حقيقة الرِبا.. بين الفقه والمنطق والواقع!

مقدمة.. 
إن الذي يأمر إنسانًا بفعل ما لا يستطيع فعله، فهو إنما يأمره بالانتحار أو بالنفاق – وبطريقة مباشرة وصريحة!
القول بأن الفقراء والمحتاجين آثمون إن تعاملوا بالربا، هو  تمامًا كالقول بأن المواد آثمة بما يُجرى عليها من  تجارب ..
فإذا لم يُحسب على الحديد خضوعه لنار وطَرق الحَدَّاد، فلا  ذنب للضعفاء في عالمٍ يصنع قوانينه الأقوياء، ولا ذنب  للفقراء في حياةٍ يصنع واقعها الأغنياء!

بغض النظر عن مصدر التشريع، فإنه لا معنى ولا واقعية ولا عقلانية مُطلقًا، ولا إمكانية لتحقيقه..، ذلك أن  يُطلب من الفقراء والضعفاء، أن يقيسوا ضعفهم وفقرهم بمعايير إلهية كونية مُطلَقة – فيصبروا على ما لا يمكنهم الصبر عليه ..
والقائلون بذلك هم إنما يضحكون على أنفسهم قبل غيرهم،  ويُجرِّدون حُجَّتهم من كل معنى وكل قيمة!

إن معادلة الربا، هي معادلة رياضية عقلية عملية

واقعية منطقية بسيطة، لا نحتاج من أجل حلها إلى

عناصر الذكاء والحكمة والفقه والتفكير والإفتاء

والرحمة والكرم والدُعاء! 


إنه إما أن يكون الآثم هو الفاعل القادر على عدم الفعل

(إن وُجِد)، أو أن يكون الآثم هو ذاك الذي أوجد واقعًا

لا يقوم إلا بوجود فاعل ومفعول به!

ولكن حتمًا لا معنى ولا أرضية لمحاسبة عاجزٍ، هو

بمثابة أداة لا تُقرِّر الفعل ولا الامتناع عن الفعل..، إلا أن

يكون ذنب الفقير والضعيف هو وجودهم أو استمرارهم

في الحياة- وليس ما يُجبرون على فعله خلالها!

يمكن للفقهاء النظر إلى الضعفاء والفقراء والجُهلاء،

على أنهم عبارة عن وسطٍ مادي في صورة حالات

إنسانية، أوجدها الله، ليختبر بها سلوك الأقوياء

والأغنياء والذين يعلمون..، ولا تأثم المادة بما يُجرى

عليها من تجارب ..

فإن جاز للفقه أن يُساوي بين المُرابي (الغني)، وبين

المستدين (الفقير)..، فلا مانع إذن من المساواة بين

المجرم القاتل (القوي)، وبين المقتول (الضعيف)!

وكذلك تكون المساواة جائزة وقائمة، بين المُضَلِّل

(الذي يعلم)، وبين المُضَلَّل (الجاهل)!

