بشاعةُ حياةٍ نعرفها، ربما أخفت جمالاً لموتٍ نجهله!
غالباً ما تشترك طبيعة الإنسان وتشريعاته الأرضية مع الشرائع السماوية في مفارقة عجيبة .. بشأن حياة الإنسان وموته..
حيث يُعاقب بالموت مـن يُحب الحياة! ويُعاقب بالحياة من أراد الموت.. حين يُحـرّمُ ويُمنع الانتحـار!
وحرمان الإنسان من الحرية هو النتيجة، فهل هو الهـدف أم هي الصُـدف !
فمما يثير الاستغراب في شأن الموت .. هو رعب الإنسان الشديد منه، وعدم قدرته على الاستعداد له، وبذله لكل ما يمتلك من مال وجهد.. من أجل تأجيل موته .. ساعات أو أيام .. أو حتى سنوات معدودة؛ فهي أمور لا يقبلها المنطق السليم .. إلا في حالتين وهما .. أن يكون الأجر والفوز في الآخرة .. يُحسب بعدد الأيام والسنين التي يعيشها الإنسان في الحياة الدنيا.
أو أن يكون للموت محاولات معدودة.. إذا فشل فيها .. تمكن الإنسان من الخلود في الدنيا! وهذه فرضيات غير مطروحة أو هي معلومات غير متوفرة.
وينطبق الأمر أيضاً على ما يفعله أغلب الناس من بكاء وما يعتصرهم من ألم وحزن .. عند موت قريب أو عزيز لهم . وكأنهم لا ينتظرون، أو لم يكونوا يعلموا بأن هذا العزيز سيموت يوماً.
فإذا كان موت الأحبة والأعزاء أمراً مفزعاً إلى هذا الحد .. إذن لماذا لا يبكون بعضهم الآن .. وقبل الموت. فليس من المنطق ولا من العقل ولا من الإيمان في شيء .. أن يكون الإنسان في غاية السعادة والسرور .. وهو ينتظر ويترقب حدوث أمرٍ مؤكدٍ لا يملك له رداً .. وعند حدوث ذلك الأمر المؤكد الذي يُتَوَقع حدوثه في أية لحظة .. يتصرف وكأن أمراً طارئاً غير متوقع .. قد حدث. وأعتقد بأن أمر الموت وفهم الإنسان له من عدمه .. هي من أهم أسباب وصفه في القرآن الكريم بالظلوم الجهول.
ومن أغرب المسائل، وأكثرها أحقية بالبحث والمناقشة في هذا الشأن، هي طموحات الإنسان اللا محدودة ، في حياة يعلم أنها محدودة، ومتبوعة بموت مؤكد، يتبعه حساب دقيق على كل قولة قالها وكل فعلة فعلها! مع الأخذ في الحسبان أنه قلما تمكن الإنسان من تحقيق طموحاته دون انحرافات قد يموت أثناءها ليُبعث متلبساً بها. وهو يعلم أن ما يستحوذ عليه في الدنيا من ممتلكات، سيزيد من خوفه من الموت، ويزيد من أعبائه الآن إذا كان مؤمناً، وغالباً ما يُحْسَبُ عليه سلباً بعد الموت.
يمكننا النظر إلى الموت من زاوية أخرى، كأن نقول إن السعادة والمتعة بأي شيء، لا يتم احتسابها ولا يشعر الإنسان باكتمالها إلا عند اكتمال وانتهاء ذلك الشيء، كما هو الحال في الرحلات الترفيهية القصيرة التي يُحدد الإنسان زمن نهايتها. ولذلك فهو لا يستطيع توفير السعادة والمتعة بشكل مستمر في حياته العادية المستمرة التي لا يعلم موعد نهايتها. بمعنى آخر .. أن الإنسان يقتطع أجزاء من حياته ليقيم فيها حياة مصغّرة، يقرر هو بدايتها ونهايتها ليستمتع بتلك النهاية.
وإذا كانت المقدمة والعنوان توحي بشيء من التشاؤم، فما التشاؤم من وجهة نظري الخاصة، إلا قراءة عقلانية منطقية للمستقبل المجهول، في كتاب الحاضر المتغير، على ضوء الماضي المعلوم.
