الإنسان سؤال..| الصفحة الرئيسية » تراث عام وخواطر خاصة » لحظـة فـقـر .. جانب مظلـم من التراث ..
| أضيف في: 09/12/2008 | |||
|---|---|---|---|
لحظـة فـقـر .. جانب مظلـم من التراث .. قليلون هم أولئك الذين لم يُجْبِرْهم الدهر على خوض تجربة حياة الفقر والبؤس. وكثيرون هم الذين أجبرهم على خوضها كحياة كاملة، وليس مُجرّد تجربة. وقليلون هم من هؤلاء وأولئك الذين انتبهوا أو توقفوا عند الجزئيات الدقيقة والفاصلة في حياة الفقير. وبغض النظر عن التعريف الديني للفقير، من أنه ذلك الإنسان الذي لا يملك قوت يومه أو عامه، و بغض النظر عن الفرق بينه وبين المسكين .. فالمسكين كلمة تُطلق اجتماعيا ً.. في بعض الأحيان على أناس هم أفضل حالاً من الفقراء من الناحية المادية، رغم ارتباط المسكنة الوطيد بقلة المال. أما الفقير فهي صفة ارتبطت بمن افتقر للمال حتى احتاج لمساعدة الآخرين له في أساسيات الحياة. وليس اتصاف الإنسان بالحكمة شرطاً لخروجه من دائرة الفقر، ولا اتصافه بالحمق يكون سبباً لدخوله عالم الفقراء. ولكن امتلاك الإنسان للجرأة التي تمكنه من تخطي الحدود الدينية والمبادئ الاجتماعية، والحواجز القانونية، وفك شفرة الضمير .. هي شروط رئيسية للخروج من سجن الفقر .. إذا لم يتدخل القَدَرُ قبلها. ويبرز دور الحكمة في عدم تمادي الإنسان في جمع المال، وعدم تماديه في تحطيم المبادئ، وجعل ذلك مطيّة مؤقتة للخروج من ظلام الفقر لا أكثر. وكلما كان الفقير حكيماً وملتزماً بالمبادئ .. كلما ازداد عمر تجربته المريرة، وازداد شعوره بألم المأساة. والعكس صحيح تماماً، فكلما افتقر الفقير للحكمة وللالتزام بالمبادئ قدر افتقاره للمال .. كلما قصر عمر تجربته، وكلما تألم غيره بمأساته أكثر من شعوره هو بها. والفقراء عالم يضم أنماطاً من البشر يختلفون أيما اختلاف بعضهم عن بعض، ولا يتوحدون إلا في نظر الأغنياء. والقاسم المشترك الموجود دائماً بينهم هو عداوة المال وزمالة اليأس لهم جميعاً. ويصعب حصر أنماط الفقراء في مقال واحد، حيث يختلف الفقير كريماً .. عنه بخيلاً ، وصادقاً .. عنه كاذباً، ومؤمناً .. عنه منافقاً، وشجاعاً ..عنه جباناً، ومتعلماً مثقفاً .. عنه أميّـاً، وخجولاً .. عنه جريئاً … و هكذا. وقد تجتمع أكثر من صفة في الفقير لتشكل شخصيته وصورته التي يراها المجتمع. والتقاء أيٍ من الصفات مع الفقر وثقافة المجتمع في شخص الفقير ينتج عن ذلك إنسان مختلف عن غيره تماماً. وقلما رأى الفقير نفسه كما يراه المجتمع. كما هو الحال مع الأغنياء .. مع فارق أن الغِنَى يحجب العيوب ويظهر مزايا الأغنياء، على عكس ما يفعل الفقر مع أهله. مع التذكير بأن لكل قاعدة شواذ. وهنا مثال، وهو واحد من عديد المواقف التي تفرض نفسها على الفقراء، ويتفق الكثيرون منهم في ردة الفعل تجاهها، وهو أحد فصول عملية متكررة، يُعايشها كل خاض تجربة الفقر تقريباً، ولا يتجاهلها من لا تزال بعض ملفات فقره مفتوحة، وبعض خيوط تجربته عالقة، وإمكانية خوضها مرة أخرى قائمة. إن يوميات حياة الفقير وبعض لحظاتها، هي أشد وأمـرّ عنده من عموم التجربة وطولها! وخاصة تلك الجزئيات التي تتصل بالآخرين،.. وخاصة الضيوف!! فوجود الضيف في حياة العرب- لاسيما لدى البادية - هو شأنٌ من الشؤون الأساسية، وأمرٌ من الأمور التي يحسب لها العربي(لاسيما الليبي) ألف حساب، خاصة بعد زواجه واستقلاله عن الوالدين. وهو من المهام الجسيمة التي يجب أن يتصدى لها الرجل، ويثبت أنه قادر على القيام بأعبائها، وهي من القضايا