………………………………………

مفهوم الرِبا!
لا يوجد اختلاف بين جُل مذاهب وطوائف المسلمين حول  ماهية الربا، وحول تحريمه، فالإجماع يمكن اعتباره قائماً، ويمكن ملاحظته بين الفقهاء وعامة المسلمين، على أن المقصود بالربا المُحرَّم هو تلك الزيادة التي تُشترط عند إقراض المال، وهي التي يتوجَّب على المُقترِض دفعها فوق قيمة القرض – عند السداد. 
- هل المسلمون متفقون في أحكام الربا؟
يوجد ضمن المسلمين مَنْ يختلفون مع غيرهم حول ميدان ومجال الربا،
مثل جماعة أو طائفة "القرآنيين أو أهل القرآن"! 
وهي جماعة مُسلِمة، لهم فهمهم الخاص للإسلام، وهو فهم مبني على القرآن وحده، واستبعاد الأحاديث..،
وحُجَّتهم في ذلك هي أنَّ القرآن محفوظ من التزوير والتحريف بإجماع المسلمين، بينما ساحة الأحاديث قد ثَبُتَ اختراقها وبإجماع المسلمين كذلك، ولهذا فهم يعتقدون بأن صُلب الدين لا ينبغي ولا يجوز أخذه من ساحة ثبُت اختراقها، ولم يتم تصحيحها بواسطة معصومين!
وبالنتيجة هم طائفة من المسلمين، لا يمكن الطعن في إيمانهم وإسلامهم – إلا كما تطعن كل طوائف المسلمين ومذاهبهم في إيمان وإسلام بعضها البعض!
هذه المقدمة هي تعريف بهذه الطائفة، وليس معنى ذلك أنني ممن ينتمون إلى هذه الطائفة أو ممن يُقرون حُكمهم في موضوع الربا، وإنما هي معلومة إضافية ينبغي أن يعلمها كل مسلم، وهي أن تفاصيل حُكم الرِبا، ليست موحدة بين كل المسلمين!
الفقه لدى هذه الطائفة المسلمة له تفسير وفهم لحالة الربا والمرابي، يختلف عن ذلك الفهم الذي يُفتي به فقهاء طوائف الروايات والأحاديث..، 
حيث إن فتوى مؤسس طائفة القرآنيين تقول، بأنه لا يوجد ربا مُحرَّم في المعاملات التي تتم عن تراضٍ بين المتعاملين
ويُفتي بأن الربا المُحرَّم، هو ربا الصدقات، كأن يطلب الفقير الصدقة من الغني، فيشترط عليه إرجاعها وبفائدة! ..، حيث أن في ذلك تحايل مفضوح، فكأن المُتصدِّق يريد أن يجمع بين المكسب المادي الدنيوي، وبين الأجر الإلهي الآخروي..، والجمع بينمها لا يكون..، فإما صدقة وأجر، أو قرض وفائدة!
مما يستدل به القرآنيون في فهمهم وفقههم، الآيات التالية:
( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) البقرة276 .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } النساء29 .

