( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال )  ...   قراءات صامتة في مشاهد ناطقة!  ...  ... إننا نَبغضُ الموتَ لا نعلم منه سوءاً نرفضه.. ونطلب حياةً ليس لها علينا فضلٌ نذكره! ... فإن كان لدى بعضنا لحب الحياة أسبابٌ، فَلَدَى جُلِّنا لطلب الموت أسباب وأسباب!  ... إنه لا يوجد معنى آخر لأن يَشْهَدَ الإنسانُ أمراً، إلا أن يراه! فإذا أجزنا للغائب أن يشهَدَ بما لم يره، وجب علينا تصديق الكفيف برؤيته لما لا يمكن أن يراه..، وكذا الإيمان بوجود ما لا وجود له!  ..  إنه لا يمكن للأعمى أن يشهدَ أمراً وإن كان له حاضرا، ولا يمكن للغائب عنه أن يشهده وإن كان مبصرا!  ...  وما شهادة الإنسان من خلال الآخرين إلا من صُنُوفِ التعصُّب والغباء والضعف والكذب!  ...  إن ما لا يُدرِك الإنسان حقيقة وُجُوبه لا يملك مبررات فعله، وما عـزَّ تبريره كان من العبث إتيانه، فإذا كان عِقاب العابثين مبرراً، فإنه ليس للعبث من الثواب نصيب وإن أصاب العابث!  ...  لا يجمع الأخلاق بالخوف والطمع جامعٌ، فإذا كان السلوك بدافع الخوف والطمع، كان خلو الأمر من الأخلاق تحصيل حاصل! ...   إذا أُزيح العقل والضمير عن معادلة الحساب العادل، بات الاعتقاد بوجوده ضرباً من ضروب الوهم والخيال القاتل! ... فالعقل مِقود الإنسان، والضمير مراقب العقل! .. رسالةُ العقلِ تحقق الحياة وفق الحقيقةِ، ووظيفة الضمير تحقيق الأمانة في الحياة!  ... عقول الآخرين لا تكون حُجَّة للعاقل ولا حُجَّة عليه، فلا يكون خضوع العاقل لعقل غيره إلا نتيجة لجهلٍ أو ضعفٍ أو تعصُّبٍ ..، وليست تلك من معالم طريق الأمانة والحقيقة!  ...  لو جاز أن تكون عقول الآخرين حُجَّة للإنسان أو عليه، لكان كل المُقلِدين الخاضعين لعقول غيرهم مهتدين – مهما تكن نتائج خضوعهم وتقليدهم، ومهما تعددت واختلفت أسبابهم..، فسلوكهم كان بهَدي الآخرين، واختلاف العقول بات حُجَّةً للتابعين،.. وليُصبِحَ حينها من العبث اعتبار العقل مناطاً لتكليف العاقل، وسبباً لحسابه!   ...  لا تكون المقارنة إلا حيث تجوز المفاضلة، ومتى جازت المفاضلة كانت كل أطرافها باطلة، فما تكون المقارنة والمفاضلة إلا في غياب الحقيقة الفاصلة، .. ومتى غابت الحقيقة الفاصلة، تساوى الفعل وعدم الفعل، وكان عدم الفعل أحق وأولى من كل فعل!  ...  لعله لا معنى لعلاج الألم إذا بقي أصل الداء قائماً، ولا معنى لفضح الوهم إذا كان مصدره في النفوس مُقـدَّساً!  ...  تساؤلات ..  هل من قبيل المصادفة أن تكون كل الأحكام المُخالفة للعقل، والهادمة للمنطق والإنسانية في تشريعات الأديان السماوية، كلها تستند إلى روايات تاريخية - لا أصل لها في كُتُبِها الأساسية! .. تلك الأحكام التي تُعاقب الإنسان على فطرته، وتُحاسبه على ضعف طبيعته، وتُجرِّمه على غريزته!  ..  وهل من قبيل المصادفة أيضاً أن تكون كلها مفصلة على مقاس الضعفاء والتُعساء، ومؤداها بث الرعب في نفوسهم وتكريس ضعفهم وتعاستهم وإنتاج المزيد منهم..،  أولُها خداع الصبيان وتلقينهم الإيمان - توريثاً وإغراءً وتهديدا! ..  ثانيها قَتلُ العاقل الحر إذا استعمل عقله ورفض الاعتقاد تقليدا! .. ثالثها حِرمان المحتاج من فسحة الخلاص الوحيدة- قرضاً يُعينه على حياته الزهيدة! ..  