا أن سؤالاً بهذه الأهمية، لا ريب أنه قد نُوقش في ندوات المفكرين، وأن ما أجمعوا عليه من إجابة يجب أن تكون صائبة، وعدم قناعتنا بها يجب أن يكون قصوراً فينا.
وكانت إجابتهم هي إنتاج هذه المصطلحات موضوع هذا المقال، والمشار إليها آنفاً ولاحقاً.
أما السؤال فهو .. ما حقيقة عداء الغرب لنا .. وما مدى مسئوليته عن تخلفنا ؟؟ …
ونرجو أن تتسع صدورنا لبعضنا، ونعتمد نقاش الحجة المُبرهنة وسيلة للتفاهم، وأن نصمد في وجه موروثنا الجاهلي .. من شعور بالنقص وكأن كل صيحة علينا، وكأن كل نقد لنا هو عدوان غاشم، وكل استفسار هو تشكيك. وكل محاولة تغيير هي مساس بالسيادة؛ وكل آخر هو عدو.!
وأن نستعمل معايير ووسائل إنسان اليوم، ونتخلص من وسائل الإنسان القديم الذي كان كل ما حوله حيوانات مفترسة، أو جماد لا ينطق، وبالتالي فهو العاقل الوحيد، وليست له من وسيلة تفاهم مع محيطه إلا جوارحه وما أتيح له من سلاح، ولم يكن من مبرر ولا إمكانية لاستخدام العقل والمنطق آنذاك.
فلنعش عصرنا ولنستخدم وسائله؛ ولنشرك كل من له رأي في تحديد الأهداف والوسائل الكفيلة بتحقيقها بأقل التكاليف.
ولنبتعد عن الثقة المفرطة القاتلة بالنفس .. وتهميش كل من سوانا. ولنضع نحن .. محل الأنا، والعالمية محل العروبية، ولنجدد خطابنا، ونحترم الآخر، ولنشرّح مصطلحاتنا وننزع عنها القداسة المزيفة، ولنجرّب غيرها، ونستخدم ما أنتجه غيرنا، وأتاحه لنا من وسائل مكنتنا من التواصل؛ فنشترك جميعاً في وضع معالم طريقنا واتجاهه.
ولنرفع رصيدنا من الأصدقاء، الذي قارب على الإفلاس؛ ولنُخَفِّض التضخم الحاصل في سوقنا العدائية. ولنستخدم معجزة نبينا الكريم .. وهي بلاغة اللغة وفصاحتها والحكمة وقوة الحجة. ونزيل تلك الشعارات التي أثبتت وأثبتنا وأثبت الزمن وأثبت الآخر بُطلانها. ..
من هذه الشعارات ما هو للتمويه فقط وليس للاستعمال مثل ( أمة واحدة من المحيط إلى الخليج، نمد غصن الزيتون، نسالم من يسالمنا ونعادي من يعادينا، يد تبني ويد تحمل السلاح، الغرب يذل المرأة ونحن نكرمها، هدفنا تحقيق أحلام الشعوب في تقرير مصيرها .. "في حين أننا نمنع الفرد من تقرير مصيره" ).
ومنها ما يلهب المشاعر ويشل التفكير مثل ( صراع وجود لا صراع حدود، أهداف الآخرين السيطرة على العالم، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، نحن أمة توحدها الخطوب، المقاومة المسلحة هي الخيار الوحيد، أطماعهم من النهر إلى النهر، أعداء الشعوب، مؤامرة حيكت خيوطها في ظلام، سلب الإرادة، معركة الحرية والكرامة، يرزح تحت نير الاستعمار ).
أما النوع الثالث من هذه المصطلحات فهو المسئول عن نقل مورثات التحقير والعداء .. من قبيل .. (أحفاد القردة والخنازير، بعبع الصهيونية العالمية، نهب مقدرات الشعوب، تسميم الأفكار، الأقلام المأجورة، العملاء ).
أما النوع الآخر فهو الذي يشير إلى تقدم وهمي للعرب في جميع المجالات، وتخلف رهيب مزعوم لغير العرب في جميع الميادين .. من قبيل ..(الفضل للعرب في نهضة الغرب، نحن أمة لا تقهر، المجد والخلود لأمة العرب، سنعيد أمجاد أمتنا، ما يعيشه الغرب من تقدم هو وهم سيزول، ... ) …
وأخيراً يأتي دور اللمسات الدينية التي قد تجيز قتل المسلم للمسلم، وكأنه ليس رسولنا من قال أن كل المسلم على المسلم حرام.
حيث يُهدد وقد يُقتل إذا تجرأ واستفسر أو حاول المساهمة في تفسير الدليل الديني .. ومن هذه اللمسات … ( تدنيس المقدسات، محاربة الإسلام، الخونة والمرتدون، الشيطان الأكبر ) . … الخ…
من هذه المصطلحات والشعارات والمُجسّـمات، والتي جعلت منا نموراً من ورق، ننتظر عودة مجد مجهول المعالم، ونحاول استعادة مسروقات وهمية، ونصنع الأعداء لنحاربهم .
هذه الشعارات والمصطلحات الحماسية النارية .. التي أوغرت الصدور، وألهبت المشاعر، ورسمت للغرب .. بل .. للآخر، صورة قاتمة بشعة حالكة السواد، في نفوسنا دون مبرر، ودون إنصاف لهذا الغرب وذاك الآخر.
