لم يُفلـح الإيمـان حيث أخفـق الفكـر .!
ليس صحيحاً القول إن الإيمان يعني حصول اليقين في القلب – بما يوجب انتفاء حق المؤمن في الاستدراك والتساؤل حول مقومات إيمانه، أو حقه في طلب المزيد من الأدلة -على صواب ما آمن به.
وليس دقيقاً القول إنه ليس من حق المسلم أو أنه ليس بحاجة للبحث في دلالات الألفاظ القرآنية- لاستنباط ما يُثبّت به إيمانه ويسنده ويؤكده؛
ولا يصح القول إنه لا يجوز طلب المعرفة اليقينية الصريحة .. بحُجّة أنه لا ينبغي الارتياب بعد الإيمان، أو لأن الإنسان لم يؤتَ من العلم إلا قليلا .. أي أنه ليس أهلاً لإدراك الحقيقة، وأن عليه البقاء بإيمانه حيث هو، وأن عليه التسليم بآراء وأفكار السابقين!
قال تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم .. { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } البقرة 260 .
هذه إشارة صريحة – وردت في كتاب الله -، إلى حق الإنسان في طلب البرهان الذي يطمئن به قلبه- حتى بعد إيمانه!
وهو ذات الطلب، وذات السؤال الفلسفي المطروح من غير المؤمنين، نجده مشروعاً عند المؤمنين، ومطروحاً منهم - جنباً إلى جنب مع إيمانهم، .. إنه طلب كشف المعرفة الصريحة .. أي طلب الإنسان لحقه المنطقي في إدراك الحقيقة بما يتناسب مع حواسه وقدراته العقلية، وبما يُناسب مسئولياته الجسيمة - الأخلاقية والعملية!
أليس هذا هو هدف وغاية كلٍ من الفلسفة وما يُعرف بعلم الكلام! فإذا كان الأنبياء يبحثون عن حقيقة كاملة، وبمستوى قدرات الإنسان .. أي، يُدركونها بحواسهم، لكي تطمئن بها قلوبهم لصحة إيمانهم .. فلماذا إذاً، هذا الحط من قدر الإنسان، وحرمانه من حقه في السؤال، ولماذا تكميم الأفواه وتعطيل العقول والعمل بالمنقول، ومتى ينتهي هذا الحصار المضروب على الفكر المسلم! لماذا لا تكون الفلسفة وعلم الكلام والتحاور الفكري هي السبيل إلى بلوغ البرهان!
إن الدين والفلسفة هما كيانان معنويان، يُخاطبان الإنسان - عقله، فيشتركان في الغاية ويختلفان في منابع الإلهام، ووسائل البحث والإقناع. فكلاهما يُخاطب العقل؛ بيد أن الفلسفة تشترط على أنصارها فَهْمَ وسائلها ونتائجها من أجل تحقق الاقتناع، وضماناً للالتزام بتوصياتها .. لتؤدي رسالتها.. المتمثلة في البحث عن الحكمة، بقصد اجتثاث الألم والحزن والجهل والغموض، وبناء الإنسان الواعي برسالته، والسعيد في حاضره، المطمئن لمستقبله، المُدرك لمآل أمره كما لبدايته، والمؤهل للخلافة في الأرض – كما أمره الله!
في حين أن القائمين على الدين اليوم – لاسيما الإسلام، يقولون إن الدين لا يعبأ بفهم أتباعه أو قناعتهم بأوامره ونواهيه، ولا يقبل منهم السؤال حولها، ولا يسعى لاجتثاث الألم، ولا يَعِدُهم بسعادة آنيّـة.
فالدين عندهم، هو حزمةٌ من تعليماتٍ إلهيةٍ وإشاراتٍ فوقية، تأمر الناس بالعبادة وتجميد العقل، وتهددهم بالعقاب، وتعد بعضهم بسعادة بعد الممات.
إن الفلسفة هي نداء ذاتي نابع من عقل الإنسان مخاطباً وجدانه، داعياً وحاثاً له على إدراك الحقيقة .!
ولكن الاعتقاد السائد بين المتدينين، هو أن الإنسان – بوعيه وعقله وحواسه وتجاربه وملاحظاته وذاكرته – هو مخلوقٌ مُصممٌ بنسبة من القصور المعرفي، وعلى درجة من العجز الإدراكي، بما يجعله غير مؤهلٍ لإدراك حقائق الأمور والأشياء، وأسرار الوجود - بدءاً وانتهاءً - وكأنه خُلق من أجل الخطأ والانحراف ليكون عقابه تحصيل حاصل .. والعياذ بالله!
وهذا اعتقادٌ عاجزٌ مترددٌ - لا يُحارب الفلسفة وعلم الكلام – فحسب، بل هو فكرٌ مخالف للفطرة والمنطق، ويطعن في مفهوم رسالة الإنسان والأديان – أيضا.