……………………………………
هل يمكن أن يوجد مَنْ يُقرِض المال لغيره، دون فائدة؟
تجدر الإشارة هنا إلى حقيقة ماثلة لا يغفلها إلا مَنْ تعمَّد التجاهل، وهي أنه، وبكل المعايير والمقاييس والشرائع والقوانين، وبالعقل والحكمة والفطرة والمنطق والواقع-، لا يوجد ولا يمكن أن يوجد بين البشر مَنْ يُقرض المال طوعًا، وبمبالغ كبيرة ولسنوات عديدة، ودون فائدة..، فهذا أمرٌ ممتنعٌ واقعًا، بحكم أنه غير ممكن التحقق!
والمُلاحظ، هنا هو أن هذه الحقيقة الواقعية لا تتعارض مع فهم وتفسير أهل القرآن للربا، بينما تتعارض تماماً مع فهم وتفسير كل مَنْ عداهم تقريباً!
ولعل ما يؤكد حقيقة التعارض، ويُثبت وجود هذه الحقيقة، هو أساس ونتيجة معاملات ما بات يُعرف بالمصارف الإسلامية، والتي لا تمنح قروضاً دون فائدة، رغم أنها قامت أو أُنشئت لمحاربة الربا – كما يزعم المنظرون لها..، 
وهذه حقيقة لا تُغيِّرها مراوغة المراوغين ولا تُخفيها مكابرة المكابرين، بقدر ما تبرز من خلالها سذاجة الساذجين وعجز العاجزين، حيث إن كل ما تفعله تلك البنوك وفتاواها، هو التلاعب بصيغة وتسمية الفائدة وكيفية الحصول عليها، مع الحفاظ على النتيجة أو الرضوخ للحقيقة، وهي أنها تُقرض الأموال بفائدة!
إن فكرة هذه المصارف لا تختلف عن فتاوى سابقة، كانت تُجيز القروض الربوية، بشرط أن تُكتب في العقد كلمة خدمات بدل كلمة فائدة، وبذلك يُصبح القرض الربوي حلالاً..، وهو ذاته ما تفعله المصارف المُسماة إسلامية، فلا فرق سوى أن الفتوى السابقة كانت نظرياً، أما المصارف فهي تفعل الشيء ذاته ولكن عملياً!
حيث إن فلسفة المصارف الإسلامية – في قروض المساكن مثلاً – تقوم على أساس استثماري، إذ يقوم المصرف ببناء المسكن، وبعد حساب التكلفة (30 ألف دولار مثلاً)، يقوم المصرف ببيع المسكن للمحتاج – بيع افتراضي-، بمبلغ (40 ألف دولار) (بمعنى وين وذنك يا جحا)!
إن عملية البيع هنا ليست حقيقية، فلكي يكون بيعًا حقيقيًا، ينبغي أن يبني المصرف المساكن (وهنا لا يصح تسميته مصرفًا، وإنما شركة، فالمصرف هو جهة تتعامل بالأموال لا بالأصول)..، على كل حال..، ينبغي أن يبني المصرف الإسلامي المساكن، ويعرضها للبيع، وسيكون هناك منافسون، وتتحدد الأسعار حسب العرض والطلب..، وقد لا تكون المنافسة في صالح المصرف الإسلامي، فيضطر لبيع المساكن بسعر التكلفة أو أقل..، وحينها يكون المصرف الإسلامي مُعرَّضًا للخسارة، وحينها تُسمَّى تجارة!
أما أن لا يبني المصرف الإسلامي المساكن إلا حسب الطلب، فلا مجال للخسارة، وذلك هو الإقراض الربوي- مضمون الفائدة، وليست تجارة!
انطلاقاً من هذه الحقائق الناطقة والمشاهدة، يتضح أنه إذا كان الربا المقصود بالتحريم، هو الفائدة المترتبة على الإقراض، وحيث إنه لا يوجد إقراض دون فائدة..، إذن تكون عملية الإقراض ذاتها هي المقصودة بالتحريم لدى المسلمين..، وهذا ما لم يقله الفقهاء حتى الآن..، ولو كان الأمر كذلك، لوضع القرآن والتشريع الإسلامي بديلاً للقروض والاقتراض- كأن يُلزِم الأغنياء أو بيت مال المسلمين أو خليفتهم، ببناء المساكن وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لفقراء المسلمين، وهذا ما لا وجود له، فكل ما هنالك هي الصدقات غير الملزمة، أو الزكاة التي لا تحل المشكلة، باعتبار أن الفقراء دائماً وأبداً هم أضعاف أضعاف أعداد الأغنياء! 
………………………..
على افتراض أن الربا المقصود في القرآن، هو كما يفهمه جُل المسلمين اليوم..،
لقد سُمِّي التاجر نسبة إلى مهنته – أي التجارة، والمزارع نسبة إلى الزراعة، وهكذا..،
ولا يصح ولا يجوز بحال من الأحوال، أن تُطلق ألقاب أو أسماء أصحاب المِهن على زبائنهم. 
فلا نقول عن زبائن التاجر بأنهم تُجار، ولا عن زبائن المزارع بأنهم مزارعون!