التي لا تنتهي إلا إذا كان الضيف عزرائيل! وهي من الكوابيس التي تلاحق الفقراء وتقض مضاجعهم، ومن الذكريات التي تؤرّقهم، وتُذكّرهم بحقيقة أوضاعهم ومكانتهم في المجتمع. تلك الحقيقة التي يحاولون عبثاً تناسيها، كما يحصل أيضاً مع الأغنياء البخلاء. حيث إن الضيف هو اسم يرتبط بتقديمك له أفضل ما لديك - بقدر ما تستطيع أو لا تستطيع من الطعام والشراب، والظهور أمامه بأفضل ما لديك من ملابس وأثاث، وتجميل كل ما لا يمكن إخفاءه عن الضيف، وإثبات أن كل أمور أسرتك تسير على ما يرام. ويُعتبر الضيف لجنة تقييم وتقصي حقائق، إذ يترتب على فشلك أمامها إعدام اجتماعي. ويبدو أن الأمر يرجع إلى حياة الفقر والبؤس التي يعيشها أغلب البادية، ويحاولون نكرانها، مما أوجد المجاملة السلبية وعدم الصراحة. وكأن من واجبات الضيف فضح المستور، والإعلان عن كل ما رآه، وما قدم له المُضيف. ويترتب على الضيافة ألا يتحدث المُضيف مستقبلاً في وجود هذا الضيف إلا بقدر ما كان قد قدم له من طعام وشراب، وبحسب ما شاهده الضيف من أثاث ومقتنيات. ولا يوجد محل لتصريف الصدق، والأمانة، والعصامية، والنبل، والشرف، والأخلاق، والشجاعة … ما لم يُصادق عليها الضيف بما رآه من كرم الضيافة المادية. ولا يستطيع عربي عاقل مهما بلغت به الصفاقة وقلة المال وقلة الحياء - مع الغرباء، أو قلة الشفافية والصراحة مع الأصدقاء، لا يستطيع أن يُخفي رغبته في إكرام الضيف، ودعوته له و بإصرار إلى دخول المنزل، وتناول وجبة طعام معه، إثباتاً للوجود والمعزة، ودرءاً لمسبة البُخل أو الفقر ..، خاصة إذا تصادف اللقاء قرب منزله، ويزداد الأمر سوءاً إذا كان أمام المنزل. أما إذا كان اللقاء بعيداً عن المنزل. ففقير المال في هذه الحال غني بالأعذار، ولا يضيق به الحال كثيراً . … فكم تمنيت أن تكون الأسرة موجودة بالمنزل .. عذر يفي بالغرض. ويا له من سوء حظ جعلني أرتبط بكل هذه المواعيد اليوم .. عذر آخر. ولماذا لم تشأ الأقدار لنا أن نتقابل إلا اليوم وأنا أستعد لرحلة رفقة بعض الأصدقاء .. عذر جميل . و…، وحينما يتأكد الفقير من أنه قد أنجز المهمة بنجاح، وتم قبول عذره وتخلص من الضيف الكريم، فإنه يبدأ بتسجيل المواقف على الضيف .. فيجب أن أراك مرة أخرى لنقوم بالواجب، ويجب أن لا تبخل علينا بزيارة وفي أي وقت فمثلك لا يحتاج إلى موعد، ويجب أن تعدني بزيارة متى سمحت ظروفك أنت بذلك .. أما ظروفي أنا فهي على ما يرام وفي أي وقت. وبانشغالي اليوم عن استضافتك تأكد لي أنني لست محظوظاً في هذه الحياة. وإذا علمت بأنك جئت إلى هنا مرة أخرى ولم تزرني في بيتي فسيغضبني ذلك كثيراً. وفي النهاية يقول الفقير للضيف .. هل تعلم بماذا أفكر الآن .. إنني أفكر بإلغاء مواعيدي، وإيقاف إجراءاتي التي خرجت في إجازة من أجلها، واستئجار تاكسي، وإحضار زوجتي من مناسبة بمنزل أهلها.. ومن ثم اصطحابك للمنزل لتناول وجبة معنا، وعندها يبادر الضيف الواهم المُغرر به، يبادر إلى القسم بأن هذا لن يحصل، ويؤكد له أنه قد سجل له هذا الموقف وهذا الكرم الحاتمي، وكأنه قام بواجب الضيافة على ما يرام. أما إذا حصل ما ليس في حسبان الفقير، ووقعت الطامة، وقبض الضيف على الفقير في منزله، فلن تنفعه شفاعة الشافعين، وسيكون من أخبره من الأولاد بقدوم الضيف نذير شؤم إلى يوم يُبعثون. وسيُحدّث نفسه وربما زوجته أيضاً أن من أقنعه بالزواج لم يُرِدْ به خيراً. وأن الزوجة قد استعجلت هذه المرة بعودتها من المناسبة التي كانت بها قبل أسبوع، وأن هذا هو الوقت المناسب