إنه لا خلاف بين أنصار الفلسفة وأعدائها، حول تعريفها أو وصفها، فالجميع يُدرك ويُقـرُّ بأن الفلسفة هي البحث عن الحكمة المُوصلة للحقيقة بقصد إقامة الحجة على المنحرفين، وتحقيق الخير للجميع . ومجالها هو البحث في أصل الوجود، ومن ثم البحث عن كيفية تحقيق الخير والحق .. كل ذلك من أجل سعادة الإنسان السوي المُنصف، وإقامة الحُجّة على المخالفين.
إن تمتع المؤمنين – مسلمين أو غيرهم – بشيء من الرضا عن الذات، أو بنسبة مُعينة من الطمأنينة - بسبب إيمانهم .. إن ذلك صحيحٌ، ولكنه لا ينفي حقيقة أنهم من أكثر الناس تشتتاً فكرياً وتخلفاً معرفياً، وتعباً وإرهاقاً جسدياً ومعنوياً – اليوم، ولا ينفي حقيقة أنه لا أحد منهم يمكنه الجزم بصحة إيمانه وقبول أعماله، ودخوله الجنة ونجاته من النار– غداً!
لماذا أخفق قادة الأديان- الناطقون باسمها، أو القائمون على أمرها - في بناء مجتمع كما يتصورون ويحلمون - وفق رؤاهم، أو وفق فهمهم للدين! لأنهم أجبروا الإنسان على ابتلاع سؤاله ؛ فأجبرهم هو بدوره على وصفه بالمؤمن رغم علمهم بنفاقه! أمثلة على القصور في شرح أمور الدين، ودلالات مفردات القرآن، وما يترتب على ذلك من إرباك ثقافي وتشتت فكري وانقسام طائفي بين العامة والخاصة .. لن تجد بين الفقهاء من يُجيبك عن هذه التساؤلات - بما يطمئن به قلبك!
فالله سبحانه وتعالى، هو من خلق الإنسان ظلوماً جهولا .. أي أنه غير مؤهلٍ لحمل أمانته. فكيف نتصور أن يودع الله أمانته لدى من يعلم قصوره وعجزه، ثم يُحاسبه! لن يُجيبوك بما يُقنعك، لأنهم افترضوا فهماً خاطئاً لدلالة لفظ الأمانة ومفهومها- الوارد في القرآن الكريم! .. من يكون وماذا يكون الإنسان، وما القيمة التي يُمثلها أو يحملها، وهو الضعيف الجهول، .. حتى يُغضب الله بمعصيته، أو يُرضيه بطاعته! لن تجد منهم تجاوباً في هذا الشأن، لأنهم افترضوا مُسبقاً أنْ لا إجابة؛ فأضحوا يخشون الحرج، فآثروا تهويل الأمر، والحط من قدرة الإنسان على استيعابه!
-كيف يستقيم الإيمان بالقضاء والقدر، وبعلم الله المُسبق بأفعال الإنسان وكتابتها سلفاً .. مع مسئولية الإنسان عن أفعاله، ومع حثه على الإيمان وفعل الخير واجتناب الشر!
هل يكفر الكافر بالله – حين يكفر – وهو مُدركٌ لوجود الله، وعارفٌ بالبعث والحساب، أم تراه لا يُدرك ولا يعرف، إذاً فهو جاهل. ألا يكون جهله هنا – عذراً وحُجّة له؛ وهل يصح أن نقول إن جهله هو مسبّة وحُجّة عليه! هل يكون الجهل عمداً! ما كان ينبغي للفقهاء قفل باب الاجتهاد، أو وضع شروطٍ تعجيزية - كالتسليم بصواب كل ما قاله السابقون من فقهاء هذه الطائفة أو تلك؛ أو كاشتراط قراءة واستيعاب- وربما حفظ أفكارهم، وكل ما ألّفوه وما خطوه من مجلداتٍ عبر عصورٍ غابرة، لم يكن الوقت فيها محدوداً وثميناً كما هو اليوم.
نحن هنا فقط أردنا لفت الانتباه، والتذكير، بأن مفهوم الإنسان الذي خُلِقت من أجله الجنة والنار والدنيا والآخرة - بالحق .. هو مفهوم يشمل كل إنسان .!
وبالتالي فإن كل إنسانٍ هو كائنٌ يحمل قيمة ثمينة، وسراً كبيراً، ورسالة عظيمة .. ولا يكون كذلك إلا وهو قادرٌ على التفكير ومالكٌ حق الاختيار؛ وبالتالي فإن من يُقرر سلبه الحق في التفكير، ويفرض عليه نمطاً محدداً لعلاقته بربه - وفق فهم الآخرين للدين .. فقد افترض عدم أهلية هذا الإنسان لغضب الله أو رضاه .. وعلى هؤلاء أن يحذروا .. فإن ذلك على درجة عظيمة من الخطورة! ولا ينبغي للإنسان الاستهانة بعقله- بالسماح لغيره بالتفكير نيابة عنه، ولا ينبغي لغيره تجاهله .. مهما بلغت بهم المكانة الدنيوية والقدرة على الحضور .. هو تحذير من خطورة تهميش الإنسان، والحط من قدره، وسوء الظن به، وخطورة احتكار أمر الدين، والتسلط باسمه .. مهما كان نُبل الهدف وحُسن النوايا ..
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|