رابعها إغلاق كل باب أمام البائس حتى تخور قواه وعزائمه أمام غريزة ليس بخالقها ولا يصطنعها، ثم قتله رجماً - كأشنع وأبشع ما يكون القتل - وكأنه قد فعل ما ليس كل الخلائق تفعله وتفعل فوقه المزيد! .. خامسها تشكيك العاقل بعقله، كي يخشى السؤال ويقبل كل ما له يُقال دونما تفكير وتحديد!  ..  سادسها تقديس التقليد وجعل ناقليه ورواة التاريخ أسياداً معصومين، وتسفيه الحاضرين وجعلهم للسابقين تُبَّعاً وعبيدا؟  ...  كيف يُراد للإنسان أن يعتقد بأنه عاقل ومُحاسبٌ لأنه عاقل، مع الاعتقاد بأن ناراً وجَنَّةً أُعدَّت لبشر كل رسالتهم هي التشبّه بغير العاقل، وتصنّع الجهالة وافتعال التغابي وتجاهل العقل والمنطق، تمهيداً وتبريراً لانصياع وانقياد مخلوقٍ لمخلوق، وتكريساً للاعتقاد بأنهم أقل من أن يُدركوا حقيقةً سيُحاسبون وفقها، وتنظيراً بأن المفلحين هم مَنْ حَفِظوا ونقلوا عن غيرهم عن غير فهمٍ وأكثروا الترديد..، وكأن الإله سيبعث ويُعاقب ويُكافئ أدوات تسجيل، لا تملك من أمرها سوى أن تحفظ وتُردِّد ما يُلقى عليها، وتفعل ما يُطلب إليها، ولا تُدرِك معنى لما يُقال حولها، ولا تعرف سبباً لما تفعل هي ولا لما يُفعل بها..،  أليست الحقيقة هي أنه لا فضل ولا ثواب لفاعلٍ فيما فعل، إذا لم يكن يُدرك حقيقة ما فعل، وليس له إلا أن يفعل ما فعل! .. أليس مَـنْ اعتَقَدَ بأنه أقل من أن يُدرك حقيقة رسالته، يكون قد اعتَقَدَ بأنه ليس أهلاً لأدائها، ولا معنى لتكليفه بها، وفي ذلك طعنٌ صريح في حِكمة من أعـدَّه لها! ..  إنَّ مَـنْ أفتى بجواز التقليد وقُدسية الإتِّباع - بحُجَّة فارق المعرفة، فقد أفتى صراحة بشرعية كل سلوكٍ ينجم عن التقليد وفارق المعرفة!  ... ( www.humane2.net ) ، ( موقع الإنسان سؤال ) ...     كيف نشأ الوهم في وجود العقل! وكيف يعيش الجهل في جـوار العلم؟  ...   لا يتوهَّم الإنسان إلا ما يفتقده وما يخشاه!   ...   الإثبات هو آية العلم، والنفي هو حُجَّة الوهم!   ...  في عُرف الواهمين: كل ما لا يمكن نفيه، وجب الاعتقاد بوجوده - في الأذهان، وإن لم يكن له وجود في الزمان المكان!  ...  في حسابات العلم: ما لا سبيل لإثبات وجوده في الزمان أو المكان، فلا معنى لبقائه في الأذهان! ... بمنطق الفلسفة: كل ما لا يمكن إثباته لا يَلزم الاعتقاد بوجوده!  ...   بمنطق الفكر الحر: معادلة الحساب والعدل تستوجب الاستناد إلى البرهان والعقل، ولا معنى للمسئولية عن أمرٍ يخضع لمزاج القَدَر، وغياب الدليل حُجَّة الصادق أمام العادل!   ...   مِن البشر مَن بلغ بهم الوهم غايته، حين جعلوا من استحالة النفي سبيلاً لإثبات الوجود! فافترضوا وجوداً لكل ما لا يمكن نفيه، ثم ألزموا أنفسهم بما ترتب على افتراضاتهم، فأصبحوا كائنات قوامها الوهم، وليس ذلك سوى سلوك الجُهلاء عند فرارهم من مواجهة حقيقةٍ طَرَقَ العقل أبوابها وأوشك العلم على بلوغ أعتابها!   ... إنه إذا آمن البعض بأن وجوداً كان من عدم، فلا قيمة لنفيهم لرجوع ما كان إلى ما كان إلى العدم! ... عندما يُفتضح أمر الواهم، تنطق وقاحته، فيتهم الصامتين بالجهل والناطقين بسوء النية! ...  