كذلك هو الحال مع المُرابي، فقد جاء اسمه أو لقبه من مهنته – أي عمله بالربا-، ولا يصحُّ أن نقول عن زبائنه بأنهم مُرابون أو آكلي ربا! 
وعلى هذا الأساس، فإن كل أمرٍ أو نهي أو تهديد أو عقاب ديني أو قانوني، يُوجَّه لصاحب مهنة، فإنه لا يشمل زبائنه! 
فلا علاقة للمستهلكين بالنهي عن الغش والاحتكار ورفع الأسعار..، فهكذا أمر مُوجَّهٌ للمستفيدين من الغش والاحتكار ورفع الأسعار، والذين هم التجار، فإذا لم ينتهِ التجار، فإن العقاب لن يشمل المستهلكين! 
وهكذا هو الحال مع الربا، والذي كان بالأساس والنتيجة وسيلة لتحصيل المال شأنه شأن التجارة والزراعة..، إلا أن وسيلة الربا قد تمَّ تحريمها على الذين كانوا يستعملونها لكسب المال! 
ومن الطبيعي والبديهي أنه لو تمَّ تحريم التجارة والزراعة، فسيكون الخطاب موجه للمستفيدين منها والقادرين على فعلها وإيقافها، وليس للمستهلكين المضطرين لدفع المال مقابلها وبسبب حاجتهم لها! 
ما سبق هو استعراض للخلط المتعمد للمفاهيم من قِبل الكثيرين، الذين يُساوون بين المُستدين الباحث عن مساعدة والمضطر للقبول بشروطها، وبين المُرابي المخالف لأمر الدين..، وذلك حين يُطلقون – جهلاً أو تجاهلاً- وصف أو اسم آكل الربا على المستدين كما على المُرابي!
…………………
لعلنا متفقون على أن المرابي هو صاحب المال الذي يستدين منه الناس المال – نظراً لتوفره عنده، وبسبب حاجتهم له؛ وهو الذي يشترط عليهم عند إقراضه المال لهم، إرجاعه في مدة معينة – هو مَنْ يُحددها عادةً، وبزيادة نسبة معينة على رأس المال – يحددها المُرابي كذلك!
وهذه النسبة المفروضة من المرابي على المُستدين، هي ما اتُفق على تسميته بالربا، وهي ما أمر الإسلام المرابين بتركها، والاكتفاء باسترجاع رأس المال، ومساعدة المحتاجين بالتصدُّق عليهم – دون استغلال لحاجتهم. 
وكل ما قرأناه في القرآن، إنما يُخاطب المرابين بترك هذه الزيادة التي يفرضونها على المستدينين المحتاجين للمال، ولم يُخاطب المحتاجين ولم يأمرهم بشيء في هذا الصدد مُطلقاً! 
فلو أن المرابي لم يشترط عليهم الزيادة ما كانوا اشترطوها على أنفسهم، ولو لم يكونوا مضطرين لما قبلوا بها، ولما ارتضوا شروط المرابي عليهم..، تلك الشروط التي تتغير وتثقل كاهلهم أكثر فأكثر كلما أخفقوا في الوفاء بقيمة الأقساط في مواعيدها..، فلا محل للمحتاجين في النهي هنا..، إلا أن يكونوا منهيين عن أن يكونوا فقراء! 
إن الأوامر والنواهي في القرآن، إنما تكون من القادر على إصدارها، إلى المخالف والقادر على تنفيذها، كالذي يُضر بمصالح الناس، أو يُفسد في الأرض، أو يكفر بنعمة، أو يصدّ الناس عن السبيل القويم.. كما فعل فرعون وقارون، وكما أُمِر القادرون من المؤمنين بالقتال في سبيل المستضعفين في الأرض، ضد من استضعفهم وأجبرهم على فعل ما يريد وما لا يريدون .
فنحن عرب اللغة، وكتابنا عربي اللسان، ولا نُخْفِي شيئاً نخشى الإطلاع عليه ومحاجَّتنا به، وكم من فتاوى أعيد فيها النظر، واستبدل ما فيها من تعسير- بما عناه الدين من تيسير، وجَلَّ من لا يُخطئ.
فلماذا إذن لا ننقل للمترددين صورة حية لا تحتمل إلا معنى واحداً، وللمشككين يقيناً يذهب بتشكيكهم.. 
…………………………….
تساؤلات..
أليس قتل النفس من الكبائر الموجبة للعذاب واليأس من الرحمة في عقيدة المسلمين!
أيهما أكبر جرماً، قتل النفس عمداً، أم الربا الحقيقي؟
ألا يفرض التشريع الإسلامي وكل تشريع عقلاني، التأكد من مسببات القتل – قبل تجريم القاتل -، ألا يعني هذا أن المسلم قد يضطر لقتل مسلم عمداً، وأن الشارع (الدين) قد يجد له المُبرّرات؟
أفلا يجد الشارع أو المُشرِّع مبرراً للمحتاج لأخذ القروض بكل أصنافها، بقصد سد حاجته لا بقصد الإفساد في الأرض!
أليس هذا المُشرِّع هو الذي يُجيز بل ويفرض على المسلم قَتْلَ مسلمٍ آخر – حماية لعِرضه!
أفلا يجد له الشارع مبرراً لصون ذلك العرض والحفاظ عليه من الهتك والانحراف بوسائل أقل بكثير من قتل النفس..، كالاقتراض بفائدة! 
