نعتقد ما نريد، ولا حقيقة غير الذي نعلم!


- سُئلَ فيلسوف: هل تعترف بأن الفلسفة قد فشلت في إدراك الحقيقة؟


- فأجاب: الفلسفة لا تُدرك ما نريد، لكن تُدرك ما يمكن وما ينبغي أن يكون، وتكشف زيف المزيف!
سُئل: هل عرفت لماذا نحن البشر هنا، ولسنا في مكان آخر؟
أجاب: قد عرفتُ لماذا البشر هنا، لكنني لا أعرف بعد مَنْ نحن! 
إنَّ كل مَن وما وُجِدَ، وأدرك ذاته، بحيث قال عن نفسه "أنا فلا يُمكنه أن يكون إلا هُنا
إنَّ الـ"هُنا" هي دائمًا حيث توجد الـ" أنا "، فإذا صرنا هُناك صارت الهُناك هُنا!
فإذا كان لأحدٍ أن يبحث، فليبحث في أُحجية الـ"نحن"، .. ولا معنى للسؤال عن بديهية وجودنا هُنا!
فالنحن تعني مجموع الأنا..، ولا أعلم بوجود أنا لها أكثر من ذات واحدة حتى الآن، وواقع البشر يقول بأننا أعداء ولسنا فقط أنا وآخر، فلا مكان بيننا للنحن بعد !


سُئلَ: ما هو الخيال؟
أجاب: الخيال هو أجمل وأصدق جانب من الواقع، وهو الجانب الذي لا نراه في الواقع!


سُئلَ: ما هي الحقيقة؟


أجاب: الحقيقة هي اكتمال صورة منقوصة، وكل الصور منقوصة!


س: لماذا يُهمِل الفلاسفة أنفسهم عادة، فلا يهتمون لمظهرهم؟
ج: إن الفلاح والعامل وكل الذين تتطلب أعمالهم جُهدًا شخصيًا مباشرًا منهم، لا يمكنهم الاهتمام بمظهرهم أثناء ممارسة أعمالهم..، 
والفيلسوف في حالة ممارسة مستمرة لعمله!


س: ما الفرق بين الاعتقاد بالحقيقة وبين الإقرار بها؟
ج: الاعتقاد بالحقيقة هو افتراضها على مقاس المخاوف والأحلام!
أما الإقرار بالحقيقة فهو عدم افتعال المخاوف والأحلام!


س: هل تخشى حساب الإله وعِقابه الذي يعتقد به أتباع الأديان؟
ج: إنَّ عبدًا كان أهون عند سيده من أن يُعلِمه بواجبه، هو لا شك أهون عنده من أن يُحاسبه أو يُعاقبه!


س: ألا ترى في الأديان وأتباعها من حولك، بلاغاً لك من الإله وحُجّة عليك؟
ج: إنني أعلم وأُقرُّ بوجود الخِداع، وأستطيع أن أفهم لماذا يُخادع الإنسان غيره!
لكنني لا أفهم كيف ولماذا يُخادع المُدرِك ذاته!
إن إدراك الإنسان وسلوكه يقعان بين الغريزة والعقل؛ واعتناق الأديان ليس غريزيًا، وخطابها لا يستجيب للعقل!
إن السؤال ينبغي توجيهه لمن يعتنقون الأديان ويدعون لها، وليس للباحثين عن الحقيقة:
كيف يطلب العاقل من غيره، إعطاء الولاء لسيدٍ مجهولٍ – هو ذاته لا يعرفه، ويعجز حتى عن تخيله! 
فما الذي يدعون له، وما الذي يعبدونه؟
وكيف لعاقلٍ صادقٍ أن يخشى عقابًا من سيدٍ عادلٍ، وكل جُرمه أنه أقرَّ بجهله بأمرٍ هو في الواقع يجهله!
وكيف يُخادع العاقل الصادق نفسه ويعبث بالحقيقة، ألا يُدرك العاقل حقيقة دوافعه، ألا يجهل حقيقة مَنْ دعاه وما يدعو له؟


س: ما الفرق بين الخوف والجُبن؟ ولماذا يُعيَّر الجبان بجبنه – وهو الذي لم يختر أن يكون جبانًا؟
ج: الخوف هو شكل العلاقة ونتيجة المعادلة بين ضعف طبيعي وقوة طبيعية!
أما الجُبن فهو التراجع عن مبادئ اختيارية في ميادينها..،
فالجُبن هو ظهور الصورة الحقيقية لواقع مزيف خادع!
وبذلك لا يكون الإقرار بالضعف جبنًا، لكن من الجبن ادعاء القوة كذبًا! 
ومن هنا يُمكننا تعريف الخوف بأنه جُبنٌ لا إرادي، وتعريف الجُبن بأنه خوف إرادي!