لطالما كان الشيطان رمزاً ومصدراً لكل الشرور مجهولة المصادر، لكن بات على البشر اليوم أن يبحثوا للشيطان عن تهمة جديدة، تُبقيه حياً في أذهانهم وتُبقي عَدَاءَهم له مُبرراً، فقد أصبحت كل الشرور معلومة المصادر بشرية التنفيذ والمنابر!  ...  الحياة بناء ثقيل، قائم على أكتاف المخلصين والعبيد والأغبياء والواهمين، بينما يعج جوفها بالتفاهات والتافهين، والمآسي والعابثين!   ...  التُعساء من البشر، هم أشد الكائنات الحية حرصاً على التزاوج بقصد الإنجاب، وليس ذلك أداءً لواجب، ولا حُباً منهم لأبناءٍ يجهلون صورهم وسلوكهم ومصيرهم، لكنه الوهم وخداع الذات للذات..،  إنهم كعاطل العمل يعمل متطوعاً - دون مقابل- درءاً لمسبةِ بطالةٍ يُمارسها!  ...  عبدان أحدهما أحمق والآخر جاهل، الأول يرفض أمر سيده، ثم يخضع لعقابه دون مقاومة، والثاني يُطيعُ عبداً مثله، وينتظر الجزاء من سيدٍ لا يعرفه!   ... عاقلان كلاهما أغبى من الآخر، الأول يعتقد أن وظيفة العقل لدى اللاحقين هي تقليد السابقين، والثاني يُقلِّد غيره ويعتقد أن كل المُقلِدِين عداه على باطل!   ...  ليست الحقيقة المصيرية شيئاً مفقوداً ننتظر العثور عليه، بل هي أمرٌ افتراضي عجزنا عن تصوره والاتفاق حوله! ...  إننا لا نعاني غياب الحقيقة، بقدر ما نعاني نُدرة المخلصين في بحثهم عنها، القادرين على التفريق بين البحث عن حقيقة ضائعة، والاتفاق حول حقيقة مفترضة!  ...  ...  الحرية في ثقافة العبيد، هي ما يجعل الآخرين عبيداً، لا ما يجعل الكل أحراراً! ...  ليس فعل الأصدقاء الخديعةَ، لكنَّ وجود الأصدقاء خادعٌ!



الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » تراث عام وخواطر خاصة » لحظـة فـقـر .. جانب مظلـم من التراث ..

 لحظـة فـقـر .. جانب مظلـم من التراث ..  أضيف في: 09/12/2008

لحظـة فـقـر .. جانب مظلـم من التراث ..

قليلون هم أولئك الذين لم يُجْبِرْهم الدهر على خوض تجربة حياة الفقر والبؤس. وكثيرون هم الذين أجبرهم على خوضها كحياة كاملة، وليس مُجرّد تجربة.
وقليلون هم من هؤلاء وأولئك الذين انتبهوا أو توقفوا عند الجزئيات الدقيقة والفاصلة في حياة الفقير.
وبغض النظر عن التعريف الديني للفقير، من أنه ذلك الإنسان الذي لا يملك قوت يومه أو عامه، و بغض النظر عن الفرق بينه وبين المسكين ..
فالمسكين كلمة تُطلق اجتماعيا ً.. في بعض الأحيان على أناس هم أفضل حالاً من الفقراء من الناحية المادية، رغم ارتباط المسكنة الوطيد بقلة المال.
أما الفقير فهي صفة ارتبطت بمن افتقر للمال حتى احتاج لمساعدة الآخرين له في أساسيات الحياة.
وليس اتصاف الإنسان بالحكمة شرطاً لخروجه من دائرة الفقر، ولا اتصافه بالحمق يكون سبباً لدخوله عالم الفقراء.
ولكن امتلاك الإنسان للجرأة التي تمكنه من تخطي الحدود الدينية والمبادئ الاجتماعية، والحواجز القانونية، وفك شفرة الضمير .. هي شروط رئيسية للخروج من سجن الفقر .. إذا لم يتدخل القَدَرُ قبلها.
ويبرز دور الحكمة في عدم تمادي الإنسان في جمع المال، وعدم تماديه في تحطيم المبادئ، وجعل ذلك مطيّة مؤقتة للخروج من ظلام الفقر لا أكثر.