هل يقصد الفقهاء المسلمون أن قتل النفس دفاعاً عن العرض جائزٌ، وأن أخذ القروض ودفع الربا لأجل حفظ العِرض وصون الكرامة لا يجوز!
نُذكِّر هنا، بأنهم عادة ما يخلطون – عمداً أو جهلاً – بين دفع الربا وبين أكله..، فيُسمُّون دافع الزيادة بآكل الربا، وفي ذلك مغالطة فاضحة!
أليس المُدافع عن عرضه وأهله ونفسه، هو من يقدّر المواقف والأمور ويتخذ القرار ..، فكيف يُنتزع منه حقه في تقدير أمره – ما إذا كان محتاجاً للاقتراض بربا أو بدون ربا، أم لا!
ومن ناحية أخرى .. هل يُعاقب المقتول على حياته لأنها جعلت من القاتل قاتلاً.!
هل يُدرك فقهاء المسلمين بعمليات بيع بعض الفقراء لأعراضهم سراً، بسبب العوز وقلة الحيلة وتضييق الفتاوى عليهم، وذلك مخافة المسبة ومقاطعة الناس لهم، إذا تعاملوا علناً بما تم تحريمه – ولو لم يكن تحريمه صحيحاً! 
ثم ألا يضر بعلاقة المسلمين بدينهم – خاصة عند ضعفهم أمام الحاجيات الملحة – أن يروا دينهم يسد أمامهم ما توفر لهم من سُبُل العيش – شبه – الكريم، بعد أن استحال عليهم العيش الكريم..، ولا يوفر لهم سبلاً بديلة، والفتاوى هي السبب بكل تأكيد، وليس الدين بالضرورة!
ألا يمكن أن يكون المزارع والصانع والتاجر الذين نبتاع منهم أقواتنا – التي تنبت منها أجسادنا.. هم أنفسهم المرابين والمزورين والذين لا يُصلُّون ولا يصومون، وربما المشركون والزناة..الخ، ولكننا لا نملك إلا أن نبتاع منهم! 
فهل ما نأكله في هذه الحال هو زقوم!
وإذا كان كذلك، فهل نحن مذنبون! وما البديل .. سواء علمنا ببعض هذه الصفات أو لم نعلم، وسواء اجتمعت كلها أو بعضها! 
هل يُمنع الضعفاء عن أقواتهم ويُضيَّق عيشهم، وتُطبَّق عليهم الأحكام الموجهة إلى الأقوياء..، كل ذلك كي يتوب ذلك التاجر الذي اقتضت الظروف أن يتحكم في أقواتهم! 
هل نجبر الملايين من الأبرياء المستضعفين الفقراء على ركوب أمواج العوز وانعدام المركوب والمسكن، من أجل أن ينجو المرابي من حرب الله ورسوله – ويدخل الجنة! 
هل طالب الإسلام الفرد المسلم بشيء أكثر من الطاعة تجاه ولي الأمر – الممثل اليوم بالدولة! 
هل تعهد ابن آدم عند حمله للأمانة أن يفعل المستحيل! وهل يستطيع ذلك..، وهو الموصوف في القرآن بالضعيف! 
ألا يحتاج فهمكم للربا إلى معايرة بعقول وثقافات وقلوب رحيمة بالمؤمنين، أكثر دقة وحداثة ومنطقية، من تلك التي تستعملون! 
وحيثياتكم التي تسوقونها لتبرير فتاواكم بشأنه ألا يمكن مراجعتها! 
هل تأذّن الله ورسوله بحرب آكلي الزيادة عن رأس المال .. أم المضطرين لدفعها!
هل تدافعون عن المرابي لينجو من حرب الله .. بالتضييق على المضطرين من المستضعفين من خلقه! 
وإذا لم يتوقف المرابي المُترف بنعمة المال، ولم يجد المضطر بُـدّاً من التعامل معه ..على أيهم تخشون من حرب الله .. ومن تظنونها ستُدمر!
هل ستدمر الفقير الذليل الذي يموت في اليوم مائة مرة! 
وهل الدول محتاجة إلى هذه النسبة الزهيدة!
وهل هذا هو الربا المعروف عند بدء الرسالة! 
إن الدول والحكومات الموجودة اليوم في كل بلاد المسلمين، تُعنى وتُسيطر وتتحكم بكل شؤونهم، وليس لهم إلا الطاعة، وجُل ما تفعله إنما هي ضرورات أملتها محاربة الفتن وتوفير الأمن والاستقرار وتنظيم شؤون وتوفير احتياجات ملايين البشر – الذين لم يكونوا بهذه الأعداد وهذه الثقافات والمذاهب والفتاوى المتضاربة .. قديماً! 
فهل يكون الفقراء والمحتاجون ذخيرة لفتاوى الفقهاء في مواجهة الربا والمضاربين! 
…………………..
بقي أن ألفت انتباه القارئ الكريم أو أُذكِّره، بأن الصورة العامة لتحريم الربا والتشدد فيه لدى المسلمين – إلى هذا الحد – هي نابعة من التراث والثقافة العربية، ولا أصل لها في التشريع الإسلامي الذي مصدره القرآن! 