س: إلى أي حدٍّ ترى الإنسان مسئولاً عن سلوكه وقناعاته؟
ج: إلى الحدِّ الذي يكون عنده الطفل مسئولاً عن سلوكه وقناعاته!
س: وهل تصح مقارنة البالغين بالأطفال؟
ج: تصح، إذا صحَّت مقارنة الإنسان بالإله!
إنه لئن كان عُذرنا للطفل حين يُخطئ، هو أن سلوكه ناجم عن براءة وتقليد وتلقين..، فهل سلوك البالغين سوى نتيجة سذاجة وتقليد وتلقين!
ثم استطرد الفيلسوف متسائلاً وشارحًا..، وهل مفهوم العقل البشري سوى ذاكرة يُكتب عليها ثقافات وقناعات وعادات ومعتقدات الأهل والسابقين، لتكون موجهًا للإنسان ومعيارًا لسلوكه!
إن بلوغ الإنسان وخبراته لا تجعله في مأمنٍ من الوقوع فريسة للخداع والجهل!
إنه يمكن خداع الشيخ العجوز وإخافته، تمامًا كما يمكن خداع الطفل وإخافته!
إن الفوارق النسبية بحسب حجم التجربة بين الأطفال والبالغين، لا تغير من النتيجة والحقيقة شيئًا!
ولذا، فإن الاعتقاد بمسئولية الإنسان البالغ عن سلوكه، لا يختلف عن الاعتقاد بمسئولية الطفل عن سلوكه!
إنه ولكي يكون الإنسان مسئولاً عن سلوكه وممارساته..، فإنه كان ينبغي أولاً أن يكون عقله سابقًا لتجاربه، وأن يكون الإنسان متقدمًا على قناعاته، ومُدركًا لحقيقتها قبل أن تُصبح قناعاته..، ثم يكون قادرًا على تحقيقها..، 
وحيث إن هذه الشروط ليست متحققة، فلا تكون مسئولية الإنسان عن سلوكه وممارساته، إلا مجازًا، ونسبيًا في أحسن الأحوال!
إن مرور الإنسان بمراحل العمر يجعله يمر بنتائج سابقة لعقله وقناعاتٍ تَفُوق إدراكه..، فينبهر بها، ويستند لها في قراراته،
ثم إن الإنسان يُدرك أخطاء كل مرحلة، بعد تجاوزها، وبعد فوات الأوان!
فإذا كان المقصود بمسئولية الإنسان عن سلوكه، هو مسئوليته عن آخر مرحلة بلغها..، فإن ذلك عبثٌ وجهل ووهمٌ عظيم..،
فهل تَمَكَّن الإنسان من تجاوز المرحلة الأخيرة حتى يُدرك أخطاءه بها!
إن القيمة الكاذبة والمسئولية الافتراضية التي يعتقد الإنسان بأنه يحملها – نتيجة التلقين المبكر الذي يسبق التجربة الشخصية العملية المباشرة -،
تلك القيمة الكاذبة والمسئولية الافتراضية التي يعتقدها الإنسان مُبكرًا ويبني حياته على أساس صحتها، فلا يعود قادرًا على الفكاك من خيالها..، هي التي تجعله يرفض الموت ويطلب تمديد الحياة، اعتقادًا منه بإمكانية بلوغ مرحلة يُدرك خلالها الحقيقة، ويُميز الصواب من الخطأ، ليفي بالتزامات مسئوليته المفترضة، ويمتلك الإمكانات التي تؤهله لإدراك قيمته المزعومة..، 
وليست المسئولية العظيمة والقيمة الكبيرة للإنسان في أساسها سوى أوهام وتصورات افتراضية لا مكان لها على أرض الواقع!
لكن متعة وسهولة حياة الوهم، تجعلها أقرب إلى قلوب الضعفاء من حياة الحقيقة..، فتجدهم ينفرون من الحقيقة وينجذبون إلى العقيدة!
ومن أمثلة ذلك، نجد أتباع المعتقدات الغيبية، يُكثرون من العبادات ويتفننون في ممارسة الطقوس.. نظرًا لسهولة أدائها ولاعتقادهم بجزيل عطائها؛ 
بينما يقل عطاؤهم في المعاملات ويفشلون في امتحان الصدق والأمانة.. وذلك لصعوبة الإيفاء باستحقاقاتها، وشعورهم بضآلة مردودها- قياسًا إلى تكلفتها..،
ومنهم من يعتقد بأن الإكثار من التذلل للإله بالعبادات، يُعوِّض النقص في الأمانة والمعاملات.. وكأنهم يعبدون بشرًا يحتاج لولائهم – وليس إلهًا يختبر حقيقتهم!
إن الإنسان صناعة بشرية خالصة..، وإن كل فرد بشري هو عبارة عن حلقة إضافية في سلسلة بشرية..، 
إن الإنسان تحت مجهر الحقيقة والمسئولية، يبدو كدُمية حيَّة، مُبرمجة بمعايير ثقافية ومؤثرات بيئية وعناصر تربوية وضوابط عقائدية وإمكانات عشوائية!
إن الإنسان في كل مرحلة من مراحل حياته، يُدرك أخطاء المرحلة السابقة، ويرفض كماً كبيرًا من سلوكه وقناعاته السابقة!
فكيف يكون الإنسان مسئولاً عن آخر مراحل حياته، والتي هي عبارة عن نتيجة حتمية للمراحل السابقة، والتي بات هو ذاته يرفضها – بعد أن تجاوزها وأدرك أخطاءها!
إن ضعف الإنسان وطبيعة حياته والمدة الزمنية التي يعيشها، لا تؤهله لامتلاك الخبرة الكافية ولا الإمكانات ولا الحصانة ضد الحاجة والخوف والجهل، لكي يكون أهلاً لحمل أي قدرٍ من المسئولية عن سلوكه!
………………………………