فلو أن من يتبنون هذه الشعارات، ويتخذون منها نبراساً يضيء لهم الطريق الذي اقتربت نهايته المؤلمة، لو أنهم ترجلوا عن صهوة هذا العداء الأعمى، وجلسوا مع أنفسهم بحيادية العادل، وحاوروا الجميع بقبول الآخر، ونظروا للغرب بإنصاف المؤمن …
وتذكروا قول الجليل تعالى .. بسم الله الرحمن الرحيم
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) , وقوله تعالى .. ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) صدق الله العظيم.
لو فعلوا ذلك .. لاعترفوا بأن تخلفنا السياسي تعود بدايته إلى نهاية عصر ما يسمى بالخلافة الإسلامية، حين بدأ رسم وترسيخ الوراثة أخت الجاهلية(هكذا يقول تاريخنا ).. أي ما قبل وجود الغرب.
ولاعترفوا بأن تخلفنا العلمي يرجع إلى عصر الخلافة الإسلامية العثمانية(هكذا تقول كتبنا الدراسية ).
ولاعترفوا بأن مجيء الغرب إلى أوطاننا في بدايات القرن الماضي كان سببه عدم وجودنا آنذاك، إلى جانب وجود ثقافة الاستعمار العالمية المسيطرة حينها.
ولاعترفوا بأنها قليلة هي الدول العربية التي نالت استقلالها بجهاد أبطالها، وأن أغلبها تحررت إما باتفاقيات أو بعد زوال ثقافة الاحتلال التي كانت تسود العالم، والتي يتقاسم شرف الفضل في زوالها جميع المجاهدين المدافعين عن أوطانهم من عرب مسلمين وغيرهم ..، إلى جانب مفكرين ومثقفين وبعض القادة الشرفاء في الغرب، بالإضافة إلى تحضّر شعوبهم التي ما انفكت تنادي باحترام إنسانية الإنسان في كل مكان، ودعمت وتدعم كل ما من شأنه تحرر الشعوب، وحقوق الإنسان.
ولاعترفوا بأنه ليس من الشهامة العربية في شيء، ولا من حكمة المسلم وصدقه مع نفسه وعدله في شيء .. معاداة شعوب عظيمة بتاريخها وحضارتها وحاضرها، وما قدمت للإنسانية من قواعد للحرية وللعلم .. كالشعب البريطاني والشعب الأمريكي والشعب الفرنسي .. وغيرها.
ولاعترفوا أنه ليس من الإنصاف والعدل أن نذكر عيوب هذه الأمم لأجيالنا، ونخفي أفضالها ووقوفها إلى جانب الحق في مواقع تاريخية وعصرية كثيرة.
وليس من المفيد لنا أن نتغنى بأمجاد لم نصنعها وحدنا، وليست هي سر تقدم العالم كما ندّعي.
وليس صواباً أن نستغفل أجيالنا الصاعدة ونحشرهم في زاوية مليئة بالأوهام والعداء.
وليس صواباً أن نُجبر شبابنا على السير في ممر ضيق، سار فيه أسلافهم قروناً من الزمن، ونحن الآن نشعر بأنه بدأ يضيق علينا .. وربما سيطبق عليهم.
ليس صواباً أن نُخفي عنهم الحقائق .. في أن جُل علماء نهضة العرب المسلمين ليسوا عرباً.
ليس صواباً أن نحجب عنهم الكُتُب ولا نُمكّنهم إلا من قراءة ما يخدم قناعاتنا.
ليس صواباً أن نشكك في مقدرة أجيالنا على استنباط الصواب مهما قرأوا من كتب لا تُعجبنا.
وليس من الإنصاف ألا نذكر أن اتفاقية (سايكس بيكو ) التي يعدها العرب من أهم مؤشرات عداء الغرب لهم، أنها لم تُقسم دولة عربية موحدة وشعب عربي واحد، بل قسمت أراضٍ غنمتها من إمبراطورية تركية كانت تُناصبها العداء، وكانت تعزل العرب عن العالم، .. وكل ما كانت تقدمه لنا هو جباية الضرائب من الفقراء، وإرسالها إلى اسطنبول.
وأن تلك الاتفاقية لم تشمل دول الخليج ولا مصر ولا دول شمال أفريقيا، وإنما كانت تخص منطقة الشام وحدها!
ولاعترفوا بأن للغرب الفضل في هزيمة النازية والمارد الياباني في الحرب الكونية الثانية .. هذا الثنائي الرهيب الذي أعلن صراحة عزمه و نيته السيطرة على العالم واستعباد أو إبادة باق الأعراق.
أما الغرب المسيحي النصراني فهو من ينفي نيته إيذاء الآخرين، ويبرهن على ذلك .. ونحن من يدفعه إلى تبني وإعلان العداء بشتى الوسائل والشعارات، ونُحاول جره لاستعمارنا، .. باستفزازه تارة، وبطلب نجدته، .. وبإعلان العداء الأبدي له لأدنى، وبعدم قدرتنا على حماية أنفسنا .. تارات أخرى؛
متناسين أننا لسنا عسكرياً نداً لهم الآن على الأقل، وأننا لا نعدو كوننا مناطق نفوذ .. إذا لم يسيطر عليها الغرب- سيطر عليها منافسوه من غير العرب والمسلمين؛ وأن من حقه الدفاع عن مصالحه.
أما أحجية عداء الغرب الأزلي للإسلام .. فهي أسطورة لا علاقة لها بالواقع.
فمن ينظر لحال الإسلام في الغرب يُدرك أن هذه الثقافة لا تمت للمنطق والموضوعية بأي صلة!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|