فليس في القرآن – على الإطلاق – آية واحدة مُوجَّهة للمُقترِض أو للكاتب أو الشاهد أو سواهم ..، عدا عن آكل الربا! 
وأستطيع الجزم بأن الذين يُحرِّمون أخذ القروض والسُلف، هم يُخالفون القرآن عمداً وصراحة! 
فهم يستندون في فتاواهم وتضييقهم على الناس إلى رواية بشرية تُعارض القرآن..، وهي رواية لا عصمة لناقليها ولا دليل لدى من أجمعوا على مخالفة القرآن والإفتاء وفقها، ولا يستطيع أحدهم أن يُقسِم على صحة نسبتها! 
فهي رواية كغيرها من الروايات التي نقلها زيد عن عبيد، عن، عن ..، وكُتِبت بعد الرسول بعشرات أو مئات السنين..، وقد تم الاتفاق على ثبوت تزوير وبطلان وكذب أكثر من 90% منها! 
فكيف يأخذ المسلمون حُكماً من ساحةٍ ثبت اختراقها، بما يُخالف قرآنهم الذين يؤمنون بحفظه! 
ملاحظة: البخاري ومسلم، هما مُسلمان لكنهما ليسا عربيين، وقد كتبا كتابيهما بعد وفاة الرسول بأكثر من قرنين من الزمان..، ولا توجد النُسخ الأصلية لتلك الكُتُب..، إضافة إلى أن مسلم كان تلميذاً للبخاري، ولا أحد من المسلمين يعرف لماذا كتب مسلم كتابه الذي يضم أحاديثَ لا توجد في كتاب معلمه! 
ينبغي أن نذكر هنا أننا لا نقصد الطعن في أشخاص مسلم والبخاري، اللذين لا نعرف عنهما إلا ما رواه بشر بعدهما بمئات السنين..، 
لكننا نتحرى الحقيقة بعقولنا التي لم نكن مكلفين ولا محاسبين إلا بها..
فنتساءل: كيف للإنسان أن يبني عقيدته دون أدنى تفكير، على روايات بشر ليسوا معصومين! 
ما هو الدليل بين أيدينا على أنه كانت لدى البخاري أو سواه، خصوصية الحواسيب الفائقة، ليتمكن من استخراج وتصحيح ثلاثة أو خمسة آلاف حديث من بين نصف مليون حديث مكذوب..، 
وكيف يمكن لعاقل أن يُصدِّق بأن البخاري أو غيره من البشر في ذاك الزمان، كان لديهم ذكاء خارق يعادل تقنية الدي إن أى (DNA)، حتى أمكنه أن يتحرى ويجزم بصحة رواياتٍ مات قائلها وشاهدها وناقلها قبله بأجيال! 
إن الذين نقلوا هذه الرواية والذين استندوا لها في فتاواهم وفهمهم للربا، هم ذاتهم الذين نقلوا راوية عن الرسول، ينهى فيها عن كتابة أي شيء عنه عدا القرآن، ورواية أخرى يُقر فيها كتابته!
وهم ذاتهم الذين يؤمنون بأن الصحابة قد منعوا كتابة الحديث في زمنهم، وأحرقوا ما كُتِب منه! 
أفلا يتساءلون أو يُجيبون: إذا كانت الأحاديث والروايات أو ما يُعرف بالسُنة القولية، أصلاً من أصول الدين – لا يقوم بدونه، ولا تقل عن القرآن أهمية وقداسة..، فلماذا لم يجمعها ويُدوِّنها خُلفاء الرسول، كما جمعوا آيات القرآن ودَوَّنوها..، علماً أن بعض كبار الصحابة قد عارضوا حتى عملية جمع القرآن وتدوينه في مصحف..، وحُجَّتهم أن الرسول لم يفعل ذلك، فكيف يفعلون ما لم يفعله الرسول، وأنهم ليسوا أدرى منه ولا أحرص على الدين، ولا هم أدرى بما يُحقق المصلحة..، وجدير بالذكر أن الذين عارضوا جمع القرآن، قد استندوا إلى حُجَّة العقل والمنطق لا إلى آيات أو أحاديث، وكذلك الذين اقترحوا جمعه قد استندوا إلى العقل والمنطق، .. فكيف يُمنع اليوم استعمال العقل والمنطق عند الحديث عن الروايات لا عن القرآن!
 ليت المقلِّدين صدقوا في تقليدهم، لا أن يمنعوا عقول الغير ويُحكَّموا عقولهم!
فإذا أجاز اللاحقون تجاوز أمر الرسول وخلفائه، وكتبوا عنه بعد وفاته ما نهى عن كتابته في حياته..، 
فهل يجوز لنا نحن أن نتجاوز القرآن المحفوظ، ونُفتي بما يُخالفه استناداً إلى حديث لا يُمكن الجزم بصحته! 
ماذا أيها المفتي، لو سألك ربك الذي تؤمن بلقائه وحسابه وعدله..، لماذا تجاوزت القرآن، وأفتيت برواية ربما كانت فتنة! 
هل ستنفعك أو هل تتصور أنك تستطيع الإجابة، بأن هذا ما وجدته في كتاب مسلم وبخاري! 
هل توجد آية في القرآن تأمرك بإتباع مسلم وبخاري أو غيرهم من البشر! 
أم إنك تفترض أيها المفتي، بأن السؤال سيكون: لماذا أفتيت وحكمت بالقرآن، ولم تحكم بكتاب مسلم وبخاري!