- لا يوجد شكل طبيعي محدد لحياة البشر ولا نتيجة



مُنتظرة من وجودهم، إنما هو دهاء الحُذاق والأقوياء 



والكبار منهم، الذين رسموا ويرسمون للحياة إطارًا حتى



تبدو وكأن من ورائها غاية سامية لا تقبل العبث، حيث



يختلقون رموزًا ومناسبات وهمية، ويجمعون حولها 
 


الضعفاء والأغبياء والصغار، ويضعون لها الضوابط 


والمسلمات والمحرمات والممنوعات التي تمنع العبث..؛  وليس ذلك بسبب جِدِّية الأمر، إنما لكي تكون حقوق العبث محفوظة للحُذاق والأقوياء والكبار!

من المناسبات والرموز الوهمية المختلقة: الدولة السياسية، المجتمع الأخلاقي، المعتقدات والطقوس، التعليم التلقيني والأكاديمي، الزواج التقليدي، …الخ.
إنهم بذلك إنما يصبغون جدران الوجود، بألوانٍ متعددة من الطلاء، بما يُناسب أحلامهم ويعكس مخاوفهم، وليس بينها ما يحمل قيمة أو يُمثِّل حقيقة تصمد أمام اختبار!
إنهم 
يفتعلون ضجيجًا خارجهم، هربًا من رُعب صمتٍ يملأهم!
قد يقول قائل: وماذا عساهم أن يفعلوا غير ذلك لتبديد الخوف والصمت؟
الجواب: ليس الخطأ في أن يحلم ويرسم ويتخيل الإنسان ما يشاء، لكن الخطأ في أن يُصدِّق هو أو أن يُحاول خِداع غيره أو إكراههم على تصديق أن ما يتمناه صار واقعًا، وأن ما كان يخشاه صار عدمًا..، وهو يعلم أن الحقيقة غير ذلك!
إن الأمر أشبه بسلوك الكاذبين الذين يحثون بعضهم على أخذ أكاذيبهم على محمل الجد..،
إنه أشبه بالحماس الذي يكتنف الأطفال أثناء لعبهم، فيُنسيهم حقيقة أنهم يلعبون، فيدب بينهم الخلاف وتنشأ الصراعات وتسيل الدماء دفاعًا عن حقوق العبث ومناطق نفوذ اللعب، ويعتبرون استهزاء الكبار بموضوع خلافهم بمثابة استهزاء بهم!