وكلما كان الفقير حكيماً وملتزماً بالمبادئ .. كلما ازداد عمر تجربته المريرة، وازداد شعوره بألم المأساة.
والعكس صحيح تماماً، فكلما افتقر الفقير للحكمة وللالتزام بالمبادئ قدر افتقاره للمال .. كلما قصر عمر تجربته، وكلما تألم غيره بمأساته أكثر من شعوره هو بها.
والفقراء عالم يضم أنماطاً من البشر يختلفون أيما اختلاف بعضهم عن بعض، ولا يتوحدون إلا في نظر الأغنياء.
والقاسم المشترك الموجود دائماً بينهم هو عداوة المال وزمالة اليأس لهم جميعاً.
ويصعب حصر أنماط الفقراء في مقال واحد، حيث يختلف الفقير كريماً .. عنه بخيلاً ، وصادقاً .. عنه كاذباً، ومؤمناً .. عنه منافقاً، وشجاعاً ..عنه جباناً، ومتعلماً مثقفاً .. عنه أميّـاً، وخجولاً .. عنه جريئاً … و هكذا.
وقد تجتمع أكثر من صفة في الفقير لتشكل شخصيته وصورته التي يراها المجتمع. والتقاء أيٍ من الصفات مع الفقر وثقافة المجتمع في شخص الفقير ينتج عن ذلك إنسان مختلف عن غيره تماماً.
وقلما رأى الفقير نفسه كما يراه المجتمع. كما هو الحال مع الأغنياء .. مع فارق أن الغِنَى يحجب العيوب ويظهر مزايا الأغنياء، على عكس ما يفعل الفقر مع أهله. مع التذكير بأن لكل قاعدة شواذ.
وهنا مثال، وهو واحد من عديد المواقف التي تفرض نفسها على الفقراء، ويتفق الكثيرون منهم في ردة الفعل تجاهها، وهو أحد فصول عملية متكررة، يُعايشها كل خاض تجربة الفقر تقريباً، ولا يتجاهلها من لا تزال بعض ملفات فقره مفتوحة، وبعض خيوط تجربته عالقة، وإمكانية خوضها مرة أخرى قائمة.
إن يوميات حياة الفقير وبعض لحظاتها، هي أشد وأمـرّ عنده من عموم التجربة وطولها! وخاصة تلك الجزئيات التي تتصل بالآخرين،.. وخاصة الضيوف!!
فوجود الضيف في حياة العرب- لاسيما لدى البادية - هو شأنٌ من الشؤون الأساسية، وأمرٌ من الأمور التي يحسب لها العربي(لاسيما الليبي) ألف حساب، خاصة بعد زواجه واستقلاله عن الوالدين.
وهو من المهام الجسيمة التي يجب أن يتصدى لها الرجل، ويثبت أنه قادر على القيام بأعبائها، وهي من القضايا التي لا تنتهي إلا إذا كان الضيف عزرائيل! وهي من الكوابيس التي تلاحق الفقراء وتقض مضاجعهم، ومن الذكريات التي تؤرّقهم، وتُذكّرهم بحقيقة أوضاعهم ومكانتهم في المجتمع.
تلك الحقيقة التي يحاولون عبثاً تناسيها، كما يحصل أيضاً مع الأغنياء البخلاء.
حيث إن الضيف هو اسم يرتبط بتقديمك له أفضل ما لديك - بقدر ما تستطيع أو لا تستطيع من الطعام والشراب، والظهور أمامه بأفضل ما لديك من ملابس وأثاث، وتجميل كل ما لا يمكن إخفاءه عن الضيف، وإثبات أن كل أمور أسرتك تسير على ما يرام.
ويُعتبر الضيف لجنة تقييم وتقصي حقائق، إذ يترتب على فشلك أمامها إعدام اجتماعي.
ويبدو أن الأمر يرجع إلى حياة الفقر والبؤس التي يعيشها أغلب البادية، ويحاولون نكرانها، مما أوجد المجاملة السلبية وعدم الصراحة. وكأن من واجبات الضيف فضح المستور، والإعلان عن كل ما رآه، وما قدم له المُضيف.
ويترتب على الضيافة ألا يتحدث المُضيف مستقبلاً في وجود هذا الضيف إلا بقدر ما كان قد قدم له من طعام وشراب، وبحسب ما شاهده الضيف من أثاث ومقتنيات.