6 Comments

  1. wisdom-research

    أوافقك الرأي السديد.

    القرءان يذم الربا المترابي اضعافا ولا يحرمه تحريما. وكما ذكرت يتكلم عن آكل الربا المضاعف وليس بالتعميم عن المتعاملين. بينما الاعتماد الفقهي على الحديث فيه فكر يتعارض مع البيع بالاجل.

    • أبو بكر سليمان
      شكرًا لك أخي الفاضل..
      كم نحن بحاجة لمن يستطيع التعبير عن رأيه بوصف الأشياء كما يراها وتسميتها بمسياتها، وعدم افتراض صورة للحقيقة غير التي يعلمها!
  2. ابو مروان

    الاخ ابو بكر سليمان اسعد الله اوقاتك اولا لدي تعقيب على موضوع القاتل والمقتول وتشبيهك لهما بالمقترض والمقرض بالربا وسؤالي لك هل يذهب المقتول للقاتل ويطلب منه ان يقتله ؟ولكن يذهب المقترض للمقرض في طلب القرض اليس كذلك يااخي هدانا وهداك الله. اذا هم ليسوا سواء . ان الله حرم الربا نظرا لقباحة اثره في المجتمع وليس في افراد بعينهم فهو اهم سبب من اسباب التضخم الاقتصادي وزيادة اسعار السلع . فقد فهمت من كلامك ان الضروريات تبيح المحرمات وان المقترض الفقير ليس امامه الا ان يذهب الى المقرض ويقبل بجميع شروطه في الزيادة الربوية ولا اثم عليه طالما هو محتاج الى هذا القرض وتأتي العقوبة الالهية بحد قولك على المقرض بالربا . وهذا هوا التضليل بعينه فقد ذكرت عن القرانيين انهم يتبعون كتاب الله ولم يحرموا عمل المقترض نظرا لعدم ذكر عقوبة له في القران وحذوت حذوهم , فلو سألتك او سالتهم كيف تتوضئون ؟ هل كذكر صفة الوضوء في القران ام كما علمنا هي الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام ؟ ولو كانو يتوضؤون كما في الاحاديث النبوية لماذا لم يقولوا انها احاديث كاذبه .ولكي لا نخرج عن الموضوع اريد ان اوؤكد لك ان  المقترض الفقير يلقي باالمقرض الغني في النار هما فيها سواء فلو لم يكن هناك مقترض بالربا لما كان المقرض بالربا . وعلى سبيل المثال ان يكون لدى شخص مكان للرذيلة والزنا ولدى شخص اخر الخمر والزانيات وليس لديه مكان للمتعة فيشتركان نظرا لحاجة الاثنين للمتعة والخمر والزنا فهما في النار لا محالة ( والمال يااخي متاع للحياة الدنيا ) اعذرني على الاطالة { الاختلاف في الراي لايفسد من الومد قضية }