………………………………

بالاعتقاد يمكن أن يسعد البائسون ببؤسهم، ويفخر الأذلاء بذلهم..



ولا يطلب الحقيقة غير الصادقين!

- أطال الله عُمرك..، خطاب عاطفي يولد اعتقادًا زائفًا!
- أنت ستموت يومًا..، حقيقة يُدركها العقل وتخشاها العاطفة!
- ستُبعثُ بعد الموت، وستُحاسَب ويُغفر لك، وستدخل الجَنَّة وتعيش فيها مُخلَّدًا..، اعتقاد يُخاطب الضعف، يهدف إلى تجاهل الواقع!

- أنت لا تحمل من القيمة، ولا تستطيع من الفعل، ولا تُدرك من الحقيقة، ما يؤهلك للحساب والجَنَّة..، حقيقة ماثلة، لا يراها الواهمون!
- نحن نعرف الغاية من وجودنا ونُدرك رسالتنا – بغض النظر عن غياب الدليل وانعدام البرهان..، اعتقادات!
ونعلم المعادلة التي تُحدد نتائج الأفعال، ونغض الطرف عن الواقع..، نتائج اعتقادات!

- نحن لا نُدرك سوى أننا موجودون، ونعلم كيف تم وجودنا، والأمانة تُحتِّم علينا ألا نقول إلا ما نعلمه، وألا نَشهد بما لم نشهده..، حقائق يُدركها الجميع!
………………………………………………….


القناعات التي تتكون نتيجة المعتقدات، هي إجابات افتراضية عن تساؤلات واقعية!
هي مثل الأحلام الجميلة، تُريح النفس الضعيفة – رُغم أنها لا تُغير الواقع ولا تصنعه!
ولكن، ولأنه لا بديل عن الاعتقاد إلا الحقيقة، ولأن الحقيقة لا تأبه بالمشاعر ولا تعمل بالعواطف، ولا تُشرك السائل في اختيار الجواب..،
ولأن المعتقدات نقيض الحقائق، حيث إنها تُفصِّل الجواب على مقاس السائل، فتؤمِّن الخائف، وتؤمِّل الحالم، وتَعِدُ الطامع، وتُوهم السامع..،
لذلك انتشرت المعتقدات وكثر أتباعها، وانحسرت الحقائق وقلَّ الطلب عليها!
…………………………………………………………..
- هل يوجد أصل لمفهوم التطرف أو الغلو أو التشدد الديني – لدى بعض أتباع الأديان، تجاه غيرهم من البشر؟
- الجواب البديهي والمختصر: لا يوجد أصل لهذا المفهوم إلا في مخيلة الواهمين وعلى ألسنة الجهلة والساخرين!
وليس القبول بوجوده، واستعماله لغويًا ومجازًا من قِبل المدركين، إلا تهرُّبًا من دفع فاتورة المفهوم الحقيقي للسلوك البشري والعلاقات البشرية!
إن القائلين بهذا المفهوم، كأنما يُسلِّمون من حيث المبدأ بصحة تقسيم البشر إلى رجال أديان و رَعِيَّة جاهلة..، وهذا بالطبع يتنافى كلية مع مبدأ أهلية كل البشر للتكليف والحساب!
إن وصف سلوك الأغبياء والعابثين والواهمين والإرهابيين، بأنه تطرف وتشدد وغلو، هو ضحك مفضوح على العقول، وهو جهل في أحسن الأحوال!
إن القول بهذا الوصف وهذا المفهوم المسخ، هو تبرير للجريمة، وتسويق للمؤامرة!
إنه تجاوز وتحايل لئيم على أصل المشكلة ..،
إنها مؤامرة خبيثة مفضوحة، يُنفذها أغبياء ويتستر عليها الأذكياء والأقوياء، بهدف الإبقاء على معتقد سعادة البائسين وكرامة الأذلاء!
إنه وبترديد هذا المفهوم المغلوط، والذي تمت صياغته ونشره في عصور الجهل والخوف البشري – عندما كان الإنسان يجهل جُلَّ ما حوله..،