ولا يوجد محل لتصريف الصدق، والأمانة، والعصامية، والنبل، والشرف، والأخلاق، والشجاعة … ما لم يُصادق عليها الضيف بما رآه من كرم الضيافة المادية.
ولا يستطيع عربي عاقل مهما بلغت به الصفاقة وقلة المال وقلة الحياء - مع الغرباء، أو قلة الشفافية والصراحة مع الأصدقاء، لا يستطيع أن يُخفي رغبته في إكرام الضيف، ودعوته له و بإصرار إلى دخول المنزل، وتناول وجبة طعام معه، إثباتاً للوجود والمعزة، ودرءاً لمسبة البُخل أو الفقر ..،
خاصة إذا تصادف اللقاء قرب منزله، ويزداد الأمر سوءاً إذا كان أمام المنزل.
أما إذا كان اللقاء بعيداً عن المنزل. ففقير المال في هذه الحال غني بالأعذار، ولا يضيق به الحال كثيراً . … فكم تمنيت أن تكون الأسرة موجودة بالمنزل .. عذر يفي بالغرض. ويا له من سوء حظ جعلني أرتبط بكل هذه المواعيد اليوم .. عذر آخر. ولماذا لم تشأ الأقدار لنا أن نتقابل إلا اليوم وأنا أستعد لرحلة رفقة بعض الأصدقاء .. عذر جميل .
و…، وحينما يتأكد الفقير من أنه قد أنجز المهمة بنجاح، وتم قبول عذره وتخلص من الضيف الكريم، فإنه يبدأ بتسجيل المواقف على الضيف .. فيجب أن أراك مرة أخرى لنقوم بالواجب، ويجب أن لا تبخل علينا بزيارة وفي أي وقت فمثلك لا يحتاج إلى موعد، ويجب أن تعدني بزيارة متى سمحت ظروفك أنت بذلك .. أما ظروفي أنا فهي على ما يرام وفي أي وقت. وبانشغالي اليوم عن استضافتك تأكد لي أنني لست محظوظاً في هذه الحياة.
وإذا علمت بأنك جئت إلى هنا مرة أخرى ولم تزرني في بيتي فسيغضبني ذلك كثيراً.
وفي النهاية يقول الفقير للضيف .. هل تعلم بماذا أفكر الآن .. إنني أفكر بإلغاء مواعيدي، وإيقاف إجراءاتي التي خرجت في إجازة من أجلها، واستئجار تاكسي، وإحضار زوجتي من مناسبة بمنزل أهلها..
ومن ثم اصطحابك للمنزل لتناول وجبة معنا، وعندها يبادر الضيف الواهم المُغرر به، يبادر إلى القسم بأن هذا لن يحصل، ويؤكد له أنه قد سجل له هذا الموقف وهذا الكرم الحاتمي، وكأنه قام بواجب الضيافة على ما يرام.
أما إذا حصل ما ليس في حسبان الفقير، ووقعت الطامة، وقبض الضيف على الفقير في منزله، فلن تنفعه شفاعة الشافعين، وسيكون من أخبره من الأولاد بقدوم الضيف نذير شؤم إلى يوم يُبعثون.
وسيُحدّث نفسه وربما زوجته أيضاً أن من أقنعه بالزواج لم يُرِدْ به خيراً. وأن الزوجة قد استعجلت هذه المرة بعودتها من المناسبة التي كانت بها قبل أسبوع، وأن هذا هو الوقت المناسب لنقلها إلى المستشفى إذا كانت تشكو من شيء ما .. أي شيء.
فغياب الزوجة عن المنزل شماعة يمكن أن يعلق عليها الفقير كل شيء، فهي تكملة مناسبة لأي نقص، وهي إجابة شافية ودامغة لكل ما يخطر ببال لجنة التقييم من تحقيقات(الضيوف).. لكن هذا لم يحصل. ويقوم سيد الأسرة - أسير الفقر، بطرح أسئلة يائسة متلاحقة .. قبل لحظة الحسم مباشرة ( لحظة خروجه لرؤية الضيف الواقف بالباب ) .. هل علم الضيف بوجودي، أي الأولاد أخبره، هل عرفتم من هو، كم عددهم، كم الساعة الآن، ماذا من كيف … كل هذا يدور بمخيلة الفقير وفي لحظات، وكأنه شريط سكرات الموت. ثم يستجمع قواه ويستعد لموقف لا مفر منه، ولحظة حاسمة قد تحدد مكانته الاجتماعية التي وضعها الضيف الكريم على المحك، و يخرج متأسفاً عن التأخير، ويبدأ رحلة نفاقٍ مُستحقٍ يفرض نفسه، وكذبٍ لامناص منه، مستعملاً أخر أوراقه، وهي أنه مريض لم يغادر الفراش منذ وقت طويل.