    • أبو بكر سليمان

      الأخ ” أبو مروان ” أهلاً بك وأسعد الله كل أوقاتك. سأبدأ بما أنهيت أنت به تعليقك، وهو أن الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية.
      أخي الفاضل: إذا كان تشبيهي أنا للمقرض والمقترض (المرابي والفقير) بالقاتل والمقتول ليس دقيقًا، فهل يكون التشبيه الدقيق هو تشبيهك أنت للفقير بأنه كمالك حانة الرذيلة والزنا؟
      هل الفقير مخير في أمره كصاحب الحانة القذرة الذي يمكنه تغييرها بمكان شريف نظيف؟
      أما تساؤلك حول الوضوء، فهل تقصد بأن الذي يتوضأ بحسب ما ورد في القرآن المحفوظ هو مُخطئ، وأن الصواب هو أن يتوضأ بحسب ما ورد في أحاديث نقلها وصححها بشر غير معصومين؟
      وعلى كل حال فإن الوضوء هو من الممارسات العملية التي لم تنقطع، وهذا هو سبب الاتفاق النسبي الكبير حوله، وليست الأحاديث!
      مع العلم أنه توجد اختلافات بين طوائف ومذاهب المسلمين حول تفاصيل الوضوء، وخاصة حول المسح بالرأس والأرجل!
      والأهم من كل هذا أن الوضوء جاء في القرآن موجه لكل المسلمين الذين تجب عليهم الصلاة، وليس موجه لفئة من المسلمين دون غيرهم، وبذلك تكون الأحاديث بشأنه سواء صحت أو لم تصح فهي لا تقرر أمرًا لم يقرره القرآن، ولم تُخاطب فئة من المسلمين لم يُخاطبها القرآن..، لكن الأمر يختلف بشأن الربا، ففي حين خاطب القرآن فئة محددة من المسلمين ( الأغنياء)، فإن الأحاديث خاطبت فئة لم يُخاطبها القرآن، وبالتالي فهي قد قررت ما لم يُقرره القرآن..، ومن هنا كان ينبغي الالتزام بنصوص القرآن طالما اختلفت معها الأحاديث! فالأحاديث لا يمكن أن نعطيها ذات النسبة من المصداقية المعطاة للقرآن، وذلك باعتبار أن القرآن محفوظ، بينما الأحايث قد صححها ونقلها بشر غير معصومين!
      شكرًا لمرورك الكريم.

      • احمد زياد الرواحنه

        هل تعتبر الاوراق النقديه التي يقوم المقترض باقتراضها من البنوك الربويه ماده كباقي المواد مثال (الحليب والتمر والخبز والخضروات ………….) ام مال كالذهب والفضه

  3. أبو بكر سليمان


    السيد: احمد زياد الرواحنه


    أولاً: لماذا حددت البنوك الربوية في سؤالك؟
    هل تقصد أنه توجد بنوك غير ربوية يمكن اقتراض الأوراق النقدية منها؟
    وهل توجد أوراق نقدية تختلف عن الأوراق النقدية التي يتم اقتراضها من البنوك الربوية؟ وإلا لماذا لا تكون المقارنة ويكون السؤال عن الأوراق النقدية بصفة عامة؟
    ثانيًا: بالنسبة لسؤالك عن الفرق بين الأوراق النقدية المقترضة من البنوك الربوية والمواد الغذائية، أقول :
    الأوراق النقدية هي مادة وسيطة، ذات قيمة معلومة، ومفتوحة الهوية!
    الحليب مادة بسيطة، ذات قيمة معلومة، ومُحددة الهوية!
    الذهب مادة بسيطة ووسيطة، ذات قيمة معلومة، محددة الهوية ومفتوحة الهوية!
    المادة البسيطة هي كل مادة ذات قيمة متدنية قياسًا لصغر الحجم، ويمكن استعمالها بشكل مباشر !
    المادة الوسيطة هي كل مادة ذات قيمة عالية قياسًا لصغر الحجم، ولا يمكن استعمالها بشكل مباشر !
    فإذا كانت لديك مادة وسيطة على صورة أوراق نقدية، فأنت إذن لديك مادة مفتوحة الهوية، وعليك تحديد هويتها حسب حاجتك،
    ويمكنك تحويل هويتها إلى حليب أو ملابس أو سيارة أو منزل أو سلاح أو زواج ..، الخ !
    أما إذا كانت لديك مادة بسيطة على صورة حليب – مثلاً (أطنان من الحليب)، فأنت إذن لديك مادة محددة الهوية، يمكنك استعمالها بشكل مباشر، لكن لا يمكنك تغيير هويتها إلى منزل – مثلاً، إلا بعد أن تنزع عنها هويتها (الحليب)، وذلك باستخدام  مادة وسيطة – مفتوحة الهوية (نقود)، ثم تحدد هوية النقودفتمنحها هوية منزل!

    إذن: الأوراق النقدية والحليب والخبز والذهب والفضة، هي بالنسبة إلى الإنسان، كلها مواد، لا تختلف إلا من حيث قيمتها وكيفية استعمالها!

Leave a Reply

*