تمكَّن العابثون والطامعون الساعون للمجد على أكتاف الغافلين، من إقناع الأغبياء بممارسة العبودية وادعاء الحرية، وتمكنوا من إيهام المهزومين بالشعور بالنصر..، فأصبح الواهمون يتجاهلون حقائق يعيشونها لصالح أوهام يعتقدونها!
إن الذي يجري باسم الأديان والطوائف، ليس سوى استهتار بكينونة الإنسان، وتطاول على حقوقه وكرامته المفترضة!
إنه، وحتى على افتراض صحتها ..، فكان ينبغي أن تكون الأديان هي التي أعقبت الإنسان وجاءت لهدايته، وليس الإنسان هو الذي جاء لإصلاح الأديان!
فإذا فشلت الأديان في هداية الإنسان، فكيف يُصلح الإنسان الأديان- وهي التي جاءت لإصلاحه؟
…………………………………………………………..
- رفع سقف الآمال يؤدي بالإنسان إلى افتعال المجهول، والمجهول عدو الواهمين..،
فيتوهم الإنسان الخوف وتزداد حاجته للأمان، مما يُحيل الخوف الطبيعي جُبنًا اصطناعيًا، ويجعل الوهم حقيقة في مخيلة الحالمين!
- افتراض الأمل في غياب الحقيقة، هو أوضح صورة للوهم!
- اضطرار الإنسان للقبول بإجابات افتراضية على تساؤلات واقعية، هو دليل على ضآلة رسالته في الوجود!
- ليست الشجاعة أو المعلومة، بل المصداقية، هي ما ينقص الإنسان لكي يرفض الوهم ويعيش الواقع!
- خوف البشر من المجهول، هو المادة التي تتغذى عليها كل المعتقدات!
…………………………………………………………..


الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي..
عالم الإنترنت، والواقع البشري..، أيهما الحقيقي، وأيهما الافتراضي!
كثيرة هي العناصر المُلحقة بالإنسان، والتي تبدو أساسية في حياته وشخصيته ..، 
بينما هي في الواقع عناصر افتراضية مرحلية متغيرة، لا تعكس هوية وحقيقة حاملها ..، منها: الاسم، الجنسية، المعتقد والديانة، الوطن، اللغة، الوظيفة، مجال التخصص العلمي والعملي، الحالة الاجتماعية، العادات والتقاليد، …الخ؛
والغريب اللافت في هذا الأمر، هو أن الكثيرين من البشر لا يزالون يفترضون أن هذه العناصر الاصطناعية المرحلية المتغيرة في حياة الإنسان، وتلك الصفات التي تسبق حاملها أو تُفرض عليه أو يكتسبها بصورة عشوائية أو اضطرارية..، 
يفترضون أنها أساسٌ صحيح لإدراك وتقييم حقيقة وهوية حاملها، ومن ثم يعتبرونها أرضية ومنطلقًا سليمًا لوصف الواقع البشري بأنه "واقع حقيقي"!
والحقائق التي يتجاهلها هؤلاء، وما أكثر الهؤلاء..،
هي أن الوجود المادي الظاهري المحسوس للإنسان، هو فقط كل ما يُمكن إثباته واعتباره حقيقة وحيدة مُدركة متفق عليها عن الإنسان، وهي الحقيقة التي يتم التأكد منها بموت الإنسان..، إذ لولا حقيقة الموت لكان حتى الوجود المادي للإنسان محل تساؤل وتشكيك!
وأما الحقيقة التي ربما يجهلها الكثيرون، فهي أن معاملات الإنسان للآخرين وتقييمه لهم، لا تنطلق ولا تستند إلى الواقع مباشرة، وإنما تستند إلى صورتين وهميتين افتراضيتين يرسمهما الإنسان في مخيلته عادةً..،
الصورة الأولى.. تُمثِّل مقامه لدى الآخرين، والصورة الثانية تُمثِّل حقيقة الآخرين لديه!
ويستند الإنسان في رسم وتحجيم وتلوين الصورة الأولى، إلى ما يُظهره الآخرون له من تقدير لشخصه في حضوره، وما يقولونه عن أنفسهم – وهو مدح دائمًا..، وهذه معطيات لا تعكس الحقيقة بالضرورة، ولا يمكن التحقق منها إلا بتجارب عملية!
وأما الصورة الثانية، والتي تُمثِّل حقيقة الآخرين لدى الإنسان، فإنه يستند في رسمها وتلوينها وتأطيرها، إلى العناصر سالفة الذكر ( الاسم، الجنسية، الدين، الطائفة، المستوى التعليمي، المنصب، …الخ).
وما يتجاهله أو يجهله الكثيرون هنا، هو أن هذه العناصر خادعة، حيث يمكن امتلاكها كما يمكن ادعاؤها وإخفاؤها واستغلالها..، وهي بالتالي لا تعكس ولا تُحدد حقيقة حاملها!
وبالنتيجة تُصبح تلك الصور، مصدرًا للخصومات والأحزان!
فتلك الصور الافتراضية، هي التي توهم الإنسان بقدرته على تنبؤ وتوقع سلوك الآخرين ونتائج معاملاته معهم..، ومن ثم وقوعه ضحية للصدمة وخيبة الظن، عندما تأتي النتائج بغير ما كان يعتقد ويظن!
ولكن، وبسبب الوهم البشري المزمن في هذا المجال، فإن الإنسان يذهب مباشرة لتجريم الآخرين، واعتبارهم قد افتعلوا الخطأ عمدًا واستهانة به – على افتراض صحة تنبؤاته وتوقعاته-، وذلك بدلاً من الإقرار بخطأ توقعاته وخطأ الصور التي رسمها واستند إليها، وأن ذلك جُرمه هو لا جُرمهم!
إن التعامل البشري المباشر دون الاستناد إلى صورٍ مسبقة، يتجسد ويتضح في معاملات الإنسان مع الغُرباء دون وسيط!
ولعل المجتمعات المتحضرة والعقلانية، قد تجاوزت أو تكاد، هذه المرحلة العاطفية التي لا يزال يتخبط في أوهامها البدائيون!
هذا هو حال وحقيقة الواقع البشري، والذي يفترضونه واقعًا حقيقيًا..،
بينما يعتبرون واقع الإنترنت عالمًا افتراضيًا، وهو في الواقع أجدر بصفة العالم الحقيقي!
إن الهوية في عالم الإنترنت، هي الهوية الفكرية، وهي التي تُعبِّر بصدق عن حاملها!
فقد غض الإنترنت البصر، وتجاوز الساحات التي يمكن للإنسان أن يكذب ويُخادع ويُخدع في دهاليزها؛
وانطلق هذا الفضاء من حيث لا حاجة للكذب ولا مجال للخداع!
ففي عالم الانترنت، كل المعطيات والمعلومات مطروحة أمام الكل، والكل شاهدٌ، والكل قاضٍ، والكل له حرية إبداء الرأي وحرية اتخاذ القرار بما يتوافق ويعكس هويته الحقيقية!
إنه، وبظهور ساحة الانترنت، فقد افتضح أمر إخفاء المعلومة، وبَطُل مفعول سحر احتكار الحقيقة!
بفضل عالم الإنترنت والحاسوب، لم يعد بإمكان المشعوذين ادعاء الكرامات!
بفضل عالم الإنترنت، سقطت ورقة التوت عن عورات أولئك الذين اختلقوا وكرسوا مفهوم البُسطاء، ومفهوم الخاصة والعامة..، كي يُبقوا البشر رهنًا لكراماتهم وذكائهم المزعوم، 
أولئك الذين وضعوا معايير المعرفة بما يُناسب ظروفهم وما لا يُناسب غيرهم..،
فاشترطوا على الضعفاء والفقراء والدراويش، قراءة واستيعاب وحفظ عشرات المجلدات من الروايات والكتب التاريخية، قبل أن يُفكروا مجرد التفكير في الحديث عن الفكر والمعرفة!
ها هي اليوم القواميس اللغوية، والمراجع التاريخية، والمعلومات في كل المجالات، ووجهات النظر العلمية والفكرية والفلسفية والدينية، في متناول الجميع..،
فهل ما تزال بالعاقل المكلف حاجة لإتباع وتقديس مكلفٍ مثله!
وهل يكون الواقع الذي أوجد هذه الحقائق، واقعًا افتراضيًا..، ويكون الواقع الذي يحجر على الفكر ويفسح المجال للكذب واحتكار المعلومة، هو الواقع الحقيقي؟


Leave a Reply

*