ولكن، وعلى كل حال، فليس بالضرورة أن يكون تفضيل الموت على الحياة، أو أن يُعـدَّ مدح الحياة بموتها .. تشاؤماً أو ذماً للحياة. فلب الحقيقة هو أن حياة الإنسان صاحب الصورة الجميلة والآمال العريضة والأحلام الوردية والقوة المصطنعة المؤقتة والخيال اللا محدود، تلك الحياة التي تُخفي خلفها كماً لا يحصى من المكابرات والعيوب والأسرار والمخاوف والهواجس .. ما هي إلا مرحلة مليئة بالمآسي، وتغشى سعادتها وآمالها .. مفاجآت منتظرة من مجهول خارج عن السيطرة..، وهي مرحلة مؤقتة في صيرورة أبدية متغيرة ومتعددة المراحل والمعطيات، ويجهل الإنسان عن أسرار هذه المرحلة وتلك الصيرورة ومراحلها الأخرى كل شيء تقريباً، ولا يكاد يتحكم منها بشيء.
والمقصود هنا هو حتمية نهاية حياة الفرد، وما تحويه وما تعنيه هذه النهاية المؤكدة .. من سعادة ومتعة وجمال. بحيث إنه لا يمكن لأحد أن يُنكر حجم المأساة التي ستحل بالأغلبية الساحقة المسحوقة البائسة .. لولا وجود الموت في حياة الإنسان.
فبالموت يشعر الفقير بأن المال لا يعدو كونه زاداً يقتات به لحين وصول الموت، ونفاذ ذلك الزاد معناه وصول الموت المنتظر، شأنه في ذلك شأن الغني؛ مع الفارق الذي يجعل الفقير العاقل ينتظر الموت كمنقذ له من واقع لم يألفه، ومبشر له ببديل يأمل ويتمنى وينشد ويظن .. وأحياناً يعتقد أنه سيكون أفضل من حاضره.
وهو مُنقذ آتٍ لا ريب في قدومه؛ بينما الغني لا يروق له ذكر الموت مهما كان هذا الغني عاقلاً وواقعياً. وهذه من مزايا الموت والفقر، ومن عيوب الحياة والغنى.
وكذلك الأمر مع الضعيف و القوي، والمرؤوس و الرئيس .. وهكذا.
والموت في حياة الفرد هو الذي يجعله يشعر بتساو الجميع في ضعف الإمكانات .. حيث إن النتيجة والمستقر والمنتهى واحدة، رغم الفارق الكبير المنظور الآن بين الأحياء، ذلك الفارق المزيف الذي فقد هيبته وبهرجته بوجود الموت.
ويرمز الموت في الحياة الدنيا المليئة بالمظالم والشرور .. يرمز إلى العدل والمنطق والحكمة والصواب والموضوعية في أبهى صورها. ولذلك فقد مدح الله سبحانه وتعالى .. الحياة في الآخرة بوصفه لها بالأبدية، لأن العدل المطلق يكون قد تحقق حينها، ولا مجال لمغالطات الفكر البشري النسبي، وبالتالي تكون قد انتفت الحاجة لوجود الموت وفق الحكمة والمشيئة الإلهية.
ولعل من المفارقات، أنه في العديد من المواقف نجد الإنسان مُلزماً منطقياً وواقعياً بالاعتراف بفضل الموت، وتميّزه عن الحياة في صون كرامة الإنسان والرفع من شأنه.. حيث نجد الإنسان مُحارباً مهاناً جائعاً عارياً مظلوماً بين أقربائه.. طالما بقي حياً! في حين أنه وبمجرد موته، نجد الجميع يُطالب بدمه وديته وإكرامه بالدفن والصلاة عليه!
فنلاحظ أن ما يوفره الموت للإنسان من قيمة واحترام واهتمام وهو غائب، لم توفرها له الحياة في حضوره!
فهل يكون الموت هو أجمل ما في حياة الإنسان!
كتبها .. أبو بكر سليمان أبو بكر .
|