لنقلها إلى المستشفى إذا كانت تشكو من شيء ما .. أي شيء. فغياب الزوجة عن المنزل شماعة يمكن أن يعلق عليها الفقير كل شيء، فهي تكملة مناسبة لأي نقص، وهي إجابة شافية ودامغة لكل ما يخطر ببال لجنة التقييم من تحقيقات(الضيوف).. لكن هذا لم يحصل. ويقوم سيد الأسرة - أسير الفقر، بطرح أسئلة يائسة متلاحقة .. قبل لحظة الحسم مباشرة ( لحظة خروجه لرؤية الضيف الواقف بالباب ) .. هل علم الضيف بوجودي، أي الأولاد أخبره، هل عرفتم من هو، كم عددهم، كم الساعة الآن، ماذا من كيف … كل هذا يدور بمخيلة الفقير وفي لحظات، وكأنه شريط سكرات الموت. ثم يستجمع قواه ويستعد لموقف لا مفر منه، ولحظة حاسمة قد تحدد مكانته الاجتماعية التي وضعها الضيف الكريم على المحك، و يخرج متأسفاً عن التأخير، ويبدأ رحلة نفاقٍ مُستحقٍ يفرض نفسه، وكذبٍ لامناص منه، مستعملاً أخر أوراقه، وهي أنه مريض لم يغادر الفراش منذ وقت طويل. وبعد ترحيب متقطع بسعال مُفتعل، ومليء بمجاملات صارخة .. يدعو الضيف/الضيوف للدخول، فإذا لم يفهم الضيف الرسالة .. وصدق دعوة الفقير له بالدخول .. عندها سيمرض الفقير حقيقة. ثم يبدأ بعرض مسرحية تُنسج بشكل فوري على مقاس الضيف أو الضيوف.! فقد كنت غائباً عن المنزل مدة طويلة، وعدت مريضاً، ولا أدري ما إذا كان بالمنزل شيء يُقدم لضيوف أعزاء مثلكم. وإلا فسأضطر للذهاب إلى وسط المدينة، حيث إنني لا أتعامل مع المحلات القريبة نظراً لرداءة الجودة عندهم. وهو في الحقيقة يخشى أن يستغل أحد أصحاب المحلات وجود الضيوف، ويأتي لإحراجه مطالباً بدينه. ثم يبدأ الحديث عن الأثاث الذي بدأ بتغييره، وأنه دفع ثمن الأثاث الجديد، ولكن تجار هذا الزمان لا يرتبطون بمواعيد. وأنه انشغل بمرض أحد أبنائه عن صيانة المنزل. وأنه ملَّ صيانة السيارات القديمة، ولذلك فهو ينتظر ومنذ فترة سيارة جديدة دفع ثمنها، وقد تأخرت كثيراً. هذه وغيرها قصص وهمية .. يتم نسجها على مقاس الضيوف حفظاً لماء الوجه. فالاعتراف بحقيقة الوضع المادي المتردي .. يعني هدر الكرامة وتهميش المكانة، وعدم الجرأة على مقابلة هؤلاء الضيوف مستقبلاً. ويا لها من فرحة غامرة إذا كان أحد الضيوف حكيماً، وفهم إحدى تلك الرسائل المتلاحقة، فزعم أنه تذكر موعداً ويجب أن يخرج الساعة، وأنه لن يكون بمقدوره العودة وعلى بقية الضيوف أن يخرجوا معه، ويخرج الضيوف الكرام قبل أن يُكملوا الامتحان و قبل أن يطّلعوا على معدات ومكونات القَـرى. حينها يتنفس رب البيت الصعداء. لكن غصة في خاطره، وانسداداً في النية للأكل، وشعوراً بأن الحياة أطول مما ينبغي … هي مشاعر ستلازمه مدة لا بأس بها. ويبدأ معركة عائلية مع ربة البيت وسبب البلايا، قلما انتهت دون موقف كبير يصرف التفكير عن ذلك الموقف الأليم. وفي تلك المعركة .. تتم مراجعة كل فلس صُرِف منذ الزواج. فيتباهى الزوج أمام زوجته بما كان يملك من مال قبل الزواج. وكيف كانت ثروته اليوم لو لم يتزوج. وتطعن الزوجة كبرياءه بسهم صبرها على البؤس الذي تعيشه منذ زواجها منه، قياساً إلى العز الذي كانت تعيشه عند أهلها، ومقارنة مع باقي أخواتها. وتُـذكّـره بأن الضيوف ما هم إلا شمعة أضاءت ما حولها فاتضح ما كان يخفيه ظلام العزلة من عيوب. ويتفقون على أنه لولا الأطفال لما عاد من مبرر لاستمرار الحياة الزوجية .. أو حياة ضيافة الفقر .. كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر . |
|||
|
|
|
|
|
|
خيارات الـمقـال : |
|||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|