وبعد ترحيب متقطع بسعال مُفتعل، ومليء بمجاملات صارخة .. يدعو الضيف/الضيوف للدخول، فإذا لم يفهم الضيف الرسالة .. وصدق دعوة الفقير له بالدخول .. عندها سيمرض الفقير حقيقة. ثم يبدأ بعرض مسرحية تُنسج بشكل فوري على مقاس الضيف أو الضيوف.!
فقد كنت غائباً عن المنزل مدة طويلة، وعدت مريضاً، ولا أدري ما إذا كان بالمنزل شيء يُقدم لضيوف أعزاء مثلكم. وإلا فسأضطر للذهاب إلى وسط المدينة، حيث إنني لا أتعامل مع المحلات القريبة نظراً لرداءة الجودة عندهم. وهو في الحقيقة يخشى أن يستغل أحد أصحاب المحلات وجود الضيوف، ويأتي لإحراجه مطالباً بدينه.
ثم يبدأ الحديث عن الأثاث الذي بدأ بتغييره، وأنه دفع ثمن الأثاث الجديد، ولكن تجار هذا الزمان لا يرتبطون بمواعيد. وأنه انشغل بمرض أحد أبنائه عن صيانة المنزل. وأنه ملَّ صيانة السيارات القديمة، ولذلك فهو ينتظر ومنذ فترة سيارة جديدة دفع ثمنها، وقد تأخرت كثيراً.
هذه وغيرها قصص وهمية .. يتم نسجها على مقاس الضيوف حفظاً لماء الوجه. فالاعتراف بحقيقة الوضع المادي المتردي .. يعني هدر الكرامة وتهميش المكانة، وعدم الجرأة على مقابلة هؤلاء الضيوف مستقبلاً.
ويا لها من فرحة غامرة إذا كان أحد الضيوف حكيماً، وفهم إحدى تلك الرسائل المتلاحقة، فزعم أنه تذكر موعداً ويجب أن يخرج الساعة، وأنه لن يكون بمقدوره العودة وعلى بقية الضيوف أن يخرجوا معه، ويخرج الضيوف الكرام قبل أن يُكملوا الامتحان و قبل أن يطّلعوا على معدات ومكونات القَـرى.
حينها يتنفس رب البيت الصعداء. لكن غصة في خاطره، وانسداداً في النية للأكل، وشعوراً بأن الحياة أطول مما ينبغي … هي مشاعر ستلازمه مدة لا بأس بها.
ويبدأ معركة عائلية مع ربة البيت وسبب البلايا، قلما انتهت دون موقف كبير يصرف التفكير عن ذلك الموقف الأليم.
وفي تلك المعركة .. تتم مراجعة كل فلس صُرِف منذ الزواج. فيتباهى الزوج أمام زوجته بما كان يملك من مال قبل الزواج. وكيف كانت ثروته اليوم لو لم يتزوج. وتطعن الزوجة كبرياءه بسهم صبرها على البؤس الذي تعيشه منذ زواجها منه، قياساً إلى العز الذي كانت تعيشه عند أهلها، ومقارنة مع باقي أخواتها.
وتُـذكّـره بأن الضيوف ما هم إلا شمعة أضاءت ما حولها فاتضح ما كان يخفيه ظلام العزلة من عيوب.
ويتفقون على أنه لولا الأطفال لما عاد من مبرر لاستمرار الحياة الزوجية .. أو حياة ضيافة الفقر ..

كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .

انـقـر هـنـا لمـراسلـة أبو بكر سليمان أبو بكر أنقر هنا للإنتقال إلى موقع أبو بكر سليمان أبو بكر إضافـة لـلمـفـضلـة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات الـمقـال : ارسل المقال لصديق ارسل المقال لصديق  طباعة المقال طباعة المقال  حفظ المقال كملف Word حفظ المقال كملف Word  حفظ المقال كملف PDF حفظ المقال كملف PDF

التعليقات
لا تـوجـد تـعليـقات على هـذا الـمقـال